Sunday, March 2, 2014

باسم يوسف ليس خفيف الظل .. لكنه يعلمنا معنى النقد

 

باسم يوسف ليس خفيف الظل ..

 لكنه يعلمنا معنى النقد





إبراهيم فرغلي
حينما شاهدت باسم يوسف في الحلقة الخاصة بنقد الإعلام، كنت أراقب أداؤه متسائلا عما يجعله أقرب إلى الوقار منه إلى المهرج؟ لأكن أكثر دقة وأقول أنني لم أتعامل مع باسم يوسف بوصفه مهرجا من البداية، حتى حين كان يصر على أن يطلق على نفسه لقب أراجوز. لم أجد في أدائه إجمالا ما يمكن أن يكون مضحكا بالمعنى الكوميدي. لكني أظن أن دلالات ما قدمه من وثائق الصورة حول ما موضوعات وممارسات شخصيات من رموز السلطة والإعلام في مفارقتها الصارخة بين الأصل والصورة، أو الشعار والممارسة الحقيقية، هي المفجر الحقيقي للضحك. الضحك من فُجر الواقع، وفُجر الفساد، وفُجر الكاذبين.
باستثناء الفقرات الأولى لبرنامج "البرنامج" ، حين بدأ كبرنامج ذي إمكانات بسيطة يبث فقط على شاشات الإنترنت، أظن أنها المرات الوحيدة التي لمحت فيها جانب خفة الظل لدى الطبيب، الذي تخلى عن الطب من أجل أن يصبح مقدم البرامج. وربما كان الضحك مع الحلقات الأولى أكثر، بسبب فضول المشاهدة الأولى، وخلفيات مقدم البرنامج كطبيب شاب قادم من ميدان الثورة، كان يعالج الثوار ممن أصيبوا على أيدي قوات الأمن خلال المواجهات التي سبقت تنحي مبارك. إضافة إلى أنه كان يتحلى بالفعل آنذاك بجانب فطري طبيعي، لم تكن قد أصابته شظايا الشهرة والنجومية بشكل أو آخر.
لكني في النهاية لست مشغولا بما إذا كان باسم يوسف خفيف الظل حقا أم لا؟ أو بمدى قدراته الكوميدية، ولن أنتظر أن يظهر يوما كممثل في فيلم أو دراما ليؤدي دورا كوميديا. فما يشغلني حقا، هو فكرة البرنامج منذ ظهورها الأول وحتى اليوم. "الرؤية" التي تقف وراء هذا البرنامج، والتي أظنها تقدم له وقود النجاح منقطع النظير منذ ظهوره. أو على الأقل وقود أن يكون مثار اهتمام كل فرد شاهده أو لم يشاهده تقريبا كما نرى على ساحات الإعلام، وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي.
النجاح هنا لا يتوقف على قدرته على اجتذاب عدد هائل من المشاهدين في مصر وخارجها، ولا على تحويل البرنامج إلى أيقونة السخرية من رموز السياسة والحكم والإعلام في مصر، بمنتهى القسوة. بل يتجاوز ذلك في إصراره على منهجه هو، ورؤيته هو كـ "ناقد" بالمعنى الحرفي والحقيقي.
ناقد مدجج بالرؤية، ولأوضح ما أقصده بالنقد إذن أقتبس مما يقول فوكو عن التنوير والنقد من أنه "إذا كان فن الحكم هو تلك الحركة المتعلقة في حقيقتها بالممارسة الاجتماعية لإخضاع الأفراد بواسطة آليات سلطوية تستند إلى الحقيقة، فإني أقول بأن النقد هو هذه الحركة التي بواسطتها تكون للذات الحق في التساؤل عن الحقيقة وآثارها السلطوية، وعن السلطة وخطاباتها في الحقيقة، وعلى كل حال فالنقد سيكون فن الرفض الإرادي والعناد الواعي، وأن للنقد وظيفة أساسية هي رفض الخضوع في لعبة يمكن تسميتها سياسة الحقيقة".
وفي تقديري أن هذا هو ما يفعله باسم يوسف، ففي المرحلة الأولى للثورة تناول بالرصد، والنقد، كافة رموز حكم مبارك ممن أفسدوا الحياة السياسية في مصر ولا زالوا، واستمر على النهج نفسه حين وصل الإخوان إلى الحكم، لا يبالي بمن يمكن أن يكون الهدف للنقد، طالما أن الشخص موضوع النقد يمثل وضعا يبدو جليا فيه أنه يبتغي الاستفادة من آليات السلطة الجديدة، سواء كان مرشد جماعة الإخوان الأسبق، أو رئيس الدولة المعزول حاليا، محمد مرسي. أو أي من رموز هذه الجماعة، المصنفة اليوم كجماعة إرهابية، أو حتى نماذج إعلاميي تلك المرحلة الذين مارسوا العديد من مناهج التحريض على المجتمع المدني، ولونوه بمسحة دينية كذبا وافتراء، فيما يعلمون ونعلم جميع انهم لم يكونوا يدافعون سوى عن مشروع سلطوي بامتياز.
وهكذا استمر نهج البرنامج أيضا بعد 30 يوينو – حزيران حين استغلت القوى القديمة الممثلة للحرس القديم لنظام مبارك في الإعلام سقوط الإخوان لكي تتسلل للعودة للساحة، ويرتفع صوتها بالصراخ ضد الإخوان، وكأن معاداة الإخوان تعني أنهم بذلك يمثلون صوت الثورة، وكأن شيئا لم يحدث منذ 25 يناير وحتى اليوم.
كذلك أفرد باسم يوسف في برنامجه مساحة كبيرة لانتقاد وزير الدفاع المصري الفريق عبدالفتاح السيسي، تأكيدا لرؤيته النقدية التي ترى في كلا المشروعين الديني أو العسكري استغلال لآليات سلطوية باسم الحقيقة الدينية في الأول والوطنية في الثاني، فيما كان هو يدفع الجمهور للتفكير في هذه الحقيقة موضحا أن الحقيقة شئ يختلف تماما عن سياسة الحقيقة التي تفرضها السلطات اللامدنية.
وبعد عودته بعد فترة المنع، عاد قويا أولا ليؤكد أن منهجه ورؤيته لم تتغير، وتاليا ليثبت أن جانبا كبيرا من التخبط والعشوائية الفكرية والتراوح في المواقف مما يحدث في مصر خلال السنوات  الثلاث الأخيرة ، وقبلها على مدى عقد كامل على الأقل، يعود إلى الفشل الذريع لجهاز الإعلام في مصر. الإعلام الذي أثبت قدرته على التلون القبيح في أسرع وقت ممكن رافعا شعار المنافقين مات الملك عاش الملك، فتحول من الدفاع المستميت عن عصر مبارك حتى تنحيه إلى الهتاف للثورة، ومنها لحكم العسكر ثم للإخوان وأخيرا للعسكر، يتلون في كل مرة وبسرعة مدهشة مثل الحرباء، من دون حياء أو خجل.
برنامج باسم يوسف إذن ليس برنامجا كوميديا على أي نحو، بل هو برنامج ساخر بامتياز، وناقد بامتياز، أو بالأدق هو برنامج ناقد يتوسل السخرية وسيلة لإعلاء شعاره الأساس: تشجع على المعرفة، وامتلك بذاتك حق هذه المعرفة ورؤية ما يقدم لك بوصفه الحقيقة لتتأكد من مدى حقيقيته.
 
