Tuesday, November 29, 2011

عري علياء صفعة مزدوجة للرجعيين والتقدميين



عري علياء المهدي..
صفعة مزدوجة لمجتمع الرجعيين والتقدميين على السواء



إبراهيم فرغلي
قبل ثورة 25 يناير بنحو ست سنوات، وقفت هند الحناوي بمفردها، وبدعم معنوي من والديها في مواجهة مجتمع ذكوري غبي، للدفاع عن حقها في نسب ابنتها من علاقتها بأحمد الفيشاوي، الذي رفض أن يعترف بالنسب لأنه من البداية كان قد طلب من هند أن تجهض نفسها، لكنها رفضت واصرت على الحفاظ على جنينها، وعلى مدى عامين ناضلت الحناوي إعلاميا وقضائيا لكي تدافع عن حق ابنتها في الحياة والنسب، ونجحت في النهاية من انتزاع حقها بالقضاء الذي حكم بنسب الطفلة للفيشاوي، مستشهدا بابيات من قصيدة لنزار قباني،  وهو ما تسبب في صدمة عنيفة لمجتمع ذكوري متناقض، يمكنه أن يسمح بكل شيء طالما يتم في الخفاء والسر، لكنه لا يمكن أن يقبل الحقائق حينما تلطمه على وجهه وتواجهه بازدواجيته وانعدام إنسانيته المتخفي خلف دعاوي تتمسح بالدين أو بقيم قبلية مهترئة وبالية ولا إنسانية.
وجهت هند الحناوي صفعة عنيفة للرجل الذي تخلى عن مسؤوليته في علاقته بها، بل وبابنته التي آثر طويلا أن يتخلى عنها لتواجه مجتمعا ذكوريا وحشيا وقمعيا وحدها، فيما يتفرغ هو لدروس دينية كان عاكفا عليها آنذاك فأي رياء اجتماعي وازدواجية؟  وامتدت صفعة الحناوي مدوية لمجتمع كامل تحيز لقيم الذكورة العنصرية والرياء والنفاق  بلا اي مراجعة أو تانيب ضمير. آنذاك كنت أرى في موقف هند عملا ثوريا بامتياز في مجتمع مريض لا تزال تمارس فيه جرائم قتل باسم الشرف.
واليوم في عصر الثورة تضيف شابة أخرى لا يتجاوز عمرها 20 عاما تدعى علياء المهدي، مدا جديدا للثورة الاجتماعية بنشرها صورة عارية لها على مدونتها الشخصية، فتواجه بكم من العنف اللفظي والاتهامات اللاأخلاقية واللاإنسانية، إضافة للتعليقات من المتاسلمين والسلفيين التي تبدا من الاتهام بالفجر ولا تتوقف عند حدود الإلحاد، وهي الاتهامات التي تأخذ شكلا يبدو فيها مطلقوا التهم من هذا النوع اشبه بأصحاب صكوك الغفران، وهو متوقع بطبيعة الحال، مع الأسف، في مجتمع لا يزال يحبو في أولى خطواته نحو طريق الحرية. لكن ما يعنيني هنا هو موقف المثقفين الذين ينادون بالحرية والديمقراطية ويصفون أنفسهم بالليبرالية والتحرر، فماذا كان موقفهم من جسد علياء العاري؟
ربما نجد في الفيس بوك مساحة جيدة لاستعراض سؤال تردد من قبل أكثر من مثقف حول موضوع علياء المهدي وكأن الصورة العارية لعلياء بالفعل وضعت حتى المثقفين، او ربما كثير منهم أمام سؤال ملتبس عن موقفهم هل هو الحياد المطلق كأنه شان لا يعنيهم كما تساءلت هالة صلاح الدين؟ أم كسؤال عن حدود الحرية كما طرحه إيهاب عبد الحميد الذي كان يرى تمييزا واجبا بين حق الملحد في التعبير عن رأيه لكنه في الوقت نفسه يرفض الإساءة اللفظية للمقدسات، تماما كما يدلل بمثال آخر على تعاطفه مع موقف أو حرية مايكل نبيل في رفض اداء الخدمة العسكرية لكنه ضد مقولاته المتعاطفة مع إسرائيل. ويعكس إيهاب عبد الحميد بشكل ما ارتباك المثقف أمام سؤال الحرية في حالة علياء، وفي الموقف الذي يمكن أن يتخذه المثقف المنادي بالحرية.
اي أن الجملة الضمنية في هذا الموقف هي "انا مع حرية التعبير ولكن في حدود أو بشرط" ويصبح السؤال هنا من يضع الحدود والشروط أو كما تقول الشاعرة إيمان مرسال " إذا كان الواحد ضد فكرة العري ولا يرى فيها إلا الوجه الآخر للاختباء خلف جدار أو نقاب فما الذي عليه قوله أمام عُري علياء؟ هل يدافع عن حريتها الشخصية في التعبير أم يتخلى عنها؟ وهل هناك معنى للدفاع عن حرية التعبير لو كنا ندافع فقط عن حرية من يتفقون معنا فيما يعبرون عنه؟ يمكننا بالطبع الخروج من هذا المأزق بمقولة من قبيل "نحن مع حرية التعبير ولكن على أن يكون لها سقفاً؟". أي سقف هذا ومن لديه صلاحية وحق تحديد ارتفاعه أو انخفاضه بالسنتيمترات أو بقائمة الملابس التي يمكن خلعها أمام الكاميرا . مَن سيقوم بهذا الواجب القومي؟ أنا أم علياء أم الشيخ عبد المنعم الشحات أم جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بفروعها المتعددة في مصر؟".

