Tuesday, September 15, 2009

بيت بريخت


بيت بريخت‮.. ‬ونوافذ تطل علي الحياة‮!‬


كتب ابراهيم فرغلى


من بين بيوت الأدباء التي أتيحت لي فرصة زيارتها أحببت البيت الصيفي لبرتولد بريخت‮. ‬بيت صيفي أوروبي،‮ ‬بالسقف الخشبي المخروطي الداكن اللون،‮ ‬تتخلل واجهته والجانب المطل علي البحيرة نافذة زجاجية بحجم الجدار تقريبا محددة بأطر خشبية صغيرة‮.‬ جاءت زيارتي لبيت بريخت بمحض الصدفة،‮ ‬حين كنت في زيارة لإحدي أفراد العائلة د.سونيا حجازي في برلين واقترحت اصطحابي،‮ ‬مع عائلتها الصغيرة،‮ ‬إلي بيت صيفي علي بحيرة في قرية بوكو التي تبعد نحو‮ ‬70‮ ‬كيلومترا من برلين‮. ‬وكان بيت بريخت الصيفي وزوجته هيلين فايجل،‮ ‬هو البيت المتاخم‮.‬ أحببت هذا المكان لأنني أظنه المكان المثالي لكاتب،‮ ‬علي النقيض من بيوت زرتها عمدا‮: ‬مثلا صدمني بيت فيكتور هيجو بفخامته الارستقراطية،‮ ‬وفراش نومه الوثير المغطي بناموسية تتدلي من أربع أعمدة خشبية تحيط بالفراش،‮ ‬بينما منزل‮ ‬هرمان هسة،‮ ‬علي بساطته،‮ ‬وارضياته الخشبية،‮ ‬لم يكن سوي موقع ميلاده،‮ ‬والأمر نفسه بالنسبة للبيت الريفي شرقي الطراز الذي ولد فيه إيفو أندريتش قبل ان ينتقل ليعيش في فيشيجراد،‮ ‬علي الحدود مع صربيا قريبا من نهر درينا،‮ ‬مع أمه بعد وفاة ابيه‮.‬ أشجار الصنوبر الباسقة،‮ ‬شجيرات الورد البري،‮ ‬كأنها أشجار السماء تحيط بالبيت البسيط من كل مكان،‮ ‬فيما تطل‮ ‬غرفه الداخلية علي البحيرة الرمادية الغامضة الفاتنة‮: ‬بحيرة شيرموتزيل المحاطة بكثافة خضراء من كل الاتجاهات حولها إلي الجوار مبني خشبي صغير تناثرت فيه بتنسيق قطع من ديكور مسرحياته،‮ ‬وبينها العربة الخشبية الشهيرة‮ ‬في مسرحية الأم الشجاعة‮. ‬هذا المبني القريب تماما من البحيرة كان في الواقع‮ ‬غرفة الكاتب،‮ ‬غرفة بريخت كاتبا‮.‬ من نوافذ البيت المتاخم كنت أتأمل البحيرة‮: ‬أتساءل كيف رآها بريخت؟ بم أوحت إليه؟ إلي ما تفضي تلك الضفة الأخري القريبة كثيفة الأشجار والخضرة؟‮ ‬غابة أخري مثل الغابة التي تقع خلف بيت بريخت نفسه؟ أظن أن ثمة علاقة وثيقة بين بيئة الكاتب ونصه‮. ‬الكاتب المحاط بالغابات،‮ ‬والبحيرات الغامضة وتلال الأخضر اللانهائي المترامية،‮ ‬لا بد أن يكتب نصا مركبا،‮ ‬ففي الغابة عليك أن تسير بين أعداد لانهائية من الأشجار الباسقة،‮ ‬لا تسمح لك برؤية أي أفق،‮ ‬عليك أن تخترقها،‮ ‬أن تحفز حواسك‮: ‬أن تنصت لأصوات الطيور،‮ ‬وحفيف الأشجار،‮ ‬وخشخشة أوراق الشجر تحت قدميك،‮ ‬وتتكهن بما لا تراه‮. ‬عليك أن تمنح خيالك طاقته القصوي لكي تتنبأ بما تأويه الضفة الأخري من البحيرة‮.‬ بينما بيئتنا نحن مسطحة مكشوفة،‮ ‬صحراوية،‮ ‬بسيطة،‮ ‬أفقها محدود‮. ‬فكرت أيضا في أن نزعة الأسطورة والغرائبية عندي ربما مستقاة من البيئة التي تشكل فيها وعيي،‮ ‬في سلطنة عمان،‮ ‬محاطا بالجبال،‮ ‬والكهوف،‮ ‬عوالم كاملة،‮ ‬ومتاهات،‮ ‬في بطون الجبال،‮ ‬الرطبة،‮ ‬الغامضة الكتوم‮. ‬أنا أيضا‮ ‬غامض وكتوم كما يطلق علي المقربون‮.‬ أحببت بيت بريخت ربما لأنني لم أمتلك حتي اليوم مكانا للكتابة،‮ ‬ولعلني لو وجدت مكانا كهذا يوما سيستبد بي الحنين في فضائه للمقاهي العديدة التي كتبت فيها جميعا،‮

‬وبالخصوص لكل ركن متاخم لنافذة تطل علي الحياة‮.


نشرت في صحيفة روزاليوسف 13 سبتمبر2009‬

2 comments:

La Gitane Libanaise said...

أهنئك على هذه الموضوعات الجميلة.مودتي
د.هدية الايوبي
باريس

إبراهيم فرغلي said...

سعيد بمرورك هنا جدا يا دكتورة وشهادتك اعتز بها كثيرا
محبتي