نشرت في النهار بيروت في 26 فبراير - شباط 2014 

منازل الوحشة للعراقية دنى غالي

 

منازل الوحشة لدنى غالي

بغداد ما بعد الاحتلال خلف الستائر المغلقة





 

أسدلوا الستائر، وأحكموا غلق الأبواب. هكذا فعل الكثير من أهل العراق، خلال فترة ما بعد الاحتلال بحثا عن الأمان، وتلافيا لضجيج القنابل، ومشاهد الدماء، خارج المنازل والبيوت، وهروبا من الشوارع الخلفية التي يتجاذبها اللصوص والميليشيات المسلحة وقوات الاحتلال.
وهكذا فعلت الكاتبة العراقية دنى غالي في روايتها "منازل الوحشة" الصادرة عن دار التنوير للطباعة والنشر ودار محمد علي. إذ أسدلت الستائر وأغلقت الأبواب على بطلة العمل وزوجها أسعد وابنها سلوان. ثم عادت البطلة في وقت لاحق  لتغلق الأبواب عليها ومعها ابنها فقط، بعد رحيل زوجها إلى عمّان حين استحالت ظروف حياة طبيعية له بسبب المتغيرات، والقلاقل والرعب الذي وسم الحياة اليومية في بغداد، ليستكمل تشتته بين سوء الحظ والضعف.
في تلك العتمة، والأمان المصطنع، نسمع صوت الراوية وهي تحكي لنا مخاوفها، من الحاضر المجهول، وأملها الشاحب في غد أكثر أملا. مونولوج رشيق هادئ وممتع، ويا للمفارقة، في رصده لأكثر تفاصيل الحياة مللاً، ورعبا، خصوصا فيما يخص هواجسها الرئيسة عن ابنها سلوان. ضحية العنف والنظام السابق والتجنيد الإجباري والخوف واللا أمل. الشاب القابع دوما في غرفته، لائذا بوحدته، وببعض أغنيات يحبها وتصل إليه من المذياع، أو بالكتب التي تميز بيتا يبدو أنه بيت والدين، هما الراوية وزوجها أسعد، من الطبقة المتوسطة المثقفة.
وفي تلك الغرفة عاش سلوان متوحدا مع مخاوفه، وأزماته العديدة التي تتراوح بين عدم الثقة في الذات، والعلاقة المركبة مع الأب، وبعض الذكريات السيئة، متعايشا مع حبات أدوية الاكتئاب والمرض النفسي الذي يشتت ذهنه ويصيب والديه بالحيرة والعجز، تاركا لأمه ، خارج الغرفة، الوحدة والقلق والأسئلة عن طبيعة ما يمر به، ورعبها من مداهمات قوات الاحتلال، ومما  يتعرض له أبيه من متاعب، بل والخوف عليه من نفسه حيث حالت بينه وبين الانتحار في لحظة من أكثر لحظات حياتهما رعبا وألما.
وستظل هي خارج الغرفة تعيش بحثا عن الأمل لتقاوم مخاوفها بينما حواسها مشغولة بالشاب الذي يغلق على نفسه باب غرفته، تكاد تنصت لأنفاسه وتحاول أن تخمن ما يفعله بين كل دقيقة وأخرى، منشغلة في محاولة فهم مدى عمق أزمته وحتى  الارتياب في هويته الجنسية والشكوك المنقولة لها عبر زوجها فيما إذا كان طبيعيا أم مثليا.

لغة دقيقة مغزولة بالجمل القصيرة التي تحمل كل منها وصفا عابرا لليومي المنهك نفسيا وبدنيا، ولا تنوء بحمل الذكريات البعيدة التي تنسج منها الراوية صورة واسعة لعائلة البطلة.

أبو البطلة، صاحب الشخصية القوية، المنعزل، في الوقت ذاته، عن الواقع يأسا، مستبدلا به صحبة أصدقاء قدامى، والأم التي تباري الأب في قوة الشخصية لكن علاقتها بالابنة معقدة، وشبه منعدمة، ومع ذلك فهي تلعب أدوارا أساسية في حياة الابنة خصوصا في أحلك الأزمات، فهي التي تلجأ لعشيرتها وتقوم بالمفاوضات التي تنجح بها في إعادة أسعد، زوج ابنتها الذي تعرض للاختطاف، مقابل فدية. كما أنها تزور ابنتها عدة مرات، رغم انقطاع الطرق ومخاطر الشوارع. بعد رحيل الزوج إلى الأردن.
كاشفة عن مشهد الطائفية والقبلية الذي يبدو للجيل الثاني، جيل الراوية، مشهدا غريبا قادما من ماض سحيق، كانت مظاهر الدولة العصرية قد محته من الساحة، لكن أحدا لم يدرك أن ما بدا ساطعا بالعصرية ووحدة القومية العراقية لم يكن سوى غطاء من رماد،  لا تزال جذوته مشتعلة، وتحولت في زمن الاحتلال إلى نار تنفث اللهيب في وحدة العراق وكيانها الجديد.
 
وبرغم علاقتها المعقدة مع ابنتها فإن الجدّة، أم الراوية، تقحم نفسها على بيت الإبنة من أجل أن تخفف عن الحفيد سلوان، بل وتكون سببا في خروجه من شرنقته حين تصطحب معها ابنة الجيران؛ أسل، الشابة الصغيرة المطلّقة من زواج بائس غير متكافئ، الشاعرة، ذات الروح بالغة الحيوية، والتي ستغدو السبب الرئيس في إعادة سلوان إلى الحياة مرة أخرى. بل وفي قرار زواجه منها، واصطحابها إلى دمشق ليبدآن حياة جديدة بلا خوف.

