Friday, June 27, 2008

ألبير قصيري المصري بامتياز



ألـبـر قـصـيـري عــاش ومــات فـي عـزلــتــه الــفــرنــســيــة... مــصــريــاً بــامــتــيـــاز



على الرغم من أن ألبر قصيري عاش في فرنسا لفترة تزيد على ثلثي عمره، إلا أنه عاش مصرياً ومات مصريا، عن عمر يناهز الخامسة والتسعين، حيث لم تغيّر الأيام الفرنسية موضوعاته وأسئلته وهواجسه، ولم يسع خلال ذلك الى الحصول على الجنسية الفرنسية على مدى ما يناهز 63 عاما أمضاها جميعا في حي سان جرمان بباريس، منذ رحيله عن مصر في عام 1945. مع ذلك، لا يبدو أن المناخ الثقافي المصري تعامل مع الكاتب الراحل بالدرجة نفسها من التقدير للثقافة التي ينتمي إليها، هو الذي تعوّد أن يصف نفسه بـ"الكاتب المصري"، إضافة إلى أن رواياته وأقاصيصه الثماني، باستثناء عمل واحد، تدور حول طبقات المهمشين في المجتمع المصري. حتى الآن لم يترجم من أعماله سوى ثلاث روايات هي "شحاذون ونبلاء"، ثم "منزل الموت الأكيد‏" عن "دار سعاد الصباح"، و"العنف والسخرية" ترجمة محمود قاسم‏، في "سلسلة روايات الهلال"‏، احتفالا ببلوغ قصيري الثمانين من عمره‏، وحصوله على جائزة الأكاديمية الفرنسية عن هذه الرواية‏.
إذا كانت المخرجة السينمائية المصرية أسماء البكري نجحت في لفت الانتباه إلى اسم ألبر قصيري بعدما أخرجت فيلماً مأخوذاً عن روايته "شحاذون ونبلاء"، فإن المترجمة والشاعرة المصرية هدى حسين لعبت دورا لا يقل أهمية، في التركيز على خصوصية أسلوب قصيري الأدبي عندما ترجمت قصة "البنت والحشاش"، التي نشرتها مجلة "أدب ونقد"، في نهاية التسعينات، وأثارت اهتمام الوسط الأدبي والثقافي، ربما أكثر بكثير مما فعلته الروايات التي ترجمها محمود قاسم. السبب أن مستوى الترجمة أدى دورا كبيرا في توجيه الأنظار الى مستوى اللغة التي يكتب بها قصيري، وطبيعة الأجواء التي يعبّر عنها، والتي بدا واضحا توازنها بين اهتماماته بأسئلة وجودية وجمالية معا. فقد عكست ترجمة "البنت والحشاش" الدقة الشديدة التي تتمتع بها جملة ألبر قصيري الأدبية، وهذا ما أوضحه في إحدى المقابلات الصحافية بقوله: "تقريبا لم أكن أقوم بشطب أي كلمة. لكي أكتب كنت أنتظر إلى أن أجد الكلمة المناسبة. كان في وسعي أن أفتش عنها لبضعة أيام. لا توجد عبارات فائضة عن الحاجة في كتبي. لهذا السبب أكتب ببطء شديد".يوضح الشاعر والمترجم بشير السباعي في اتصال هاتفي معه، أنه سمع من الناقد الراحل غالي شكري، نقلا عن ألبر قصيري نفسه عندما التقاه غالي في باريس بعد صدور الترجمة العربية لبعض رواياته، أنه مستاء من الترجمة. وفي عام 2006 كانت فرنسا قد احتفت بإصدار الأعمال الكاملة لقصيري (متضمنة رواياته الست ومجموعة قصصية)، التي تصدرت يومذاك واجهات المكتبات الفرنسية. لكن الأمر في مصر، ظل على حاله. فلم يصدر المجلس الأعلى للثقافة والفنون أي أعمال مترجمة لقصيري. وكان الدكتور جابر عصفور، في خلال فترة توليه أمانة المجلس أوضح أن "المشروع القومي للترجمة" لم يكن لينشر سوى مستوى معين وجيد من الترجمة، وهذا ما تسبب في تأخير صدور أعماله، إذ لم يبادر أحد من المترجمين الجيدين بتقديم ترجمات لأعمال قصيري.يقول بشير السباعي، في ضوء خبرته كمترجم، إن الترجمة لا يمكن أن تتم إلا بمبادرات من مترجم يحب النص الذي يبتغي ترجمته، ويعرف أنه سيضحي بالكثير من الوقت، وسيبذل الكثير من الجهد لكي ينجز الترجمة. وكما فعلت هدى حسين، ولفتت الوسط الأدبي المعاصر الى ألبر قصيري عبر ترجمتها "البنت والحشاش"، لا بد أن يظهر جيل جديد من المترجمين يكون بينهم من يعرف قيمة نصوص قصيري، وخصائصها المميزة، ويتولى ترجمتها على الوجه المأمول. لكن المشكلة أن بعض أعمال قصيري قد سبق ترجمتها، وتالياً فإن إعادة ترجمتها بالدقة والمستوى اللائقين قد تستغرق بعض الوقت. ومع ذلك، فلا بد أن تترجم أعماله بشكل جيد ليتمكن القارئ العربي من التعرف الى الأسلوب الأدبي الخاص لألبر قصيري.لكن هل يكفي تبرير كل من عصفور والسباعي، لتوضيح أسباب تهميش ألبر قصيري في مسيرة الأدب المصري المعاصر؟ وهل اعتبر الوسط الأدبي أن أدب قصيري فرنكوفوني، ولا يدخل في نسيج الأدب العربي، بطيفه المصري على نحو خاص؟ وهل صحيح، كما أشاع بعض الأكاديميين، أن جرأة نص قصيري، ساهمت في عدم إقبال المترجمين على نقل أعماله؟


شخصياً، لا أظن أن جرأة نصوص قصيري قد تكون سببا من أسباب تجاهل ترجمته، لأن هناك أعمالا ترجمت بالفعل من دون أن تثير شيئا من هذا، لكن ربما يمكن النظر الى المسألة من زاوية مختلفة، ومنها وضع ألبر قصيري في سلة واحدة مع مجموعة السورياليين المصريين الذين ذاع صيتهم في أربعينات مصر من أعضاء "جماعة الفن والحرية"، أمثال جورج حنين، وكامل التلمساني، ورمسيس يونان‏، وأنور كامل‏،‏ وفؤاد كامل‏.فغالبية هؤلاء، كما يرى الشاعر المصري مهاب نصر، ينتمون الى طبقة أريستوقراطية معزولة مرتين: مرة لرفضها المجتمع وقيمه التقليدية، وتاليا لعزلتها في اللغة الأجنبية التي يكتبون بها، على الرغم من الجانب الإيجابي المتمثل في صلتها بالمتغيرات والقيم الفنية الغربية، وموقعها من الحوادث التي تدور في المناخ العالمي إجمالا. لكن هنا تجدر الإشارة إلى أن ألبر قصيري تمتع بخصوصية كونه معبّرا عن الهامش المصري، والطبقات الاجتماعية الفقيرة في أدنى فئات الطبقة الوسطى، والطبقات الشعبية إجمالا. أما المستوى الثاني فيتمثل في عزلة ذلك الجيل من الكتّاب الفرنكوفونيين والسورياليين، وبينهم قصيري، لأسباب لها علاقة بمركزية سؤال الهمّ الوطني وتغليبه على السؤال الإنساني في الوسط الثقافي المصري. وهذا ما يذهب إليه مهاب نصر أيضا؛ إذ يلفت الى فكرة مهمة مفادها أن المسار الذي حافظت عليه الثقافة المصرية، لفترة طويلة، وكان له دور كبير في إقصاء هؤلاء الكتّاب من المشهد الثقافي المصري، هو مسار كان يضع الدائرة الوطنية في صلب أولويات الثقافة، وليس الدائرة الإنسانية. وتالياً، كان هذا المسار مسؤولا عن تهميش أي أسئلة أخرى بعيدة عن سؤال الوطنية، سواء أكانت أسئلة وجودية مما طرحها ألبر قصيري في أعماله، أم أسئلة فنية وجمالية مما طرحها مجمل إنتاج "جماعة الفن والحرية" في نصوصهم التي انتمت في غالبيتها الى تيارات السوريالية، شعرا ونثرا وفنا على السواء. وهو ما كانت له شواهد عديدة تمثلت في ظهور اتجاهات نادت بالتحرر من ثقل الإيديولوجيا والانحياز الى مقولة الفن للفن، عقب أزمات أو انكسارات وطنية وسياسية مثل هزيمة 67، التي تبلورت في إثرها محاولات في هذا المنحى لعدد من الكتّاب أبرزهم إدوار الخراط.الحقيقة أن البر قصيري، من بين كتّاب تلك المرحلة، كثيرا ما تم تمييزه بين أقرانه، بأقلام النقاد المصريين والمثقفين من دارسي الأدب الفرنسي، والفرنكوفونيين إجمالا. من هؤلاء الدكتورة أمينة رشيد، أستاذة الأدب الفرنسي، التي أشارت في معرض تناول جماعة السورياليين، إلى تميز ألبر قصيري بينهم، لأنه "استطاع بحق أن يمس الحياة المصرية الصميمة".