علياء المهدي نفسها توضح موقفها من فكرة السقف هذه حين تعلق على واحد من  بين المترددين على المدونة في قائلة "الحرية ليست في أن أفعل ما يسمح لي بفعله, لكن في أن أفعل ما أريد طالما لم أتعدي علي حريات الآخرين سواء وافقني أو عارضني المجتمع ولا أخاف من العواقب. أنا باعمل اللي عايزاه داخل وخارج حدود المدونة ومدركة إني ممكن أدخل السجن بسبب ما أنشره علي مدونتي".
في بعض التعليقات التي كتبت على مدونتها تعليقا على الصورة اتخذت بعض السيدات صورة السيدات العالمات بالفضيلة التي لا تعرفها "علياء" من وجهة نظرهن، والبعض اعتبرها مجرد "ضحية" لظروف اجتماعية قاهرة كما اشار مثلا سيد القمني في تعليق له، وقد علقت ايمان مرسال على ذلك بالقول :" الذعر الحقيقي أصاب بعض إن لم يكن معظم من يؤمنون بحرية التعبير وأنا منهم؛ ما الذي يجعل علياء تضحي بنفسها هكذا؟ من أجل ماذا بالضبط؟ أفكر فيها كشخص أصبح موضوعاً، يالتعاسة أن يصبح شخصاً - أياً كان - موضوعاً. ومثل القمني أفكر فيها لوهلة كـ "ضحية"، كنتاج "خلل اجتماعيّ"، كعينة على "العبث"؛ هل هي بريئة، صغيرة أم حمقاء أم كل هذه الصفات معاً؟ أتعاطف معها للحظة وأنتبه إلى أنه كان يمكن أن يكون لدي بنتاً في مثل عمرها فيزعجني أن يكون الارتباك الذي سببته لي و"لنا" له علاقة بالأجيال، بأننا آباء ولا نستطيع أن نفهم كيف يحتجّ أبناؤنا".
هكذا اذن نجحت علياء في ان تصيب العلمانيين والليبراليين انفسهم بالذعر وبوصف مرسال:"كان عُري علياء قد سبب ذعراً لبعض العلمانيين والليبراليين والمؤمنين بحرية التعبير فهذه هي المفاجأة الأهم التي نتجت عن براءتها أو ثوريتها أو حمقها".
تعترف نادين شمس، الكاتبة والسينمائية المصرية:"علياء اربكتنا، لكن هذا هو المطلوب..في بعض الأحيان يكون تأثير الكلمات مع الوقت ضائعا، لكن الصورة – الفعل أقوى، وقد "فعلت" علياء ولم تفكر ، وحاولت أن تثبت بطريقة بدائية جدا وجهة نظرها ونجحت . إختارت ان تكون وتركت لنا حرية أن نراها كما نرغب كل وفق مرجعيته دون المساس بمساحتها، فقط  على أن نتركها تكون، بعد ذلك فيلسمها أى منهم أى اسم، فهذا لن يهم، إنها هي تقف بسنواتها العشرين قوية تتحدى من يكرهون الجسد ومن يلعنون اللحم وهم له عبيد".