يحافظ النص على نبرة خاصة، من مبتدأه إلى منتهاه. نبرة تشبه حياة البشر في بغداد في تلك الفترة. يتجلى فيها التشبث بالأمل في الحياة، ومحاولة إخفاء المخاوف والقلق، الذي تفضحه العيون، وحالة التوتر التي يمشي بها البشر في الطرقات. فيما تذكرهم ضربات القلب المتسارعة بأن الخوف يلازمهم وإن أمنوا داخل بيوتهم.
تأتي لغة النص، في جمل قصيرة مكثفة، بلاغتها تتحقق من قدراتها التي تمزج الوصف الخارجي بالحالة النفسية الداخلية، أو استعادة الماضي والذكرى ومزجها بمناطق التقائها بالحاضر وفق التداعيات الذهنية أو وفق ظروف الوقائع اليومية، إضافة إلى بساطة العبارة دون إخلال بقدراتها على أداء الدلالة باقتصاد، وهو ما يعني الاختيار الدقيق للمفردات بحيث تؤدي المعنى المقصود بلا التباس،  وهو ما يميز هذا النص كاملا.
 تبدو الكاتبة في هذا النص مثل عازفة موسيقية، تصل موسيقاها لروح المتلقي فينتشي، لكنه يشعر في الوقت نفسه بمزيج من الغضب والحزن والأسى من دون أن يتخلى العزف عن رشاقته. بصوغ آخر، فإن دنى غالي هنا لا تتخلى عن نبرة السرد رابطة الجأش، تصف بها أعلى لحظات التوتر الإنساني والخوف، دون أن ينتقل التوتر للغة.
تتنقل بين دواخل أبطال العمل برشاقة، وتنقل أحاسيسهم الداخلية عبر وعي الراوية، بلا تعسف. وبرتوش قليلة تصل للعمق. خصوصا في وصف مشاعر الحب الحميمة في مرحلة التوتر التي كانت تعانيها هي وزوجها، ومقارنة علاقتهما الحميمية في بدايات العلاقة. كذلك في علاقتها العابرة بصديق العائلة، حسام؛ الطبيب المخول بعلاج سلوان، الذي أحست تجاهه بمشاعر متناقضة وبرغبة تركت نفسها لها، فيما جاءتها ملاحظة الابن لاحقا، كرجل خبير، وهو يوضح لها أنها تكاد تقع في غرام مثلي فتنفجر بالدهشة من عدم قدرة غريزتها الأنثوية على التقاط ما بدا جليا للابن، ولإحساسها بأنها خدعت على نحو ما، إضافة لشعورها بانضمام سبب آخر إلى قائمة إحباطات حياتها التي تبدو فيها منقادة على نحو ما، لا تمتلك إرادة تشبه إرادة أمها التي تزوجت بعد أبيها أكثر من مرة، والتي تبدو امرأة تعرف دوما ما تريد حتى لو كانت حياتهما في النهاية قد تشابهت من حيث الإغراق في الإحباط والرعب واليأس.
ظلال ألكترا وأوديب تظهر في النص من خلال العلاقة المعقدة مع الأم، علاقة شديدة التعقيد.. الأم الشديدة بشكل يميل الى ما يمثله التراث الذكوري، مستقلة، قادرة على تحمل الرعب، حين ترى الأشياء توصفها وتحدد تشخيصها. لم تبال بكل تبريرات ابنتها العاطفية عن المتاعب النفسية لابنها واختزلتها في احتياجه لممارسة الجنس (ولاحقا حين تقوم الجدة بتوفير الفتاة التي سيتزوجها الحفيد تحل جانبا كبيرا من مأساته)، وهي أيضا الأم التي تخفي الجانب القبائلي في أعماقها لكنها الورقة التي تربح بها وتستخدمها لغطلاق سراح زوج ابنتها من الخطف على أيدي بعض الميليشيات المسلحة. لهذا تبدو الإبنة رغم إحساسها بالنفور من أمها تشعر باتجاهها بشكل ما بنوع مضمر من الإعجاب الذي لا يمكن لها قطعا ان تعلنه.ثم هناك علاقة الذاكرة بالأب، الذي يرمز ربما أكثر إلى عراق الأمس، التي باتت حلما.
في النهاية تتشتت الأسرة، ربما مثل كثير من أهل العراق. كأنما يقول النص أن ما انفرط عقده حتى لو أصلحته الأيام ربما لن يعود كما سابق عهده.
رواية أخفت الكاتبة فيها الصنعة بموهبة لافتة، وقدمت نصا جميلا عن فصل من فصول المأساة العراقية ومعاناة شعبها بعد الاحتلال.

 نشرت في النهار اللبنانية في أكتوبر 2013



نوال السعداوي.. الأنثى هي الأصل!

لا تزال تحمل قضايا الحرية والمساواة والعدل بين أولوياتها
نوال السعداوي.. الأنثى هي الأصل!
 