تقول الفنانة والصحافية والناقدة المسرحية منحة البطراوي: "قرأت ثلاثة أعمال لقصيرى لا أتذكر منها سوى "تنابل الوادي الخصيب"، حيث يكتب عن مصر والمصريين بدراية فائقة، بما يجعل من غير الممكن اعتباره استشراقيا. هو كاتب ذو أسلوب، على عكس بعض الفرنكوفونيين الذين أبدوا اهتماما بمصر أو الشرق مثل روبير سوليه الذي يعتمد على الأفكار والموضوعات فلا تجد له أسلوبا أدبيا خاصا". وتؤكد البطراوي ضرورة ترجمته الى العربية بشكل جيد، "فهو كاتب مصري يكتب بالفرنسية وعلى القراء العرب التعرف اليه".يجمع قراء ألبر قصيري على أنه كاتب مصري يكتب بالفرنسية، وهذا صحيح، إذ أنه على رغم طول إقامته في فرنسا لم يكتب شيئا عن المجتمع الفرنسي أو الفرنسيين. "لم أغادر القاهرة لكي أهجر مصر. جئت إلى باريس لأن الأدباء المعتبرين كانوا يعيشون فيها. فرنسا بالنسبة اليَّ هي ستاندال، سيلين، مالرو، وأيضا لويس غويو، جان جينيه، جوليان غراك". المفارقة أن قصيري الذي كتب عن مصر والمصريين لم يأته التقدير من هناك بل جاءه من القراء الفرنسيين، وهذا بديهي طالما أنه يكتب بلغة هذا الجمهور، مع الأخذ في الاعتبار الطابع الخاص للغته التي أضفى عليها تأثيرا خاصا يناسب الثقافة التي يعبر عنها وهي الثقافة العربية. لكنه يعرف جيدا أن القراء في النهاية يتماثلون: "كتبي تتموقع في القاهرة، في الإسكندرية، في دمياط أو داخل إمارة صحراوية. غير أن ما أكتبه يخص كل الناس. فضلا عن ذلك، كلما مررت بشارع السين أجد قراء يحيّونني، يتحلقون حولي، يشرحون لي إلى أي درجة يتملكهم الإحساس بأنهم معنيون ومتأثرون بكتبي. الناس هم الناس سواء أكانوا في مصر أم في سان جرمان، الاختلاف يكمن في اللغة، إضافة إلى الموقف الشرقي الذي ينتمي بعمق إلى شخوصي: أنهم يشاطرونني أسلوبي في التفكير".


أخيرا، تجدر الإشارة إلى أن نمط حياة ألبر قصيري نفسه لعب دورا حيال تهميشه في الثقافة المصرية، إذ لم يبد اهتماما بالإعلام، وعاش مدى حياته في فندقه الباريسي "لا لويزيان" في حي سان جرمان، يتنقل بينه وبين مقهى "لو فلور" حيث أمضى سنوات مديدة يتناول فيه قهوته ويلتقي صحبته، ويرقب الصبايا والجميلات، ويتأمل ويفكر في ما يكتبه، عازفا عن الشهرة والأضواء والثرثرة.الثقافة الفرنسية هي التي أعادت الاعتبار الى ألبر قصيري بنشر أعماله الكاملة وتكريمه في الأكاديمية الفرنسية، كما منحته الثقافة الغربية ألقابا عدة منها "فولتير النيل". أما مصر، ومثلما يشيع في الثقافة العربية إجمالا، فإنها غالبا لن تنتبه إليه إلا بعد رحيله، وتضفي عليه هالة التقدير التي لا تمنحها سوى للأموات. لكن، لا بأس في ذلك، ما دامت الفائدة ستعود الى القارئ وإن متأخرة. لكن هذه المفارقة ربما تكشف الاختلاف الجوهري بين ثقافتهم الغربية وثقافتنا

العربية: فتلك ثقافة للحياة، وهذه ثقافة لا تمجد سوى الموتى، ونبش القبور


إبراهيم فرغلي

نشر المقال في (صحيفة النهار) اللبنانية -27 يونية 2008!

Saturday, June 21, 2008

هدوء القتلة


"هــدوء الــقــتــلــة" لــطـــارق إمـــام
!كتابة حديثة بدماء جثة السرد التقليدي



بـ"هدوء القتلة" ضرب طارق إمام نصلا عميقا في جثة النص السردي التقليدي، بيده اليمنى على ما

أتصور، وباليسرى كتب، بدم بارد، على جثة القتيل نصاً سردياً حديثاً، ومبتكراً، بامتياز. تماما كما يفعل بطل روايته سالم؛ القاتل المتسلسل الغائب في رؤاه، الذي يقتل ضحاياه بيده اليمنى، ليكتب باليسرى قصيدة جديدة مع كل ضحية، تاركاً سطوراً من الدماء تحيا بامتداد المدينة، بعد أن يعثر على مخطوط قديم لناسك كهل مجهول، يقود روحه، ويتخذ من مخطوطه كتاباً مقدسا يدير له حياته الخاوية.على الرغم من الطابع التأملي الذي تتسم به الرواية، فإن طارق إمام غلّف هذه التأملية والأفكار الذهنية، والفلسفية أحيانا، بحالة من المشهدية عبر صور ومشاهد تعطي هذا النص وجها من أبرز وجوه قوته، وتتكامل لتصوغ معا، حالة خاصة؛ تضفي تأثيرا يشبه مشاهدة فيلم، يدور في أجواء غامضة، ضبابية، في مدينة شاسعة، لكن أفرادها معزولون، أو تكاد تكون خالية.هذا النص مشغول بالتفاصيل، لكن كل تفصيل، يحيل على حكاية أخرى في الخلفية، وكل مشهد يتولد من تلك التفاصيل يؤدي بالراوي إلى مجموعة من التداعيات تتأرجح، على امتداد النص كله، عند الحد الفاصل بين الواقع والخيال.لو شئنا الدقة، فإن النص إجمالا ينتمي تماما الى الخيال، وهذا وجه آخر من وجوه تميزه، بينما الواقع ليس سوى محاولات مبتسرة للإيهام بوجوده، إذ ليس سوى واقع افتراضي أو خيالي. فقد يتطلع الراوي إلى واجهة محل زجاجي، يحدق الى المانيكانات، أو نماذج الدمى التي تعرض الملابس. سرعان ما نجد هذه المانيكانات تتحول جزءاً من نسيج السرد، فتتولد فيها طاقة تحركها في مسيرات ثورية، وتطوف حولها أساطير تقول بهرب فرد منها من قبضة الشرطة، حيث يشاهد، بين آن وآخر، يتأمل أقرانه بعدما تمّ وضعهم جميعا خلف واجهات زجاجية، بينما تثور داخله أسئلة عن فكرة القيد والسجن، لدى مقارنة حال هذا المانيكان بحال الجيل الثاني من المانيكانات المسجونة خلف الزجاج.تبدأ التداعيات بمشهد لطائرات ورقية تحلق في فضاء المدينة، ثم تحيلنا الطائرات المعدنية، بضوضائها، وصخبها العنيف، على الغرباء الذين يغفون فيها متعبين، يرقبون خرائط العالم من نوافذها، بينما ترقبها في الطريق، إضافة الى الراوي، مجموعة من المقعدين على كراسيهم المتحركة، ينطلقون في أسراب، يشاهدون الطائرات، وينتظرون أن يتسببوا، باندفاعاتهم العنيفة، في سقوط ضحية جديدة، تنضم إلى سربهم في اليوم التالي. ومنها إلى مشهد لأماكن يستقر فيها المعتقلون، بينما تغطي أصوات الطائرات على أصواتهم فلا يسمعها أحد.في كل مشاهد الرواية تتداعى مثل هذه الصور وغيرها، لكن اللافت تلك العلاقات الثنائية التي يفيض بها النص عبر تداعيات الراوي: فعندما يتحدث عن بيوت جديدة يشير إلى أن كل بيت جديد مكتمل يعني مقبرة جديدة مكتملة في مكان ما. وعندما يتحدث عن إحدى ضحاياه من أصحاب العاهات، بساق واحدة، يجري مقارنة بين الساق الخشبية والأخرى السليمة. وعندما يستقل سيارة أجرة يجري مقارنة بين المشهد الضبابي الممطر للمدينة من نافذته المغلقة والمدينة الحية كما تظهر من نافذة السائق المفتوحة، انطلاقا ربما، من الثنائية الجوهرية التي يتأسس عليها النص بين يدي هذا القاتل الذي يقاوم عراك يده اليمنى التي يستخدمها في القتل، مع يده اليسرى التي يكتب بها الشعر.كأنها مقابلات فنية، على مستويات عدة، بين الفن والوحشية، بين الموت والحياة، بين القبح والجمال، وفي الأساس بين تناقضات الكائن البشري وازدواجياته التي لا تحصى. وايضا كأنها ثنائيات فلسفية، ومقاربات فكرية، مرسومة بعناية، وحرفية في لوحات فنية سردية.يتعدد ضحايا القاتل، من مصور فوتوغرافي إلى جابر صاحب الساق الوحيدة، وبائعة الورد المحجبة، وإحدى مريدات الأولياء في مولد من الموالد، وصولا الى الإسكافي، وجارته العجوز، وعشيقته سلمى التي قتلها مرتين!يبدو القتل الثنائي لسلمى كأنه تأكيد لمنطق الرواية التي تقول بكل الوسائل الفنية، أنه لا توجد حقيقة واحدة، وأن منطق الأشياء قد يختلف بين كائنين متلاصقين، وأحيانا بين عضوين متماثلين لكائن واحد! وهو من جانب آخر تأكيد للطابع الفردي، كسمة حديثة في مجتمع يفقد واحدة من صفاته الأساسية العتيقة، وهي قيمة الجماعة لمصلحة الفرد. وللعزلة التي يعيشها هذا الفرد في الوقت الراهن بشكل عام.أخيرا تظهر شخصية هناء التي تبدو، حتى اللحظة الأخيرة، مشروعا لضحية من ضحاياه، لكنها، وبعد أن تتعرى له، تفاجئه بما لا يمكن أن يتوقعه.تتخلص الرواية من ميراث ثقيل من الإيديولوجيا، والتحليلات الاجتماعية، وحتى من خلق مجتمع طبقي وفقا للتراتبات الاجتماعية. ولعل مشهد المقعدين في مقارناتهم لأسباب عجزهم، يوضح الطريقة الفنية التي يتأمل بها النص فكرة التراتبية: "فمن فقد ساقيه في حرب مجيدة لا يمكنه أن يستوعب أنه يتساوى وذلك الذي فقدهما في حادث طريق عارض. لا يمكن من سقط من منطاد بينما يطارد سموات غير مرئية أن يكون أخا لعابر التهم القطار ساقيه أثناء سهوه". هذه الرواية لا تؤمن بسوى الفن، يدعمها الحس الساخر الباطني للنص، فكأنه نموذج للتعبير عن الهم الحقيقي للرواية بوصفها بحثا عميقا عن الهم الإنساني، على ما يقول ميلان كونديرا. وبينما شاع أن من فضائل النص الحديث الاختزال والتكثيف، اللذين برع فيهما طارق إمام مسيطرا على لغته الخاصة والجميلة، إلا أن الكاتب، في الوقت نفسه، لا بد أن يمتلك إحساسا داخليا، وميزانا ذاتيا، يتيحان له أن يضرب بعرض الحائط، إذا اقتضى الفن، كل مقولة لا تتفق وروح النص. فبسبب الإيجاز والاختزال افتقر النص الى مساحات كبيرة من التداعي كان في الإمكان أن تتاح بسهولة في نص مثل هذا قوامه الخيال؛ الذي لا يبدو الكاتب مفتقرا إليه على أي نحو. بل كأنه بذلك بدّد قماشة رائعة وأصيلة مجانا وبلا مبرر تحت ضغط مقولات نظرية لم تُختبر بشكل كامل. هذا الهدر المجاني لانسيال النص وتدفقه، والامتناع عن الاستمرار في غزله، على الرغم من توافر خام النسيج، أعطى الرواية طابعا تجزيئيا، إلى حد أنها بدت، في غير موضع، كأنها فصول لا علاقة في ما بينها، أو كأنها مشاهد تنتمي الى فكرة واحدة، لكنها تفتقر الى عناصر توحدها. لماذا يخشى كتّاب الأجيال الجديدة من طول النَفَس؟ ولماذا يقتّرون على قرّائهم باكتمال المتعة؟ سؤالان يجب ان يواجههما الكتّاب من التسعينات ومن اللاحقين، وإلا فالنتيجة غالبا ما ستكون ركاما من نصوص مبتسرة
إبراهيم فرغلي