 الكاتب أحمد غريب يضع المسألة في إطارها كفعل ثوري قائلا:" بمعنى ما نشر علياء لهذه الصور في فضاء مفتوح لحظة تاريخية، لكنها لحظة لاتزال في حالة سيولة لا نستطيع استشعار نتائجها. هناك بعض النقاط تستوقفني كأحجار نخطو فوقها لتتبع تفاعلات هذا الحدث الذي لايزال طرياً يتشكل.
أولاً: الجدل حول ربط مبادرة علياء بالثورة، بينما هو في حقيقة الأمر ثورة في حد ذاته، لذا لم يكن مستغرباً أن تنفي حركة 6 إبريل انتماء علياء لها، وهو ما فعلته علياء بالمقابل عبر موقع تويتر حيث نفت هي الأخرى أي انتماء أو ارتباط لها بالحركة، لأن فعلها أصيل وصادر عن نفسها، إنه ثورتها الخاصة كامرأة.
ثانياً: إنه فعل فردي، وهو الأول من نوعه من هذه الناحية، كون هذا الجيل الشاب الثائر يتميز بالجماعية وبقدراته التنظيمية وأيضاً كثافته العددية؛ وهذه الكثافة والجماعية أتاحا له تفوقاً عددياً وتنظيمياً على أجهزة القمع البوليسية، لكن مبادرة علياء هي الأولى بين هذا الجيل كعمل فردي - وهي ليست الأخيرة - كون التفاعلات الثورية لاتزال مشغولة بموضوع أساسي حتى الآن هو "تمكين الثورة" ما يتطلب تضافر الجهود الجماعية وتأجيل المبادرات الفردية التي ربما ستأخذ موضعها في مرحلة تالية. لكن من ناحية أخرى مبادرة علياء تحديداً لا يمكن أن تكون إلا فردية ما دامت تتحدث عن الحرية والعتق من سيطرة الآخر سواء كان ذلك الآخر سلطة أبوية للآباء والأقارب أو سلطة معنوية للمجتمع، هذا العمل يتسق أكثر مع نفسه بتأكيده على صيغته الفردية، والتي تضع محاولات منتقديه في مأزق، كون المبادرة وتعليقات صاحبتها في النقاش مع منتقديها لم تؤكد على شيء سوى استقلاليتها كفرد، إنها لم تطالب أحداً -حتى الآن- بالتضامن معها، كل ما طلبته فهم رسالة استقلالها الجسدي، أو على الأقل هذا ما وصلني من مدونتها.
ثم يقارن غريب بين رد الفعل تجاه علياء والفتاة سميرة ابراهيم التي قررت أن تفضح تعرضها لفحص العذورة على يد العسكر معرية المنطق الذكوري الكامن لدى السلطة من جهة، والمفاهيم المزدوجة وربما المتناقضة للعفة لدى السلطة والجمهور معا.

تفتح صورة علياء المهدي بابا واسعا لنقاش مأزق الحرية في مجتمع يعيش ثورة بينما لا تزال غالبيته العظمى تعاني من كل القيم التقليدية التي تتعارض في مفهوم الثورة الذي يفترض في جانب منه مراجعة أدواته المعرفية ووسائل هذه المعرفة، واختبار القيم وفق منطق إنساني لا منطق قبلي أو طائفي.
تقف علياء أمام عدسة كاميرتها التي ضبطتها بالتوقيت الذاتي، بوجه بريء وطفولي بجسد عار، إلا من جوربين شفافين وحذاء أحمر،  توجه نظرة واثقة من أن جسدها النحيف الصغير هذا سيكون مركز الإطلالة على نوافذ واسعة يخشى المجتمع أن يقترب منها خشية السقوط دون ان يعرف حتى ما خلف النافذة.. كأنه الخوف المتراكم من أزمنة القمع الذي لا يزال يجعل صاحبه يفضل ان يقف بعيدا يرقب النافذة المغلقة على أن يفتحها ويرى ما قد يفاجؤه ويتطلب منه فعلا ما، أو ربما قفزة في الفضاء لا يبدو أن أحدا مستعدا لها حتى هذه اللحظة.




 نشرت في النهار اللبنانية في 22 نوفمبر 2011

2 comments:

الموجى said...

احسنت

Anonymous said...

علياء التي صدمت الجميع بجسدها العاري لم تصدمني. هل لأنني أنثى مثلها؟ لم يمنعهم الحياء من النظر اللي جسدها العاري مرة بعد مرة ثم قرروا أن يطهروا انفسهم بوابل الشتائم والدعاء عليها. مجتمع مهموم ومثقل بعوراته الكثيرة. نتعاطف معها أو ربما نلعنها ولكن دعونا نعترف ان جسدها العاري غطى على كل عوراتنا.

تحليلك أكثر من رائع.