إبراهيم فرغلي
 
لا اذكر أي منهما قادني للآخر "الأنثى هي الأصل"، أم "المرأة والجنس"؟ الكتابان الأساسيان من بين كتب الدكتورة نوال السعداوي، اللذان شاركا في توجيه عدة أجيال في مصر باتجاه فهم قضية حرية المرأة وفق أسس ثورية ومختلفة. لكني أذكر جيداً أنني قرأتهما متتابعين وعمري سبعة عشر عاما. وأظنهما الكتابان اللذان أسهما في تشكيل رؤيتي لقضية المساواة في المجتمع من منظور مختلف، وفي تغيير الكثير من سلوكياتي وأفكاري الذكورية المتوارثة في مجتمع يقدم فكرة القوامة باعتبارها مسألة بديهية تماما، مسيجة بهالة القداسة الدينية، ومحمية بتراث اجتماعي رهيب من احتقار المرأة والآخر.
وأزعم أن اهتمامي الكبير بالجنس في الكتابة الأدبية، ومحاولات تقمص الصوت الأنثوي في العديد من نصوصي، واقتراح كتابة نص أدبي بنبرة محايدة، إنسانية؛ لاذكورية ولا أنثوية، تعود أصوله الأولى للأفكار التي تعرفت عليها من خلال نوال السعداوي.
بدأت تلك الأفكار مما أصبح اليوم بديهياً عن مفهوم "العفة"، الذكوري، والازدواجية المقززة لمجتمع صنّم فكرة شرف المرأة في غشاء البكارة، وتسبب في ممارسات إجرامية عديدة في حق المرأة، وقهرها جنسياً واجتماعياً، فيما الأبواب السريّة لكل مظاهر اللاعدالة والكذب والدعارة الفكرية والأخلاقية مشرعة على اتساعها.
 بعد أن رسخت وجودها الفكري في المجتمع، أصبحت بعض آرائها تبدو وكأنها تبتغي الإثارة وتحمل طابعا دعائيا، تأخذ أشكالا من التطرف الذي لا يتناسب حتى مع حركات النسوية الجديدة التي لا ترى في المساواة إلغاء لأنوثة المرأة وهويتها الجنسية. والتي لا ترى أن الجمال والموازنة بين المظهر والعقلانية إثما في حق المساواة. أي أنها تعيد تأمل الكثير من الأفكار النسوية التقليدية من وجهة تأكيد الاعتبارات الجسدية الخاصة بكل من الرجل والمرأة، كما تمنح التكوين الطبيعي للمرأة من حيث قدرتها على احتواء روح أخرى (الأبناء) أهمية تقدير اعتبارات عاطفية تميزها عن الرجل من حيث فطرية الاهتمام بالآخر وغير ذلك من أفكار أعادت للمرأة لمستها الأنثوية المسلوبة من أفكار النسوية التقليدية.
ومع ذلك ففي النهاية يمكن القول أنه من حيث الجوهر لا يمكن أن نرى في الأنثوية أو أفكار النسوية الجديدة الا اتفاقا رئيسا مع جوهر مطالب النسوية التقليدية تصب في خانة دعم العديد من المطالب التي لا تخص المرأة العربية فقط، بل تمتد للمرأة في الغرب أيضا؛  مثل قضايا الحقوق الإنجابية (التي تتضمن – دون أن يحدها ذلك- الحق في اختيار إجهاض آمن وقانوني، منع الحمل، ونوعية الرعاية الصحية المتوفرة للأمهات)، والعنف في العلاقات الأسرية، وإسقاط الحمل، والتحرش الجنسي، والتحرش في الشوارع، والاغتصاب، والتمييز، وعدم المساواة في الأجور. وعموما فهناك العديد من القضايا الخلافية التي تنتج من تطور الفكر النسوي، مع ظهور تيارات جديدة مثل الأنثوية التي تمنح الحرية الجنسية الكاملة للأنثى، وهو ما تعارضه تيارات نسوية أخرى.
 وبالرغم من كل ذلك، ومن كل ما قد يكون مصدرا للاختلاف مع السعداوي، في النسوية وفي السياسة وغيرهما، تظل الكثير من أفكار نوال السعداوي ذات أهمية كبيرة تتحقق من حيث كونها محاولة تثوير فكري للمجتمع، في اتجاه العقلانية، من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية بشكل عام.
تقول السعداوي :"ليست المشكلة عجز العقل البشري, بل النظم الحاكمة الظالمة بقوة الأموال والإعلام والدين والسلاح, واستخدام اللعب السياسية والكلمات المراوغة لإخفاء الظلم والتفرقة"، وتتساءل حول مظاهر اللاعقلانية في المجتمع: "هل توقفت عقولنا عن التطور حتي يسيطر علينا اللامعقول ؟ كيف لأستاذ جامعي أن يعلق بعنقه خرزة زرقاء تقيه الحسد؟ كيف لأستاذة جامعية متخصصة بالنانو تكنولوجي أن تغطي رأسها لأنه عورة؟"، وتتساءل عن غياب العدل الاجتماعي بشكله الفاجر في مصر قائلة: "كيف يعيش1% من المصريين في القصور و95% في القبور؟".
وتظل أفكارها الأساسية التي طرحتها في مطلع السبعينات وتناولتها في أكثر من كتاب هي ما تناضل من أجله حتى اليوم، وهو ما عبرت عنه في "المرأة والجنس" مثلاً، بقولها: "المقاييس الأخلاقية الي يضعها المجتمع لابد أن تسري على جميع أفراده بصرف النظر عن الجنس أو اللون أو الطبقة الاجتماعية. والمجتمع الذي يؤمن بالعفّة في الجنس كقيمة خلقية، لابد أن ييسر أن تسري هذه القيمة على جميع أفراد المجتمع، أما أن تسري على جنس دون الجنس الآخر، أو على طبقة دون الأخرى فهذا يدل على أن هذه العفة ليست قيمة أخلاقية وإنما قانون فرضه النظام الاجتماعي القائم. وقد رأينا في المجتمعات الرأسمالية كيف كان الحكام الرأسماليون يفرضون على العمال والأُجراء قيماً أخلاقية معينة تضمن زهدهم في الحياة، وقناعتهم بأجورهم الضئيلة، وخضوعهم للقوانين الرأسمالية الجائرة، وتطوعهم في الجندية للدفاع عن مصالح هؤلاء الحكام وأطماعهم الاستعمارية. هذا في الوقت الذي يستمتع فيه الحكام الرأسماليون بقيم الجشع والنهم والربح المتزايد، والإفراط في كل المُتع التي حرموها على الطبقات الكادحة. واذا كان الرجال هم السادة في المجتمع فقد دعوا النساء الى الالتزام بقيم الشرف والعفة ليضمنوا خضوعهن على حين ينطلق الرجال مبيحين لأنفسهم الاستمتاع بكل ما حرموه على المرأة".
ولا تزال إسهامات الدكتورة نوال السعداوي الفكرية اليوم، في مرحلة ما بعد الثورات والانتفاضات العربية لها أهمية كبيرة، لأنها تؤدي دوراً أساساً ينطلق من يقينها أن الثورة الحقيقية ثورة عقلية، وأن المستقبل هذ الذي سيفجر هذه الثورة بعد أن بدأت الثورة الاجتماعية والسياسية.
يحسب لنوال السعداوي خوضها المستمر للمعارك المختلفة ضد التخلف والرجعية والأفكار الظلامية، وهو ما عرضها للعديد من المتاعب ومحاولات النيل منها من قبل خصوم حرية الفكر، والذين قاموا بتكفيرها أكثر من مرة كما أقاموا دعوى لتطليقها من زوجها، إضافة إلى الحملات المنظمة لتشويهها وتشويه أفكارها باجتزاءات مُخلّة، انتزعت من غير سياقها، من مقابلات تلفزيونية في برامج حوارية مختلفة، وبعض المقالات. فمثل هؤلاء لا يمكن أن يكونوا قرأوا لها كتابا، لا لها أو لغيرها.
وهي بذلك تضرب مثلا مهما يوضح كيف أن مجتمعاتنا العربية الذكورية التي لا زال التخلف سمة أساسية يجول في ربوعها بلا رادع، لا تكتفي بمحاولات قهر المرأة جنسياً واقتصادياً واجتماعياً وعاطفياً، بل ومحاولة إرهابها فكرياً إذا حاولت أن تناصر الأفكار المناهضة لقمع المرأة.
تعرضت نوال السعداوي للسجن في سبتمبر 1981م، في أواخر فترة حكم الرئيس السادات، كما تعرضت للنفي بسبب إرهاب معارضي آرائها ومؤلفاتها، وتم رفع قضايا ضدها من قبل بعض الأشخاص المحسوبين على التيارات الإرهابية للتفريق بينها وبين زوجها، وتم توجيه تهمة "ازدراء الأديان" لها، كما وضع اسمها على ما وصفت ب"قائمة الموت للجماعات الإسلامية" حيث هددت بالموت. كما رفضت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة في مصر في 12 مايو 2008 م. إسقاط الجنسية المصرية عن المفكرة المصرية نوال السعداوي، في دعوي رفعها ضدها أحد المحامين بسبب آرائها المدافعة عن حقوق المرأة.
 
نوال السعداوي
نوال السعداوي (ولدت في 27 أكتوبر 1930)، طبيبة، ناقدة وكاتبة وروائية مصرية ومدافعة عن حقوق الإنسان وحقوق المرأة بشكل خاص. ولدت في مدينة القاهرة، وتخرجت من كلية الطب جامعة القاهرة في ديسمبر 1954، وحصلت على بكالوريوس الطب والجراحة وتخصصت في مجال الأمراض الصدرية.
وفى عام 1955 عملت كطبيبة امتياز بالقصر العيني، ثم فُصلت بسبب آراءها وكتاباتها.
وتدور الفكرة الأساسية لكتابات نوال السعداوي حول الربط بين تحرير المرأة والإنسان من ناحية وتحرير الوطن من ناحية أخرى في نواحي ثقافية واجتماعية وسياسية. ومن بين أعمالها:
مذكرات طبيبة 1960، المرأة والجنس 1969، الأنثى هي الأصل 1971، الرجل والجنس 1973، الوجه العاري للمرأة العربية 1974، المرأة والصراع النفسي 1975، أوراق حياتي 2000، مذكراتي في سجن النساء، الزرقاء (مسرحية). قضايا المرأة المصرية السياسية والجنسية، معركة جديدة في قضية المرأة، الإنسان .. اثني عشر امرأة في زنزانة، موت الرجل الوحيد على الأرض(رواية)، تعلمت الحب، توأم السلطة والجنس، رحلاتي في العالم، كانت هي الأضعف (رواية). امرأة عند نقطة الصفر (رواية). سقوط الإمام (رواية) وغيرها.
نشرت في النهار- بيروت - في 18 ديسمبر 2013 

حتى أتخلى عن فكرة البيوت" لإيمان مرسال


 

"حتى أتخلى عن فكرة البيوت" لإيمان مرسال..