نشرت في صحيفة (النهار) اللبنانية في يونية 2008...................................

Friday, June 13, 2008

الـوطــــن ســـــجـــن الإيــــديـــــولـــوجـــــيـــا



نـــــيــران الـمــخـــــيـم" لـلألـمـــــانـــــيــة يـــــولــيـــــا فـــــرانـــك فـي الـعـــــربـــــيــة




الـوطــــن ســـــجـــن الإيــــديـــــولـــوجـــــيـــا


ما هي قيمة الحرية الموجودة في الغرب إذا ما ارتدينا أحذية مستعملة لغرباء، وإذا ما سكنّا في غرف نقتسمها مع الآخرين، غرف استُعْمِلت أسِرّتها من آلاف السكان قبلنا بمفارش يمتلكها المخيم؟ لكنني لن أرتدي أبدا حياة لآخرين قد تم استهلاكها من قبل". هذا ما تقوله إحدى شخصيات "نيران المخيم" للكاتبة الألمانية يوليا فرانك، في فصل من فصول الرواية التي صدرت ترجمتها العربية أخيرا عن "دار شرقيات" في القاهرة، بالتعاون مع "مشروع ليتركس" الألماني للترجمة، وترجمها خالد طوبار. الفقرة نفسها تعبّر في ظني عن جوهر التجربة التي تتناولها الكاتبة في هذا الكتاب. تدور أجواء الرواية في أحد مخيمات اللاجئين الألمان في برلين (مخيم إيواء مارينفيلد) النازحين هربا من جحيم الفقر الموزع بالعدل عليهم في ألمانيا الشرقية آنذاك، إلى جنة الغرب الموعودة، أو المزعومة. لكنهم لا يصلون سوى إلى ذلك المخيم؛ حيث يعيش الأفراد والعائلات معا في غرف صغيرة يتقاسمون أسرّتها، في أجواء لا تذكّرهم إلا بالسجون، يعانون الفقر وقلة الطعام، وغياب الحرية، في مناخ يطغى عليه الخوف وتحقيقات أمن الدولة والمخابرات الألمانية والأميركية معا، وشيوع الإحساس بأن كل شخص هو جاسوس لجهة من تلك الجهات، مما يجعل الحلم الغربي كابوسا آخر، لا تقل مراراته في شيء عن مرارة المعسكر الشرقي الذي ينتمون إليه.تلقي يوليا فرانك الضوء على جوانب الحياة في ذلك المعسكر الكئيب، بمواصفات سكّانه شكلاً وموضوعاً، وتصف لنا أجواءه الكابية والكئيبة، والروائح البشعة، والبرد القارس، وتفاصيل الحياة المشتركة بين سكان المخيم، على اختلافاتهم الشخصية والاجتماعية والثقافية، بلا خصوصية من أي نوع، والانطباعات التي يرددها الغربيون عن القادمين من الشرق، وغيرها من التفاصيل بدقة، وبوعي فلسفي، تؤكد هذه السمة كخاصية أساسية من خصوصيات النص الألماني المعاصر كما لاحظناه في عدد من الأعمال الأدبية المترجمة حديثا الى العربية، مثل كتابات إنجو شولسه، توماس بروسيج، فريدون زايموغلو، ميشائيل كليبرغ وغيرهم.يتناوب على السرد عدد من سكان المعسكر: نيلي زنف، أم طفلين من علاقة غير شرعية، حيث كانت تعيش مع والد الطفلين في برلين الشرقية حتى توفى وتحملت مسؤوليتهما الكاملة. كريستينا يبتونوفسكا، عازفة التشيللو، بولونية الأصل نزحت الى المخيم مع أبيها المريض وشقيقها. هانز بيشنكة، العصابي الغريب الأطوار الذي يقع في حب نيللي في حين أنه لا يستطيع ممارسة الحب. ثم جون بيرد، محقق المخابرات الأميركية الذي يعمل في جهاز التحقيقات الخاص بالمعسكر، وهي التحقيقات التي يخضع لها كل لاجئ من اللاجئين، بمن فيهم الأطفال، وتمارس فيها كل الحيل اللازمة لمعرفة كل شيء من اللاجئ قد تجعل منه خطرا على المعسكر الغربي الذي يرغب في الانتقال إليه.كل صوت من أصوات تلك الشخصيات يصطحبنا معه في رحلته، بكل مواصفاته الخاصة، ونبرة صوته المميزة، وطريقته في التفكير، من دون أن يتشابه صوت مع الآخر، وإن في مشهد واحد.تمسك يوليا فرانك بشخصياتها وأصواتهم ببراعة، وتنقل أدق تفاصيل هواجسهم الخاصة، وإحساسهم بالخوف غير المبرر الذي تسببت به الأجواء البوليسية التي كانوا يعيشون فيها، والتي لم تفلتهم حتى في أثناء وجودهم في ذلك المخيم على الحدود الفاصلة بين المعسكرين. تنقل مظاهر التشتت النفسي والرهاب والقلق التي يعيشونها، وخضوعهم لإرهاب الدولة البوليسية من جهة، ولإرهاب المجتمع الذي يطمعون في الانتقال إليه، من جهة أخرى، ذلك المجتمع – الحلم، الذي لا يبدو أن اندماجهم فيه سيكون سهلا أو مقبولا. أدت فكرة انقسام الدولة الألمانية قسمين الى حدوث حالة من العداء الثقافي المتبادل، يماثل الكراهية التاريخية الموجودة بين الشعوب المتناحرة. المأساة أن أول ضحايا القادمين من الشرق هم الأطفال؛ إذ كانوا يتعرضون لبشاعات نفسية تفوق قدراتهم على الاحتمال؛ حيث يشيع عنهم أطفال الغرب شائعات عدة توارثوها عن آبائهم، لتأكيد فكرة نبذهم للوافدين الجدد، وأسهل تلك الشائعات وصفهم بأنهم يعانون أمراضاً معدية يسمّون أشهرها "جدري الشرق". وقد يصل الأمر إلى الإيذاء البدني الذي تولّده نوازع الاختلاف التي أذكاها الانفصال المرعب بين شعب تم تقسيمه شرقاً وغرباً من دون أن يسأله أحد عن رغبته في هذا التقسيم. يصل الإيذاء البدني إلى حد إصابة أليكسي، إبن نيللي زنف، بارتجاج في المخ، فكيف يتعايش هؤلاء الأطفال في المستقبل؟ سؤال من اسئلة تطرحها هذه الرواية.من بين التفاصيل التي يتسم بها هذا العمل، أيضا، دقة وصف الكاتبة للإجراءات التعسفية التي كان الكل معرّضا لها، آنذاك، على أيدي ضباط الحدود؛ وبينها إجراءات التفتيش الدقيقة التي تلزم الجميع التجرد الكامل من ملابسه، وإن يكن عجوزا في الثمانين. فهم لا يكتفون بتجريد هذه العجوز من ملابسها فقط، بل ويدقّقون في أجزاءها الداخلية، وحتى طاقم الأسنان يخلعونه من فمها، خشية أن يكون جسمها استخدم كأداة للتجسس في العالم الجديد الذي ترغب في الانتقال إليه. لكن حتى من يبدو جلادا مثل المحقق الأميركي، فليست حياته حياة جلاد، قدر ما هي حياة ضحية. فهو أسير الشكوك التي تحيط بكل تفاصيل حياته، وتنتقل من صميم عمله إلى كل من يتعامل معهم في حياته الخاصة. يعرف أن مهنته صارت جزءا من يومه، وتغلغلت داخل نسيج حياته، فمهمته لا تتوقف على التعامل مع المواطنين النازحين من الشرق، وإنما تمتد لمراقبة عمل المحققين الألمان في أثناء عملهم، والتأكد من أدائهم عملهم على وجه الدقة. إنها دائرة الشك والارتياب التي كان الجميع يعيش فيها، أسيرا ومنتجا لها، أراد أم لم يرد.من أجمل مشاهد الرواية تلك التي تتناول التحقيقات، والطريقة التي يتم فيها التحقيق، والأسئلة، وانعكاساتها النفسية على الشخصيات موضوع التحقيق. تتألق يوليا فرانك حين تمتلك قوة المزج الدقيق بين سرد الوقائع، وانتقالها إلى انعكاس تلك التفاصيل سيكولوجياً على الشخصيات جميعا في المشهد الواحد، بينما الحوار هو القشرة الخارجية التي تكوّن كتلة المشاهد الأساسية. وبقدر ما تتمكن يوليا فرانك من استعراض موهبتها في كتابة هذه المشاهد التي يبدو أنها قد عايشتها عن قرب، أو أجرت تحقيقات ودراسات حولها، وفي ترتيب الأسئلة، وخصوصاً تلك غير المتوقعة التي كان المحققون يفجرونها، فإنها تكشف مأساة جيل كامل عاش أسيرا لهواجس الارتياب والشكوك، وهوس التخابر والتجسس، والشعارات التي كانت تتناقض مع الواقع المؤلم. وهذا هو سجن الإيديولوجيا، الذي تسبب بفقدان نزلائه جميعا كل قيم الحرية، والفردية. وهذا دليل آخر على أن الإيديولوجيا التي تستعين بها الديكتاتوريات، ليست سوى ذرائع سياسية لإحكام قبضتها على السلطة التي تغذي شهوتهم لها، بينما يتحول الوطن كله إلى سجن كبير. يبدو أسلوب يوليا فرانك بالغ الحساسية، ولها قدرة فريدة على التعبير عن المشاهد الحسية، بمزيج مبهر من اللغة الشعرية، والمباشرة معا، وبحساسية تناسب التناقضات المبهرة في العلاقات الجنسية التي تجمع بين طرفي نقيض (لاجئة ومحقق مثلا)، وهي سمة ميزت العديد من أعمالها السابقة، في تقويم النقاد الألمان.تحتاج ترجمة الرواية، وعدم دقتها، وأخطاء المترجم اللغوية والنحوية الفادحة، إلى وقفة. فإذا كان الناشر قد يسأل عن الأخطاء المطبعية التي يمتلئ بها الكتاب، فإن المترجم مسؤول مسؤولية كاملة عن الأخطاء النحوية الفادحة، التي يفيض بها النص، كما يسأل عن أخطاء الترجمة، التي تضيق المساحة عن حصرها، سواء على مستوى التراكيب اللغوية غير الموفقة، أو على مستوى الخلط المنفر. المأساة أن النص يأتي في إطار "مشروع ليتركس" لترجمة الأدب الألماني المعاصر الى اللغة العربية والتعريف به. والحقيقة أن عدم تدقيق القائمين على المشروع في مستوى المترجمين قد يؤتى نتائج عكسية تماما، لا تليق بالأدب الألماني، ولا بالكتّاب الذين يمتلكون مواهب كبيرة بالفعل.يُذكر ان يوليا فرانك ولدت في شرق برلين عام 1970، وانتقلت مع أسرتها إلى ألمانيا الغربية عام 1978. درست الأدب الأميركي القديم، والأدب الألماني المعاصر في برلين بعدما عاشت لفترة طويلة في الولايات المتحدة، وأميركا الوسطى. وعملت في أثناء دراستها، كنادلة، وسكرتيرة، ومفرغة للتسجيلات، ومساعدة مخرج في برامج إذاعية، ثم صحافية في عدد من الصحف الألمانية. حصلت على عدد من الجوائز منها جائزة الميكروفون المفتوح عام 1995، ومنحة ألفرد دوبلن عام 1998، وجائزة ماريا لويزا كاشنتس. صدر لها، الى هذه الرواية، "الطباخ الجديد" (1997)، و"هبوط فاشل" (2000). وكانت حصلت على جائزة "الكتاب الألماني" في الدورة الفائتة لمعرض فرنكفورت الدولي عن أحدث أعمالها "إمرأة الظهيرة".




إبراهيم فرغلي




مقالة نشرت في ( صحيفة النهار اللبنانية) في 12 يناير 2008


الصورة المنشورة نسخة مرفقة بمقال منشور بصحيفة "فرانكفورتر ألجاماين*
وحقوق التصويرلـ
© F.A.Z.-Helmut Fricke


Saturday, May 31, 2008

مقامـــرة روائية


"إني أحدّثك لترى" لـمنى برنس
! مقامرة روائية جرأتها مكسب وخسائرها ليست هيّنة
بغض النظر عن التنظيرات للنص التسعيني من دون أن تقرأه، أعتقد أن نص "إني أحدثك لترى" للكاتبة المصرية منى برنس هو نص تسعيني بامتياز. وعلى الرغم من أن لغته تعتورها سمات تجعلها "عادية" وتفتقر الى أي جهد في تخليق لغة تليق بالسرد كما هو شأن كل كاتب حقيقي، فإن الرواية تضم في المقابل عددا من الملامح تكرس النص التسعيني، وتضيف إليه.الرواية الصادرة حديثا عن "دار ميريت للنشر" في القاهرة، تجسد نصاً ما بعد حداثي، من جهة كونه ينحو نحو النسبية وينفر من المطلقات. كما أنه يعتمد أسلوبا مضادا للبناء التقليدي للرواية، فهو يدخل "تفاصيل عملية الكتابة" في نسيج السرد كاشفاً أسئلة الراوية عن معنى الرواية، ومدى أهمية التقيد بأسس البناء التقليدي من عدمه، بحيث أن الكتابة تبدو أقرب الى مغامرة فنية تخوضها الكاتبة، خطوة بعد أخرى، من دون أن تعرف إلى أين يقودها السرد."يعنيني الآن أن أقامر في الكتابة كما قامرت في الحب: بجرأة أشد، سأعربد في الكتابة مثلما أعربد في الحب"، تقول عين الساقي، الراوية، والكاتبة الافتراضية، كاشفة عن النهج الذي سيسير عليه النص، حتى بعد أن تساورها الشكوك حول إمكان تطوره. "سأستكمل الكتابة مثلما يتراءى لي الآن. وإن لم أفلح في كتابة نص سردي شيّق فليعذرني القارئ، سأعيد الكتابة في شكل أقرب إلى قصيدة نثر مطولة".المثالب تشوب النص، مثل هلامية شخصية الراوية التي لا نعرف عنها شيئا سوى أنها باحثة اجتماعية لا تحب عملها، وتعيش مع جدتها الروسية ذات السبعة وتسعين عاما، تقول: "عين امرأة في منتصف العمر تقريبا، ملامحها مصرية جدا ودائمة الفخر بأنها من نسل الفراعنة، باحثة اجتماعية لا ترى جدوى من أبحاثها. وتريد أن تحب". أما البطل فهو "رجل تعدى منتصف العمر، من دولة عربية شقيقة، أجداده من البربر، صحافي يمثل بلده لفترة موقتة في مصر، وحتى هذه اللحظة لا يعرف ماذا يريد. ويعيش اليوم بيومه". على الرغم من ذلك تنجح الكاتبة في نص مشوق عماده قصة الحب بين الراوية-الكاتبة، والبطل المشار إليه. ويقدم النص قصة الحب هذه بلا ميوعة عاطفية من أي نوع. إذ تحكي الراوية عين، حبها للرجل الذي جعل منها امرأة بحياد آسر، وبنبرة إنسانية وصدق فني عال، تعبّر عن أعمق مشاعر الحب، التي تقارب التعبد، وأعمق المشاعر الحسية، وتلقي القفشات، وتبكي، بتلقائية مدهشة، بل وتلقي بنفسها في أحضان رجال آخرين، لكن بلا أي افتعال، أو محاولة للاستعراء الروائي. بالعكس، فالسرد يحافظ على نبرة "الصدق الفني" على امتداد النص، بالشكل الذي يجعله حالة استثنائية في النصوص السردية التي كرِّست لقصص الحب في السرد المعاصر. أهم سمات هذا العمل، إضافة الى صدقه، الجرأة الشديدة، وهي ليست في تناول الوصف الجنسي أو في تعدد علاقات الراوية، إنما في الطريقة التي تسرد بها الراوية هذه الوقائع، بلا رقابة ذاتية، وبلا افتعال، فكأنها تحكي عن حدث آخر عابر، مما هو مبذول ومطروق من شؤون الحياة.مع تقدم النص، تظل اللغة سلبية، إضافة إلى افتقار السرد إلى المبررات السيكولوجية والموضوعية التي توضح كيفية انتقال الراوية من مستوى وعي المرأة التقليدي، المؤسس على الأفكار الأخلاقية الإزدواجية، للطبقة المتوسطة، إلى وعي المرأة المتجاوزة أفكار المجتمع الشرقي التي تتعامل في الحياة بندية حقيقية وترفض الأفكار البورجوازية التي تضفي شبهة الامتلاك على العلاقات، فترفض الزواج والانجاب، وحتى التورط في علاقة عاطفية قد يفهم منها الرجل أنه يمتلكها. صحيح أن النموذج الذي تعبّر عنه الرواية لم يعد أعجوبة، ويعبّر عن نسيج واسع من طيف المرأة العربية، لكنه نموذج مسكوت عنه في النص المعاصر، لأسباب ليس هنا مجال تعدادها، وإن كانت تصبّ في مجال السمات العديدة للمجتمع العربي الذكوري. وتالياً كان من المهم توضيح التطورات السيكولوجية التي مرّت بها شخصية الراوية.تقدّم الرواية علاقة حب استثنائية في السرد المعاصر، متخلصة من أغلب القيود التي تحيط بالرجل والمرأة الشرقيين، كما تقدم نموذجا لامرأة تتعامل مع جسدها بلا تعقيدات، عن وعي حقيقي بأنها تمتلكه، وليس هو الذي يمتلكها، ساردةً العديد من العلاقات العابرة التي تمرّ بها الراوية في أوقات تأزم علاقتها الرئيسية، مع صبي من سيوة، ثم مع عدد من الأجانب في رحلة قطعتها من سيوة حتى الجزائر في الصحراء، كأنها تتعمد أن تؤذي نفسها نكايةً بعشيقها الذي يبدو أنه يفكر في أن يتحرر من علاقتهما. وعندما تتوقف لتسأل أسئلة عن جدوى علاقاتها العابرة من فرط ألم الخواء الذي يعقب كل تجربة، لا تتوقف كثيرا أمام الإجابة إذ ترى أن ذلك، على الأقل، أقل وطأة من الشعور القاسي بالوحدة. لذلك، ومرة أخرى، لا تتردد أن تلقي بنفسها في أتون علاقة غريبة مع شاب كورسيكي تلتقيه صدفة في رحلة أخرى إلى سيناء، فتفتتن به، على الرغم من عدم تكافؤهما الاجتماعي والفكري، وتجد في علاقتها به إرضاء للجانب الوحشي من نفسها، وتستجيب ممارساته الشاذة لـ"التعرف الى الألم الداخلي". لكن يظل اللافت هو الطريقة الحيادية التي تصف بها الراوية كل تلك المشاهد كأنها تحكي عن جسد لا يخصها.أما السؤال الأخلاقي الوحيد الذي تتلقاه عين حول طبيعة حياتها فيأتي من شخص أجنبي؛ مثقف من النمسا، تلتقيه صدفة، ويمارسان الحب، لكنهما يختلفان فيعايرها بأنها "امرأة لليلة واحدة" فتردّ عليه بالقسوة نفسها عن عهر الرجل الذي لا يحاسبه عليه أحد، كاشفةً أزمة المفاهيم الأخلاقية في عصر العولمة.