أن تتحول الحياة المعيشة إلى قصيدة !

 

إبراهيم فرغلي

 نشر في موقع الكتابة وفي صحيفة النهار - بيروت


 

أن تتحول الحياة المعيشة إلى قصيدة، هكذا كنت أهمس لنفسي بينما أقرأ ديوان الشاعرة إيمان مرسال "حتى أتخلى عن فكرة البيوت"، للمرة الأولى. مستسلماً، في الوقت نفسه، لغواية الانطباع الأوليّ الذي تخلقه قراءة أولى قصائد الديوان "لعنة الكائنات الصغيرة"، بأن إيمان وقعت على بئر السرد، وألقت فيه بدلوها الشعري في محاولة  لأن تنهل مما في جُبّ البئر، لتروي به حقول القصيدة.

لكن المُضيّ قُدماً في الديوان سرعان ما خفّف من حدة هذا الانطباع المتسرع، وفي القراءة الثانية واللاحقة، وما بعدها، تبين لي أن ما يبدو نثراً أو سرداً ليس سوى حيلة شعرية جديدة، تحاول بها مرسال الولوج إلى جملة شعرية بالغة التكثيف، لكنها لا تريد أن تقولها دون أن تمهد لها، بخلق لوحة "شبه سردية"؛ بديلاً للجملة أو للصورة الشعرية المجردة، وبحيث تأتي الجملة في النهاية حاسمة وشعرية بامتياز، مثل قولها في نهاية نص (لعنة الكائنات الصغيرة) :"ما أذكره غائب عن الصورة فلماذا أجتهد هكذا لأحافظ عليها من الضياع". أو كما في ختام قصيدة مقالة في (ألعاب الطفولة) حين تقول: "دور العمياء في كل مسرحية لم يكن يريده سواي".

 كنت اتبين مدى كثافة نص (لعنة الكائنات الصغيرة)، وكيف أنه في اعتماده على الذاكرة واللقطات المشهدية العائلية، والصورة، يتكئ على إبراز التناقضات، بحس ساخر حيناً، وبحسرة وألم وجداني حيناً آخر، وأحيانا بلون من الحنان، أو بما يشبه غمزة مرحة مرات.

لكن هذا المرح يبدو كأنه ابتسامة يشوبها شئ من مرارة تكاد لا تُرى، من مثل تصوير التناقض بين فكرة الفقر وبين تحايل الصور العائلية عليه بإظهار الأطفال وهم يمسكون النقود في الصورة، بحيث يتم "تخليد النعمة" التي قد لا تكون حقيقية خارج إطار الصورة، أو غير ذلك من صور التناقض.

النص الذي يتناول ما تسميه الشاعرة "وطني الأم"، تبدأ أولى تجلياته من تناقض اسم هذا الموطن مع واقعه: "ظُلِم هنا أناس كثيرون، وسميت هذه القرية (ميت عَدلان)". ثم تأتي التقاطات الذاكرة أيضا لتومض بتناقضات شخصيات التاريخ العائلي، فيما طائر الموت يطلّ كثيراً على مصائر تلك الشخصيات، ولاحقاً نعرف أن "قرية الأسرار العظيمة ليس بها باب يغلق".

وعلى ذكر الأسرار، فإن مساحة واسعة  من غواية القصيدة الحديثة، عندي، تتحقق من إحساسي بأن القصيدة بناء لغوي يتم تشييده في معبد الأسرار، ليس من السهل فك ما تقصده، إما لشدة كثافتها، أو لاستخدامها لطاقة الرمز والخيال، كما نرى في قصيدة "رسام الملائكة" مثلاً:"تترك الألوان الحقودة خارج اللوحة، تدعي الروحانية فلا تقترح صوتا ولا رائحة. أجساد بيضاء ووجوه هلامية، أجنحة تلتصق بالورقة كوشم ولن تطير أبدا".

وطاقة الرمز والخيال لا تتوقف على لغة مجردة أو مستعارة من المعجم فحسب، بل قد تمتد إلى مساحة الظاهراتي الشائع، حتى لو بدت أنها تستخدم لغة الشارع وتبحث عن مظاهر اليومي العابر، كما هو توجه القصيدة الحديثة في مصر إجمالا،  وكما نرى هنا في هذا الديوان في غير موضع وخصوصا في قصيدة "إيميل من أسامة الدناصوري" على سبيل المثال.

أما السبب الثالث لإحساسي وشغفي بلغزية القصيدة الحديثة فلأنها، في أول الأمر ومنتهاه، محاولة الشاعر لاعتراف سري يحتاج ان يتخلص منه، على ما يقول الشاعر الإنجليزي تيد هيوز. ولعل الحاجة إلى إخفاءه هي التي تجعله شعرياً. أي أن السر الحقيقي هو هذه الحاجة الغريبة الى الإعتراف، "ربما لأنك إن لم تقم بذلك الاعتراف السري فلن تكون عندك قصيدة". وهذا، في تقديري، منهج هذا الديوان كاملاً.

على مستوى طموح الفكرة الشعرية ثمة حس وجودي عميق، يبدو كهالة تتبع هذا الديوان أينما يسير. وعبر مستويات عدة وطرائق مختلفة. الحس الوجودي تخلقه أسئلة وجودية مباشرة في بعض الأحيان عن معنى الحب، أو الحياة، كما في قصيدة النجاة مثلا:"هل هذه هي النجاة؟ هل النجاة أ تكون في صحراء كهذه وتحت قدميك جوهرة لم تكن تعرف أنك تبحث عنها؟".

يتجسد الحس الوجودي أيضاً من سؤال القصائد الرئيس في تأمل الشاعرة لمسارات الحياة "من أنا"؟ كما في قصيدة (حياة) وفيها تقول:"حياتي التي فشلت دائماً في لمسها، في أن أجد صورة لي معها، بجانبي على نفس السرير، تفتح عينيها بعد غيبوبة طويلة، تتمطى كأميرة واثقة أن قصر أبيها محمي من اللصوص". وهي قصيدة وجودية بامتياز من حيث طبيعة السؤال الذي تطرحه والهاجس الذي يسيطر عليها "أمامي حياتي كلها؛ حتى أنه يمكنني ضمها إذا شئت، يمكنني حتى الجلوس على ركبتيها والغناء أو العويل".