يتضمن السرد، أيضا، دفقا عاطفيا يتسرب بين ثناياه مكوّناً حالة من الصوفية تسم بها الراوية مشاعرها تجاه عشيقها، في مستويين: الأول يأتي من الحكي عن تطورات العلاقة، وخصوصاً في فترات تأرجحها، حين تعرف الراوية أن الراوي سيتزوج امرأة من بلده، أما المستوى الثاني فيتدفق في مقاطع سردية شعرية، تجرح حداثة النص، لكنها تتسق مع منطق السرد، كـ"مقامرة" روائية. في النهاية تبدو الرواية كأنها ثمرة هذه العلاقة، كأنها الطفلة التي كانت تتمنى عين أن تنجبها من عشيقها، لكنه رفض، فأنجبت هي هذه الرواية، كما تعترف هي في كلمة على ظهر الغلاف.الصدق الفني الذي يميّز هذا العمل، ونبرته الإنسانية، وجرأته، عناصر كفيلة أن تمنحه امتياز الجودة، لكن مثالب اللغة، والشخصيات الهيولية التي كأنها قادمة من عدم، وبلا تطور، قد تجعله عملا مبشّرا، ومقامرة قد تعادل مكاسبها خسائر لا يستهان بها
.
إبراهيم فرغلي
هذا المقال نشر في (النهار) اللبنانية 31 مايو 2008

Tuesday, May 6, 2008

1968- 2008




2008-1968


من الرومانتيكية إلى الواقعية


يمتد آبائي وأمهاتي الى متون الأهرام وحكايات البغبغان، بل وإلى حضارة المايا أيضا، ولهذا فأنا لا أشعر بأبوة جيل محدد لي(..) أما عن جيل الستينيات فأعتقد أني كنت أتمنى، فقط، أن أكون حاضرة أثناء مايو 1968 ، وفي مظاهرات الطلبة سنة 72".

هذه الفقرة المقتطفة من كلمات الشاعرة والمترجمة هدى حسين في حوار نشر في صحيفة الشرق الأوسط ، توجز تأثير "موجة 1968" في مصر من جهة، وانقطاع تأثيرها على الراهن المعاصر الآن، وهنا. فهذا الجيل الذي ولد أغلب أفراده في سنوات متناثرة حول عام 1968، لا يشعر بتأثير جيل الستينات الذي عاصر حركة 1968، باستثناء التفاعل "النوستالجي" مع مظاهرات الطلبة في الجامعات المصرية في مطلع السبعينات من القرن الماضي، وأن التأثير الحقيقي الذي شعر به جيل التسعينات يمتد مباشرة إلى حركة 68 في صيغتها الأوروبية الأصلية
الخلط بين السياسة و الثقافة
ولكي أستكمل الصورة أتوقف لدى نموذج من النماذج الشخصية للرفض الثوري الذي جسده شخص المثقف الراحل إبراهيم منصور، أحد مؤسسي مجلة "جاليري68" الشهيرة، التي كان لها دور كبير في ترسيخ وجود جيل الستينات الأدبي. كما أنه أحد أشهر معارضي سياسات الرئيس المصري الأسبق أنور السادات في السبعينات ، والذي استقرت شخصيته في الوعي الجمعي للمثقفين المصريين بوصفه "الضمير الوطني" الذي يسلط سيف نقده الحاد على كل ما يتعارض مع الشعور الوطني العام. جسد إبراهيم منصور، بهذه التركيبة، نموذجا لخلط المثقف المصري ، بين السياسي والإيديولوجي بالثقافة. الذي ميز ذلك الجيل حتى أصبح سمة من سمات الثقافة المصرية ، وهو على وجه التحديد الموضوع الذي يلقى رفضا صريحا من جيل التسعينات، الذي ينحو نحو الفردية، متحيزا للجمالي على حساب الإيديولوجيا ، مفضلا أن يراجع كل ما استقر في وجدان الثقافة المصرية، من رواسخ الأفكار والإيديولوجيات .
المزيد من الاستقلال للجماعات الطلابية
صحيح أن هذا الجيل لعب دورا مهما في الستينات والسبعينات منطلقا من ظروف خاصة منها نكسة عام 67، لكن ليس من المستبعد أن يكون لحركة 68 الفرنسية ، دور وتأثير بالغ في المظاهرات المرتبطة بذلك الجيل في نوفمبر 68 في مصر، خاصة وأنها بلغت من القوة أن استجاب لها عبد الناصر بإصدار قرار بإلغاء الأحكام التي صدرت ، وتمت الاستجابة لمطالب الطلبة الخاصة بإعطاء مزيد من الاستقلال والفاعلية وحرية الحركة لاتحاداتهم، والسماح للاتحادات بالعمل السياسي. وصدر قرار رئيس الجمهورية رقم 1523 لسنة 1968، بشأن تنظيم الاتحادات الطلابية منفذا لهذه المطالب. لكن هذا الجيل، الذي نجح في أن يضغط على عبد الناصر، لم يكن له كبير أثر في حداثة المجتمع المصري، لاحقا، ولم يستطع مواجهة الفساد والتغييب اللذين تعرض لها المجتمع المصري خلال الثمانينات والتسعينات، بالرغم من كل انشغالاته السياسية والإيديولوجية التي لم يكتف بطرحها في السياسة وانما أثر بها في الأدب أيضا، ولعل هذا ما تسبب في الرفض الذي أعلنه جيل التسعينات لذلك الجيل، إيديولوجيا وإبداعيا ، وسياسيا.
حركة 68 هي حركة مدينية
فقد نشأ ذلك الجيل مستفيدا من إيجابيات ثورة 1952، ومنها مجانية التعليم، ومزايا الضمانات الاجتماعية التي قررتها الثورة، من جهة، لكنه أيضا، كان نتاج المناخ الذي قررته الثورة وأصبح سمة عامة في المجتمع كله، وهي تسيد أهل الثقة على أهل الكفاءة في المجتمع. وكان من نتائج الثورة أيضا حصول أهل الريف المصري من شبابه المتطلعين على قدر جيد من التعليم، وفرص للعمل في القاهرة، إلا أنهم حضروا إلى القاهرة مصطحبين معهم تراثهم من العادات والتقاليد والسلوكيات والقيم الخاصة، التي احتفظوا بها، بدلا من أن يستبدلوها بقيم الحياة المدنية العصرية، وبدلا من أن تضفي العاصمة قيمها المدنية على الأقاليم، إذا بها تستورد هي قيم تلك الأقاليم متحولة إلى مدينة مسخ ، تكاد لا تميز فيها بين المعاصر والمدني، من فرط اختلاطهما بعضهما البعض.
لذلك، لا يمكن مقارنة نتائج حركة 68 في أوروبا، بما حدث في القاهرة، لأن حركة 68 قام بها أبناء مدينة، بكل ما يعنيه ذلك من سلوك وثقافة. بينما نظيرتها التي تجسدت بحركة الطلبة، لم تكن كذلك، في مجملها. إذ أن هناك اختلاف جوهري بين المثقف في الثقافتين ؛ فيمكن القول أن المواطن المصرى - وربما العالم ثالثى - ليس كالمواطن الفرنسي والإنجليزى . فالمواطن المصرى كما يشير اللفظ بوضوح هو ابن الوطن، فى حين أن الـ

citizen

الأوروبى هو ابن المدينة

city

..

وليس هذا الفارق اعتباطيا ، ولا هو ناتج عن سوء الترجمة" كما يشير شريف يونس (-الحوار المتمدن - العدد: 339 - 2002 / 12 / 16 ) . ولعل هذا الفهم الملتبس بفكرة الثقافة وعلاقتها بالوطن بدلا من علاقتها بالحقيقة كان واحدا من أسباب افتقاد جيل 68 المصري للتأثير في الأجيال اللاحقة، وفي فشله في المساهمة في تثوير وتحديث المجتمع.. كما أن ذلك الجيل لم يستطع التخلص من جذور الثقافة التقليدية، القائمة على ثنائية القيم المتناقضة التي تتجذر من ثنائية الحلال والحرام، فكان تفكيره يقوم على هذه الثنائية.
الطابع الرومانتيكي للحركة الطلابية
أما السبب الثاني الذي أسهم في انعدام التأثير هو عدم الجدية في تدوين الأفكار وتسجيلها بحيث يمكن مناقشتها وتطويرها، لاحقا. وأظن، أن إبراهيم منصور قد مثل وجها من وجوه هذا الاستخفاف بأهمية عكوفه على الإنتاج الفكري أو الثقافي، فعند تأمل ظاهرة إبراهيم منصور سنجد أننا أمام نموذج من نماذج الثقافة الشفاهية ! فتأثيره مقصور على حلقة ضيقة التفت حوله، أو تعاملت معه بشكل مباشر، ونقلت عنه، دون أن توثق ما يقوله. وبالتالي ظلت حدود تأثيره لا تتعدى هذه الحلقة الضيقة

.
ثمة نوع من الرومانتيكية، إذن، في تناول إبراهيم منصور، وهو طابع عام لدى جيل السبعينات، وما قبله، فيما يبدو، كان موضعا لملاحظة الباحث شريف يونس عن الحركة الطلابية المصرية والتي عبر عنها بقوله: "أن ظروف السبعينات المختلفة قد أدت إلى قيام حركة طلابية مختلفة تتميز بالتمثيل الرومانتيكى المجرد (..) فالبطل الرومانتيكى عندها دائما وأبدا لا يأكل ولا يشرب ، وإنما يناضل فحسب ، وهو لا يعمل أيضا". مع ذلك، فهناك استثناءات عديدة، وخاصة من داخل الحركة الطلابية نفسها وبينها أحد أبرز رموزها مجسدا في شخص المثقف الراحل "أحمد عبدالله رزة" الذي أدى دورا بارزا في قيادة الحركة الطلابية في أثناء انتفاضتها.
ترأس أحمد عبد الله رزة طالب كلية الاقتصاد والعلوم السياسية اللجنة الوطنية العليا للطلاب التي قادت انتفاضة الطلبة في يناير 1972 وهي الانتفاضة التي يعتبرها الكثيرون- اليسار خاصة- تمهيدا لحرب 1973 مع العدو الإسرائيلي، وقاد أشهر اعتصام طلابي من نوعه في حرم الجامعة ولم ينفض إلا بواسطة عصي جنود الأمن المركزي الغليظة وتعرض للاعتقال ثلاث مرات خلال عامي 72 و73.
وبالرغم من ذلك فإن أحمد عبدالله بالنسبة لجيل التسعينات، وإن كان قد تغلّب على الكثير من آفات جيله، يظل أقرب للثقافة الميكروفونية الجماهيرية، التي لا ينظر لها الجيل الجديد بعين التقدير، خاصة من المثقفين .
محاولة للحداثة في العصر الحديث في مصر
ومع كل ذلك، فلا يمكن أن نفصل بين حركة 68 الأوروبية، وتأثيراتها في مصر، وبين أي محاولة للحداثة في العصر الحديث؛سواء في أشكال الأزياء التي سادت آنذاك، وفي العلاقات المفتوحة، وبدء مرحلة جديدة من الفهم المختلف للعلاقات بين الجنسين، أو في شكل أسلوب حياة مختلف يقترب من "الهيبز" تجلى في إطلاق الشباب شعر رؤوسهم، وغيرها. إلا أن هذه الموجة بدأت تنحسر بالتدريج مع نهاية السبعينات وصعود المد الأصولي الإسلامي الذي أطلقه الرئيس المصري الأسبق أنور السادات في محاولة لكبح جماح التيارات اليسارية والشيوعية، مكرسا حالة من التحفظ والنزوع الديني الذي تسلل إلى المجتمع المصري. أما بالنسبة لجيل التسعينات، فهو أيضا ليس نسيجا واحدا.فإذا كان هناك، عدد من أبناء هذا الجيل ممن يبدون متأثرين بحركة 1968، فهناك أيضا، عدد كبير من أبناء نفس الجيل من مثقفي الريف الذين تتجلى تناقضاتهم في كتاباتهم وفي سلوكياتهم على السواء، كما أن هناك قطاع منهم من المحافظين التقليديين الذين يعتبرون أنفسهم من المستنيرين، الطليعيين، لكنهم، ليسوا كذلك.
ففي نهاية عام 1997 ؛ مثلا، أجرت صحيفة فرنسية حوارا مع عدد من المثقفين الذين يعتبرون من المستنيرين الطليعيين، تحدثوا عن أفكارهم حول الكتابة الجديدة، وعلاقتهم بالأجيال السابقة، عبروا عن الطابع الفردي لهم، وعن عقليتهم المتحررة، بشكل عام. وفي الأسبوع اللاحق نشر كاتب صحفي ينتمي عمريا لنفس الجيل، هو الآن سينارست من ألمع كتاب السينما التجارية الجماهيرية في مصر، وهو بلال فضل. هاجم الكاتب الحوار والكتاب المصريين في مقال لاذع نشره في صحيفة الدستور الأسبوعية بعنوان" إشتم أهلك وبلدك وسيب الباقي علينا".
قدم الكاتب هنا نموذجا تسعينيا يمتد لأزمة الأجيال السابقة عليه، فهو يدغدغ مشاعر الجماهير من جهة، ومن جهة أخرى يجعل من نفسه وصيا على الضمير الوطني، ويبدو غارقا في الفهم المحدود للثقافة بوصفها أفقا للوطنية، متخليا عن دور المثقف الحقيقي الباحث عن الحقيقة بمعايير إنسانية ومتجردة. وهي أيضا، في أحد أوجهها ظاهرة أزمة هوية عانى منها المواطن المصري، وكثير من مثقفيه. لكن أزمة الهوية هذه لا تنطبق على هذا القطاع المتحفظ من المثقفين والفنانين، فقط، وإنما يمتد لقطاع آخر من المتمردين الذين أرادوا أن يصنعوا تجربة مختلفة، لعل أبرزها تجربة "جماعة الجراد" التي تزعمها شاعر من جيل السبعينات هو أحمد طه، حاول بها احتضان عدد من شعراء جيل التسعينات في بداياتهم، الا أنها لم تستمر طويلا، على المستوى الفني، من جهة، كما أن الكثيرين ممن أحاطوا بها، حاولوا الانخراط في تجارب حياتية تحاول التجرد من كل ما هو أخلاقي، أو بورجوازي، كما أرادت أن تختبر كل المقولات الثورية الأوروبية، وفي القلب منها طبعا، ما أثارته حركة 68. إلا أن مصر 2008 لها، رغم كل ذلك، امتدادات وثيقة الصلة بحركة 68، بما تعنيه من رفض القيم السائدة، سواء على مستوى السلطة، أو على مستوى القيم الاجتماعية المحافظة التقليدية، على السواء، لكنها حركة لا يمكن ملاحظتها إلا عبر وسائل التقنية المعاصرة والحديثة ممثلة في شبكة الإنترنت، والتي تجلت على مدى العامين الماضيين عبر عدد من المدونات "البلوجز"، و كشفت وعيا مختلفا لعدد كبير من الشباب المتفتح ، فكريا وحياتيا، الناقد للسلطة، بجرأة وبوعي.
"بلوجر" ينتقدون الحكومة
وفي عام 2008 تجلت ظاهرة أخرى جديدة، تبدو كأنها التطور الطبيعي لمجتمع المدونات وما أفرزه من وعي، وهي ظاهرة تكوين مجموعات سياسية واجتماعية وثقافية وفنية، من خلال وسائط الاتصال الإلكتروني، والتي ساعد على نموها بشكل مطرد، الشعبية المتلاحقة لخدمة face book. من بين الجماعات الإلكترونية المنشأة حديثا مثلا جماعة " support Sawiris "، وهي جماعة تستهدف مناصرة رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس الذي يقدم عددا من الأنشطة الثقافية، من خلال مؤسسة ساويرس للتنمية الاجتماعية .خاصة وأنه أنشأ قناة تليفزيونية مصرية منوعة تعرض فيها الأفلام السينمائية بلا حذف ولا رقابة ، ما أثار حفيظة بعض أعضاء التيارات الدينية. (وقد بلغ عدد أعضاءها ما يناهز 6400شخصا حتى وقت كتابة هذا المقال) . من الجماعات اللافتة التي أنشأت على "face book" أيضا ، جماعة خاصة بعمل انتخابات رئاسة إلكترونية إقترحت عددا من المرشحين ، وقد بدا لافتا أن الأغلبية في الأصوات لم تذهب لأي من الأسماء المتوقعة على الساحة السياسية. وعنوان هذه المجموعة هو" من ترشح لانتخابات 2011؟ تعال وادل بصوتك في انتخابات حرة"، وقد تجاوز عدد أعضاءها 4000 عضوا، وما زال التفاعل مستمرا. بالإضافة لعدد آخر من المجموعات التي تتعدد اهتماماتها.
مصر 2008 تبدو لي أكثر تأثرا بحركة 1968 ، بكل ما تمثله من دعوة للتغيير، وتجاوز القيم المستقرة، والتحرر من عبء قيود أثقلت كاهلها طويلا ولا زالت: سياسيا واجتماعيا وقيميا ودينيا، عبر جيل شاب، يبدو وكانه يستعيد حركات التحرر والتحديث، لكن بطريقته التي تنأى عن الصخب والصوت العالي، والكلمات البراقة والشعارات الثورية، وتقترب من الهمس، والحوار الفعال، والأفكار الجديدة التي ينبغي لها أن تجد طريقها لتؤسس المناخ المناسب لليبرالية.
إبراهيم فرغلي صحافي و كاتب من القاهرة