كما يخلق هذا الحس الوجودي، في أحيان أخرى، تداخل الذوات الأخرى مع ذات الشاعرة عند استعادة الخبرات الماضية في نطاق خبرات الحاضر.

ثمة عدد من النصوص تتناول هذا الهم منها مثلاً في نص (تصبح على خير) يأتي قول الشاعرة:"اقول بنفس الحنان تصبحين على خير للهندية الواقفة منذ الصباح خلف صندوق النقود فتبتسم بطراوة كأنها لم تكن غاضبة من ثوان على زبائن اللحظة الأخيرة". أو كما في نص (تجارة العبيد) حين تقول مثلاً:"متى يأتي بحار ليفك كرتَي الحديد من قدميّ، أريد أن أتأكد من وجود قلمٍ رصاص وكرّاس ماركة Molesine في حقيبة الظهر، سأسجل ما يحدث لي في لغة مؤثرة".

كما يتمظهر الحس الوجودي في أسئلة الشك، التي تعبّر عنها ذات قلقة متخمة بالأسئلة عن معنى الحياة، عن قيمة الحب، وأوهامه، بل وحتى التعبير عن عمق سؤال الوجودية، الذي يوجه انتباهه لما تعطيه الرؤية الحدسية وما يحتل مكاناً في الشعور عن طريق هذه الرؤية، تأكيداً لأن ما يحياه الفرد هو العالم الذي يراه. تقول مرسال في ختام قصيدة (كأن العالم ينقصه شباك أزرق) :"يروق لي أن أصلّي ولا أعرف لمن". وقبلها وفي القصيدة نفسها تقول:"أما أنا فأشك أن الجبال في أماكنها، وأظن أن أقرب مكان بعيد عن التيه هو الموت".

يسيطر على العديد من قصائد هذا الديوان حس فلسفي يندمج في جدار البناء الشعري ببراعة، ويمنح النص عمقاً إضافياً لرؤيته الشعرية، وعبر نماذج العديد من القصائد بينها ما سبق ذكره في أمثلة آنفة، لكني أظن أن المتح من معين السرد أيضأ منح للشاعرة مفاتيح لصور عديدة جديدة ومختلفة. ومن بين هذه الصور مثلاً ما يأتي في مطلع قصيدة (احتفال) :"وقع خيط القصة على الأرض فنزلت على ركبتي أبحث عنه".

لكن اللافت أنه بالرغم من هذا الهم الوجودي فإن الجسد لا يحظى باهتمام كبير، وحتى في قصيدتين تحتفيان بالغرام، وبعلاقة سريّة بين عاشقين، لا يبدو الجسد، إيروتيكياً أو فيزيقياً، له حضور مؤثر، خصوصاً في قصيدة (وكأن العالم ينقصه شباك أزرق)، ربما باستثناء جملة في القصيدة تقول:"يعود كل منا لأهله. قُبلٌ في الرقبة وخدوشٌ في الظهر، رائحةٌ في الجلد وآلام تحته". وربما يأتي ذلك من كون الأنا هنا تتساءل عما إذا كانت تفاصيل ما تورده من رحلة لقاء العاشقين تعبّر عن حب حقيقي أم أنه مجرد رحلة جديدة من رحلات صناعة الوهم حتى إتقانه؟ وتستخدم، في تذكر لحظة العلاقة الحميمة وصف "جثتان جميلتان".

وربما يعود ذلك أيضاً إلى الإحساس الذي تسبغه العديد من القصائد على الحضور الجسدي بكونه وجوداً في ممر معتم وضيّق، عادة لا يتسع لأكثر من واحد. أو بكونه تصور الطفل، في لعبة الاستغماية، كما يرد في قصيدة (مقالة عن ألعاب الطفولة) بأن الآخر لا يوجد حين يغلق الطفل عينيه.

في قصيدة "تجارة العبيد" تتقمص الشاعرة صوت امرأة يفترض أنها كانت واحدة ممن خرجوا من كوّة "باب اللاعودة" الذي كان العبيد يخرجون منها – ولعل الشاعرة هنا تقصد "قلعة المينا" في غانا - إلى العالم الجديد؛ الذي يتحولون فيه من أجساد وذوات حُرّة، إلى عبيد لا يملكون من أمر أنفسهم أو اجسادهم شيئاً. لكنها تقف "حُرّة وقلقة بين الحصن والمحيط"، لأن تفاصيل صغيرة في المكان ستجعلها ترى أن التحرر من العبودية لا يزال، حتى لو بدا اليوم تاريخاً بعيداً، وهماً لم يتحقق، لأنه اتخذ أشكالا جديدة ومختلفة.

في هذا الديوان الفاتن تتقدم مرسال، مرة أخرى، قُدماً، في مسيرة تجربتها الشعرية، وتقدم نصاً كثيفاً وحياً وموحياً، يفيض بالأسئلة الوجودية، عن الذات والآخر. ولا يبدو فيها السؤال في هذه المرة كمن يراجع نفسه من عالم "الآخر"؛ كما كان شأن ديوانها الأخير "جغرافيا بديلة"، وإنما من موقع وجودي أكثر توازناً، وثقة بالذات، رغم القلق الوجودي والإنساني، وهو سمة أساسية لكل شعر حقيقي على أي حال. بل يصدر السؤال هنا عبر حسٍ عولمي متصالح مع موقع الشاعرة الراهن ؛"هناك"، رغم أنها تنتمي إلى "هنا".

 

 

وزراة الثقافة الإخوانية ترث ميراث الفساد


أزمة وزير الثقافة المصري الجديد مع المثقفين إلى أين؟
وزراة الثقافة الإخوانية ترث ميراث الفساد







إبراهيم فرغلي

 مقال نشر في النهار - بيروت في فبراير 2013

عقب الأسابيع الأولى للثورة المصرية التي اندلعت في 25 يناير 2011، أثار عدد من المثقفين المصريين مجموعة من المناقشات والأفكار والاقتراحات التي كانت ترى ضرورة إعادة النظر في الكثير من الثوابت، وبينها فكرة ضرورة وجود وزارة الثقافة نفسها، بعد أن تبين مدى غياب الثقافة الفادح في الدولة المصرية، برغم وجود هذ الكيان الهائل، بكل مؤسساته وأجهزته الخاصة بالنشر والترجمة والفنون وسواها، والذي كان من المفترض أن يلعب دوراً بارزاً في إشاعة الثقافة في المجتمع.

لكن التطورات الأخيرة وخصوصا عقب تولي الوزارة اخيرا شخصا أثار وصوله لمنصب وزير الثقافة، وهو علاء عبد العزيز، جدلا واسعا، متبوعا بمجموعة من الاستقالات لعدد من أبرز رجال الوزارة، بسبب عدد من القرارات الاستفزازية التي اتخذها الوزير سواء بإقالة عدد من المسؤلين مثل أحمد مجاهد من منصب رئيس الهيئة العامة للكتاب، ورئيس قطاع الفنون التشكيلية صلاح الميلجي ، ثم إقالة مديرة الأوبرا إيناس عبد الدايم.

وبالرغم من القلاقل التي أصابت الحكومات المتعاقبة خلال الفترة الانتقالية التي تولى فيها المجلس العسكري إدارة البلاد، وتلك التي أعقبت وصول الدكتور محمد مرسي للحكم، فإن وزارة الثقافة حاولت أن تبدو متماسكة، نسبيا، من خلال تواجد د.عماد أبو غازي وزيرا في المرحلة الانتقالية، وخلفه الدكتور شاكر عبد الحميد في حكومة الجنزوري، ثم تولي الدكتور صابر عرب المنصب من بعده، مقارنة بالعديد من مؤسسات الدولة المصرية، حتى تقلد الوزير الجديد منصبه.

 

فبعد أقل من مرور ثلاثة اسابيع على وصول علاء عبد العزيز للمنصب الجديد بدأت ظاهرة الاستقالات الجماعية، إذ قدّم الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة؛ سعيد توفيق، استقالته من منصبه احتجاجا على  ما أسماه "الأجواء المسمومة التي باتت تخنق الأنفاس وتشل العمل الثقافي والإداري في وزارة الثقافة"، وعلى سياسة الوزير في "أخونة" قطاعات الوزارة.

وأبدى توفيق ايضا اعتراضه على ما اعتبره "السعي بإصرار نحو تنفيذ سياسة اخونة الوزارة الذي بات واضحا للعيان"، مشيرا إلى "تصعيد من يميل بالولاء لجماعة الاخوان المسلميين، رغم تقييمهم السلبي بالنسبة لمهام عملهم".

وأكد توفيق أنه يقدم استقالته، أيضاً، احتجاجاً على "سياسة التنكيل التي يتبعها الوزير مع الكثير من قيادات الوزارة، حتى لو كانوا من اصحاب الكفاءة والخبرة".

جاءت استقالة توفيق عقب استقالة العديد من الشخصيات الثقافية من مناصبها في وزارة الثقافة مثل الشاعر عبد المعطي حجازي من تحرير مجلة "ابداع" الصادرة عن وزارة الثقافة، وأسامة عفيفي رئيس تحرير مجلة "المجلة" الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، اضافة الى استقالة مجلس أمناء بيت الشعر. وخيري دومة من المجلس القومي للترجمة، إضافة إلى أعلان الروائي بهاء طاهر، استقالته من عضوية المجلس الأعلى للثقافة، احتجاجاً على استبعاد الدكتورة إيناس عبد الدايم، من رئاسة دار الأوبرا المصرية.

واعتراضا على قرار وقف انتداب إيناس عبد الدايم كمدير لدار الاوبرا، وهو ما أثبت وجود موقف "إخواني" خلف هذا القرار الذي تزامن مع ما أشيع عن وقف حفلات رقص الباليه، اعتصم العاملين بدار الأوبرا المصرية في دار الأوبرا، وتضامن العديد من الفنانين والمثقفين مع رفض قرار وزير الثقافة الدكتور علاء عبدالعزيز إنهاء إنتداب الدكتورة إيناس عبدالدايم من منصبها كرئيسة لدار الأوبرا المصرية، وتعليق كافة العروض الفنية والأمسيات الشعرية وسواها.

كما تظاهر العشرات أمام مبنى الأوبرا تحت عنوان "وقفة الإنذار الأخير" للمطالبة بإقالة وزير الثقافة الذي أثار تعيينه جدلاً كبيراً ويرفض توليه الوزارة العديد من المثقفين، فيما شارك في الوقفة عدد من الفنانين والسياسيين منهم أعضاء بجبهة الإبداع ومحمود قابيل، خالد صالح، سامح الصريطي، جلال الشرقاوي، يحيى خليل وغيرهم. كما شاركت مجموعة أخرى من المثقفين والفنانين أمام مكتب وزير الثقافة للمطالبة بإقالته.

من جهته، وبالطريقة نفسها التي يسلكها رئيس الوزراء وأغلب أعضاء حكومته، لم يبالي بتبرير قراراته، وأصدر وزير الثقافة قراراً بتعيين بدر الزقازيقي رئيس الإدارة المركزية لشؤون خشبة المسرح، رئيساً لدار الأوبرا. وأصر على التأكيد بأن ما يقوم به هو عملية تطهير للوزارة.

وأعرب عن رأيه تجاه المعارضين عبر الصفحة الرسمية لحزب الحرية والعدالة، وقائلا:"إن الصبيان الفاسدين داخل الوزارة والذين تربوا على النهب وسرقة أموال الشعب لن يستطيعوا تشويه ما يفعل من عمليات تطهير داخل وزارة الثقافة". وأضاف عبدالعزيز "مهمتي الارتقاء بالثقافة المصرية بعد ثورة مجيدة ارتوت بدماء الشهداء الطاهرة".

وهو خطاب يشبه تماما نفس خطاب كل القيادات الإخوانية، بداية من رئيس الجمهورية محمد مرسي، مرورا بكل رموز الإخوان في الدولة، الذين استخدموا "دماء الشهداء" سلما للنفوذ والسيطرة على مفاصل الدولة بعد الثورة، رغم أن قتلة هؤلاء الشهداء، لا يزالون يحصلون على أحكام قضائية بالبراءة، يوما بعد آخر، في ظل حكومة الإخوان.

وبالرغم من كل هذا الضجيج في الحقيقة، فإنني، وبشكل خاص، لم أجد في هذا الضجيج نبرة تشدني للانتباه، أو للتعاطف.

لأنني ومنذ فترة طويلة، أي من قبل الثورة بسنوات أجد أن أزمة الثقافة في مصر لا علاقة لها بوزارة الثقافة بقدر ما لها علاقة بالمثقفين أنفسهم، أو بقطاع كبير منهم، وبأزمة تعاطيهم مع فكرة الثقافة ومع كيان وزارة الثقافة.

فقد تحول دور وزارة الثقافة، منذ زمن طويل يعود لعصر السادات، من كونها مؤسسة هدفها انتشار الثقافة والفكر والارتقاء بالحس الفني وتوفير المنتج الثقافي والفني لكل المواطنين،  من خلال دعم تلك المنتجات، كما كان الحال في عهد ثروت عكاشة، إلى أن أصبحت مؤسسة تهدف أن تكون بوقا للدعاية للدولة، في عهد الدكتور عبدالقادر حاتم، ومن جاء بعده، بهدف إضفاء صورة عصرية على السلطة بوصفها الدولة المنتجة للثقافة والفنون، بينما تقوم، من جهة أخرى، بعمل نوع من الصفقات مع المثقفين لكي تستميلهم إليها وتتجنب انتقادها، والإيهام بأنها الحاضن الأساسي للمثقفين.