Copyright: Goethe-Institut, Online-Redaktion
حقوق نشر الموضوع لمعهد جوتة في إطار ملف شامل عن 1968، وتأثيرها على أوروبا والعالم، والمقال موجود على موقع الملف بالإنجليزية والألمانية
وبالتعاون مع مجلة فكر وفن التي تنشر عددا من الموضوعات المشاركة في الملف
هذا المقال نسخة مختصرة من مقال موسع يفترض نشره في مجلة فكر وفن

Tuesday, April 29, 2008

حين يغلب السياسي على الفني


العمامة والقبعة لصنع الله إبراهيم

حين يغلب السياسي على الفني


“العمامة والقبعة”؟! قلّبت هاتين الكلمتين مندهشاً مفكرا في إحالاتهما البديهية، إثر معرفتي بصدور رواية جديدة لصنع الله إبراهيم تحمل هذا العنوان. لم يكن مصدر دهشتي أن اسم الرواية يختلف عن السمة العامة لروايات إبراهيم التي عادةً ما كانت تتكون من كلمة واحدة، مع بعض الاستثناءات، وإنما لـ”شبهة” الرمزية الفجة التي تطل من عنوان كهذا. لم أستبق الأمر، بل انتظرت حتى حصلت على الرواية، ثم قرأتها، وصدق حدسي!
الرواية في ظني صادمة، ليس لموضوعها، أو لقالبها السردي، أو لرمزيتها فحسب، وإنما لكونها تعكس “أزمة” كاتب، إن لم تكن أزمة جيل كامل، في إجابته عن أسئلته الجمالية والموضوعية. قبل أن أتعرض لتلك “الأزمة”، أشير أولا إلى موضوع الرواية الذي يدور في فترة وصول حملة نابوليون بونابرت الفرنسية إلى مصر، أي بين تموز 1798 وتموز 1801 مع خروجها من مصر. الراوي الرئيسي للرواية هو تلميذ للجبرتي، تعلم عليه، وقرر أن يواصل مسيرته في التأريخ تأريخا موازيا للحملة، على طريقة أستاذه، مع اختلاف رئيسي، يتمثل في أنه لا يلتزم العام فقط، وإنما يضيف الى يومياته الوقائع الشخصية، بما فيها علاقاته العاطفية والجنسية، مع الإماء، ومع بولين فوريه عشيقة بونابرت، والتي طلقت زوجها الضابط الفرنسي، لكي تصبح خليلة للقائد الفرنسي.
على رغم أن اللغة التي يستخدمها صنع الله إبراهيم في هذه الرواية تتكئ على اللغة التي كانت سائدة في حوليات ذلك العصر، فإنه ينجح في أن يسبغ عليها طابعه الخاص، ممثلا في الجملة التقريرية المتقشفة، المحايدة، مع الأخذ في الاعتبار أن لغة كتلك تحتاج الى جمل أطول كثيرا من الجمل القصيرة التي تسمت النص الحداثي لصنع الله إبراهيم منذ روايته الأولى “تلك الرائحة”، وصولا الى عمله السابق “التلصص“.
وهو ما يتداركه صنع الله محدثا مفارقة تجريبية جيدة، لكنها وحدها لا تكفي.
يعتمد الكاتب أيضا على تقنية من تقنياته الأثيرة هي اليوميات، حيث أن الرواية تتتابع في يوميات مؤرخة بالتسلسل، فتبدو كأنها يوميات الراوي، بينما لا تعدو كونها يوميات شبه تخييلية للحملة الفرنسية، تتبع الوقائع الأساسية التي تناولتها كتب مؤرخي تلك الفترة.
هذه إذاً محاولة أخرى لتدوين تغلب عليه الصبغة السياسية لفترة تاريخية مفارقة في تاريخ مصر الحديث، بشكل يتجلى فيه انتصار “السياسي” على “الروائي”، ولا بأس في ذلك، فهذه قضية شائعة لدى الكتّاب الأيديولوجيين إجمالا، وفي جيل الستينات المصري بشكل عام.
كانوا في العادة يبذلون بعض الجهد في تغليف همومهم السياسية والاجتماعية بـ”جماليات” سردية، ومغامرات فنية، وأحيانا تجريبية، وخصوصاً صنع الله إبراهيم، الذي على رغم استقراره على “التوثيق” يخفق هذه المرة، ويمتثل تماما للسياسي على حساب الروائي. هذا الامتثال يبدأ من فكرة الرواية نفسها، التي يختار لها الكاتب موضوعا تاريخيا، وهذا أول مظاهر أزمة جيل الستينات الذي يشهد الآن موجة استعادة وقائع التاريخ للبحث فيها عما يتشابه مع وقائع الحاضر الراهن التي بلغت حدا من التشوه والتشوش، ربما لم تعرفه مصر في القرن الماضي كله. ثم يتعدى الامتثال لاختيارات الكاتب من الوقائع التي تتجاور في غالبيتها العظمى، مع السرد الرسمي لتلك الفترة. حتى العلاقة الرئيسية هي علاقة بين الراوي وعشيقة بونابرت.
بمعنى أن النص، على رغم التفاصيل، ووصف وقائع أحوال المصريين آنذاك، والكثير من الخلفيات عن حياتهم اليومية، لا يقدم صورة تخييلية واقعية عن ذلك، وهو يتناقض مع الروح الواقعية التي ينتهجها الكاتب لنصه. لم نعرف ما يشعر به المصريون آنذاك بصدق، ولا يتيح لنا النص تأمل دواخلهم. حتى الإشارات إلى أسعار السلع تبدوا مقحمة كثيرا في غير موقعها. فكل ما يرد في النص هو مما ورد في الحوليات والكتب التاريخية، بلا جديد من أي نوع.
بمعنى آخر، هو نص يثير “قضية كبرى” فيتابعها عبر الشعارات الإعلامية والمدوّنات الرسمية بدلا من أن يغوص عميقا في تأثير هذه الوقائع على النفسي العميق داخل الشخصيات التي تتأثر بهذه الأحداث بشكل مباشر.
صحيح أن هناك بعض الاكتشافات، بينها كشف ازدواجية الجبرتي نفسه وتنازعه بين التحيز لإيجابيات الفرنسيين ونوازعه الوطنية، بالإضافة إلى كشف جانب مسكوت عنه في شخصية سليمان الحلبي قاتل كليبر الذي ينزع عنه النص زي الوطني الذي أهدته إياه كتب التاريخ ويلبسه رداء الإرهابي المأجور، ووصف بعض رموز الشخصيات التاريخية التي عاشت خلال تلك الفترة وتخليصها من صورتها التاريخية المهيبة ووضعها في إطارها الواقعي، وخصوصاً رجال السياسة والدين. مع ذلك يظل هذا كله في إطار حقائق التاريخ، وليس جماليات روائية. بالإضافة إلى انطباع عام تولده تفاصيل عدة تتعلق بأوضاع الأقباط في مصر في ذلك الوقت، تقول أن ذلك المجتمع لم يكن كتلة وطنية واحدة.
أزمة هذا النص، أنه يستعير زي الأدب ليشتغل بالتاريخ والسياسة، يريد أن يقول كل شيء، كأن الرواية ملزمة أن تقول “كل شيء”! وهذه هي أزمة الكاتب في هذا النص. أي أن النص شاهد على أزمة جيل يرى أن الانتكاسة بلغت مداها، ولم يعد يمتلك ما يقاتل به سوى الكتابة. وهي مفارقة مدهشة، لأن هذا الجيل الذي مارس التجريبية الى مداها، وحاول الخروج من أسر النص التقليدي المؤسس على أيدي الرواد، يبدو أنه يقع الآن في أسر الرتابة، مفتقراً الى الرغبة في الخروج عما أسسه هو.
المفارقة الأخرى أنه في حين أن نجيب محفوظ بدأ مشروعه بالرواية التاريخية، لأسباب تشبه دوافع كتّاب الستينات ممن يعودون الى الرواية التاريخية الآن، وانتهى بالانقلاب عليها، محاولاً أن يطور نفسه، من نص الى آخر، نرى كتّاب هذا الجيل يعودون الى الرواية التاريخية. فهل ثمة علاقة بين الظاهرتين، أي هل وقعت الكتابة في أزمة فراحت تدور في حلقة مفرغة تصل خاتمتها ببدايتها؟ لا إجابة يقينية هنا، لكنها ظاهرة تستحق التأمل.
إذا كانت ثمة مزايا في هذه الرواية، فهي في التشويق الذي ينجح النص في تفعيله، إذ أن اللغة الخاصة وتتابع الوقائع، وتفاصيل قصة الحب بين الراوي وبولين، تميط اللثام عن مساحة كاشفة للاختلاف الثقافي بين الجانبين. باستثناء ذلك، لا شيء خارج التوقع
إبراهيم فرغلي
نقلا عن (النهار) اللبنانية.

Friday, April 25, 2008

ضـــــرب مـــــــن عنفـوان أنـــــــــثوي


"بورقيبة على مضض" ليوسف رخا
ضربٌ من عنفوان أنثوي








كلما قرأت نصا جديدا ليوسف رخا لا أستطيع أن أمنع نفسي عن مقارنة لغته الإنجليزية التي يتقنها ولا يمارس بها سوى الكتابة الصحفية، بلغته العربية "المبتكرة" التي يدخرها للنص الأدبي. سوى أنه بينما تبدو لغة يوسف رخا الإنجليزية، رشيقة وذكية، وبليغة، فإن لغته العربية هي لغة رشيقة، مبتكرة، وأصيلة، أي غير مسبوقة.
إنطباعي عن لغة يوسف أخذ حد اليقين خلال قراءتي لكتابه الأخير الصادر عن دار رياض الريس:"بورقيبة على مضض..عشرة أيام في تونس". لغته التي تصفها حنان الشيخ بأنها "لغة سحرية..لغة بساط الريح".
اشتغل يوسف على هذه اللغة منذ قرر اكتشف فكرة كتابة الرحلة التي ينتمي إليها هذا النص. نعم هذه رحلة أخرى يدونها رخا في هذا الكتاب، بعد رحلته الاستثنائية إلى بيروت، ونشر تفاصيلها في كتابه "بيروت شي محل" عن "كتاب أمكنة" قبل نحو عامين. أما هذه المرة فيطير إلى تونس. لكنه، مرة أخرى، لا يكتب نصا من تلك التي عرفت بنصوص الرحلات، بشكلها التقليدي. إنما قرر أن يذهب إلى تونس، وأن يلقي بنفسه بين أهلها، وأن يستدعي من رحلته تلك ما يصلح للكتابة.
وإذا كان رخا قد حاول أن يفهم بيروت في كتابه عنها، فإنه هنا لا يحاول أن يفهم عن تونس شيئا قدر ما بدا يحاول أن يفهم عن نفسه.
المدينة هنا ليست سوى امرأة يقترب منها الكاتب كأنه مقبل على اكتشاف بصمة خاصة لأنثى لا يمكن أن تشبه غيرها. ومن خلال علاقته بها يحاول أن يفهمها، محاولا أن يكتشف بذلك جزءا خفيا آخر من نفسه.
قبل السفر تتداعى الصور المشوشة في رأسه عن المدينة، بينما يرتطم في ليلته الأولى بعبارة "مأوى بلا مقابل" التي يُعبَّر بها في تونس العاصمة عن الأماكن المخصصة للسيارات!
هذه العبارة،على ما بها من مفارقة معناها المباشر، هي، في ذاتها، عبارة جوهرية في رحلة يوسف؛ الذي يبدو جليا أنه يبحث عن (مدينة-أنثى) يمثل كل منهما "مأوى بلا مقابل"، لكن كم يبدو هذا عصيا!
لكنه وقع في غرامها، كما وقع في غرام بيروت من قبلها، فتسللت كلمات من لسان أهلها إلى نسيج سرده . كأنها تقول ما لا يمكن أن يقوله هو بأي لغة أخرى.
وقع في غرامها، واكتشف أنها نائية، واستعاد خبرة الحياة " كلها وجع وفراق"، وكما كل وجع وفراق استثارت نفسه علاقات أساسية في الحياة، بينها علاقته بأبيه الذي يستعيد جانبا من حياته في غير موضع من الكتاب، ثم علاقته بحسن الجريتلي (مؤسس فرقة الورشة المسرحية)، بشذرات من حياته في لندن في صباه.
ولأن من وقع في غرامها(المدينة- الأنثى) عربية، فقد عاد ليقارنها بين مثيلاتها المصريات اللائي سقطن،إلا قليلا، تحت أسر "الحجاب"، ومنها تداعى إلى نقطة الانطلاق، محاولا أن يفهم كيف أن ديكتاتورين مثل ناصر وبورقيبة قد تزامن ما فعله كل منهما ببلاده، فصار كل بلد منهما ما أصبح عليه.
هذه اللغة الاستثنائية التي استخدمها يوسف في الكتابة يصح ما وصفها به بيار أبي صعب من أنها "قنبلة موقوتة"، إذ أنها بالفعل، تفجر بين لحظة وأخرى خلاصة ما يوصف بها يوسف تداعياته عن النظام المصري منطلقا من مشاهدات أول انتخابات مصرية قبل عامين مثلا، أو عن توصيفه للتدين في مصر بكونه وسيلة للتستر على المعاصي، أو وصفه لتعامل محمود درويش مع الصحفيين بمنطق بدا ليوسف سلطويا ، أو مقاربة وضع مصر وتونس الآن، حتى لو كان الفرق في الحجاب في مصر وعفة سافرة في تونس. يسخر من مشاهد الديكتاتورية في مصر وتونس، ومن رموز الحكم فيهما، وغير ذلك.
وباللغة نفسها، بكل قوة إيجازها وكثافتها، يختزل مشاهد من مأساة فلسطين، مرورا على العديد من مآسي العرب: جمهورا ومثقفين، ومستعينا أحيانا بمقتطفات لجليلة بكار من نصها "البحث عن عايدة" وهي في الأساس مونودراما عن مأساة فلسطين من تأليفها وتمثيلها. ويستعيد وقائع أساسية في التاريخ العربي المعاصر في مصر، لبنان، فلسطين، وفي تونس، محاولا أن يرى ظلال ذلك كله على حياته بما فيها لحظة ولادته في إحدى المستشفيات القاهرية.
على عكس بيروت، لم ينشغل يوسف رخا بتصوير تونس، لا بالصور التي صاحبت كتابه السابق، ولا حتى بالوصف. لا وجود حقيقيا لصورة تونس. لكن هناك عبق. كأنه يبحث هذه المرة عن الروح أكثر من محاولة الفهم عبر الصور. يتنشق النسيم التونسي فيخبطه "ضرب من عنفوان أنثوي". هل تفتقر تونس إلى جمال بيروت؟ أم أن انشغال يوسف هو الذي اختلف هذه المرة؟ لا إجابة يقينية.
حتى أغلب من التقى من نماذج أهل المدينة: السمراء ذات الرداء الكحلي في الفندق، ومرافقته "م"، والمنصف المزغني، وعادل، وغيرهم تكاد لا تعرف شيئا تفصيليا عن ملامحهم. كذلك الأمر بالنسبة للشوارع والدروب، أو العمارة التونسية، لا وجود لها في النص، كأنها مدينة خيالية، تشعر بها ولا تراها. هل انشغل الكاتب بالأفكار واللغة السحرية على حساب الصورة؟ ربما. أو أنه انساق لمنطق اللغة التي أصبحت حالا من التكثيف " الحيطان أزرق في أبيض عكس ألوان التراب".
برغم ذلك يظل نص يوسف رخا العصي على التصنيف نصا استثنائيا، يخلق بلاغته الخاصة وجمالياته على السواء، بما يؤسس شكلا مختلفا للكتابة، يهرب بها مما يصفه بانقطاع أفق التخييل في النص التسعيني، ربما، أو يحقق به ما لم يستطع سردا، وهذا أيضا وارد، لكنه في الأساس، وهذا هو المهم، يفتح ثغرة مهمة

في آفاق السرد العربي المعاصر


نقلا عن (النــــهار) في ابريل 2008.