وفي هذا الوضع امتلأت المؤسسات التابعة لوزارة الثقافة مثل الهيئة العامة للكتاب، والمجلس الأعلى للثقافة، ودار الأوبرا، وسواها، بجيوش من الموظفين، (تبلغ تقديراتهم نحو 90 ألف موظفا)،  ممن لا علاقة لهم بالثقافة من قريب أو بعيد، من الذين أتيحت لهم فرصة عمل في السكرتارية والإدارة أو المطابع أو الأقسام الأخرى المشابهة. وأصبحوا يشكلون قوة كبيرة داخل مؤسسات الوزارة، أدى إلى انهم مارسوا لوناً من ألوان الرقابة داخل الوزارة، حيث أثيرت العديد من قضايا الرقابة التي أجراها عمال مطابع الهيئة العامة للكتاب في عهد الدكتور سمير سرحان حين كان رئيسا للهيئة، والذي خضع لهم، مع الأسف، في أكثر من مرة ، وساهم في نشر أعمال أدبية "مراقبة"، أو مبتورة، لكبار كتاب مصر.

وفي كل المرات التي تعرضت فيها وزارة الثقافة لأزمة من أزمات قضايا حرية الرأي والتعبير، تنازلت الوزارة عن هذا الحق، وخضعت لابتزاز القوى المحافظة والرجعية؛ التي كانت وراء إثارة كل أزمة من تلك الأزمات، إما بإقالة مسؤلين عن السلاسل الأدبية، أو بمصادرة كتب أو رقابة بعض آخر منها.

أما ما يتعلق بالكثير ممن يطلق عليهم لقب مثقفين في مصر فقد وجدوا في مؤسسات الوزارة مجرد وسائل للارتزاق، إما بالحصول على تفرغ مرة، أو بالعمل في هيئة من الهيئات أو إدارة سلسلة من السلاسل، أو بغير ذلك من المزايا التي كانوا يسعون لها سعيا.

 وكفّوا بذلك عن توجيه النقد الواجب لكافة مظاهر الفساد في الوزارة التي كان واضحاً وجلياً أنها تمارس دورا دعائيا بامتياز، من مثل إقامة مهرجانات واحتفالات، والسعي للتأكيد على "ضخامة المنجزات"، أو تقسيم جوائز الدولة وفقا لأهواء ومصالح المنتفعين واللجان وسوى ذلك.

بقول آخر فإن الكثير من المثقفين المصريين كانوا يجدون في الوزارة والفرص التي توفرها لهم؛ سواء كانت فرصا للنشر المجاني، أو للحصول على مزايا عينية أو مادية، كان يقلص من فكرة الاستقلالية التي يفترض أن يتمتع بها أي مثقف.

مع التأكيد أن أي مثقف يمكن له أن يحافظ على استقلاله، حتى لو تعامل مع الوزارة بأي شكل، لأن هذا حقه في النهاية. لكنه لا يجب أن يعتبر هذا الحق منحة من قيادات الوزارة لكي يشيد بهم أو يتجنب انتقادهم، أو يتغاضى عن فساد من يمتثل فيهم لقواعد الفساد.

وبالتالي ففي ظل انشغال الكثير ممن يعتبروا مثقفين، بمنافعهم الصغيرة، وفي ظل تزايد جيش الكادر الإداري، أصبح من السهولة بمكان أن يتم تحويل توجه الوزارة من موقفها الليبرالي المستنير، المفترض، إلى أي توجه محافظ آخر مما يرغب فيه الإخوان بسهولة، وبالتالي أيضا من الممكن بسهولة أن تسير القافلة في وجهة المصادرة والرقابة ووقف فنون الرقص والباليه، وهو ما يبدو توجها إخوانيا محضا يتبناه رئيس الجمهورية نفسه، خصوصا بعد ان أذاعت إحدى القنوات الفضائية المصرية قبل ايام تسجيلا عمره ثماني سنوات لحلقة من برنامج حواري استضاف الدكتور مرسي بصفته آنذاك نائبا في مجلس الشعب عن الإخوان المسلمين مع الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي كانت تناقش مطلبا تقدم به النائب الإخواني لإغلاق مدرسة لتعليم الرقص بدعوى أنها تحض على الإثارة.

بوصف آخر  كما يقول الكاتب المصري محمد علاء الدين قائلا:" فقد سُلمت الدولة المصرية كما نعرفها بجهاز أمن دولتها، ومخابراتها، ووزارة إعلامها ووزارة ثقافتها، وكل أذرعتها التنفيذية والسلطوية لقبضة الإسلام السياسي".

وهو في مواجهة ذلك يقترح الاعتماد على لا مركزية حقيقية في مثل هذا المجال. بمعنى أن يتحرك المجلس الأعلى للثقافة بحرية اوسع بكثير، وكذلك كل الهيئات التي يسيطر عليها وزير واحد، بتوجه واحد، وعقلية واحدة ويقول متسائلاً: "أليس من الأفضل تحويل كل هذه الهيئات إلى هيئات مستقلة تحصل على تمويلها من الدولة ولكن يديرها مجلس أمناء مستقل، كما نجد في التجربة البريطانية مثلا؟".


لهذا فإنني أظن انه بات واضحا اليوم  أن إنعاش الثقافة المصرية لم يعد في حاجة لوزارة الثقافة، بقدر ما يحتاج لكيانات أهلية، مستقلة، تتولى الإنفاق على النشر، والاستثمار في الأنشطة الفنية والثقافية، كما هو شأن ساقية الصاوي مثلا، وكما شأن المكتبات الخاصة، وكما فعلت بعض المؤسسات الخاصة التي انشأت جوائز أدبية أهلية مثل مؤسسة ساويرس.

لكن ما نحتاجه اليوم أكبر من ذلك بكثير وأكثر طموحاً لمواجهة ما خلفته إدارات الثقافة السابقة، من فشل  وفساد، ومن خلق مناخ إداري ملائم، غير مؤهل للعمل الثقافي، لكي ينمو مع أي توجه محافظ ومتخلف مثل توجهات الوزير الجديد، هو تكاتف المثقفين والمبدعين الحقيقيين والمستقلين من أجل إنشاء ودعم كيانات مدنية أهلية مستقلة ودعوة رجال الأعمال ومحبي الثقافة والداعين للدولة المدنية في إنشاء كيان ثقافي ضخم يمثل البديل، القادر على إنتاج الفنون الرفيعة في المسرح والسينما والأدب والدوريات الأدبية والفكرية والنشر الفكري والإبداع عموما. البديل القادر على مواجهة كيان مؤسسي تم تسليمه بالكامل إلى الإسلام السياسي.

 

الطيب صالح..أسطورة الغائب الحاضر بامتياز



رحيل الطيب صالح..أسطورة الغائب الحاضر بامتياز

 





 

إبراهيم فرغلي

ترددت طويل قبل قراءة "موسم الهجرة إلى الشمال" قبل سنوات طويلة، كعادتي كلما سمعت عن عمل أدبي جماهيري، أو متفق عليه. لكن النص الفريد تمكن من إسكات أصوات ارتيابي وترددي، بل، ومع استغراقي في النص، بدا فاتنا، قادرا على إغوائي لمنطقه، كنص، يمتلك لونا من التجريبية، تتراوح بين مستويات سرد خطابية وصفية، وشفاهية، وثالثة تتناول المونولوج الداخلي للشخصية، له نبرة خاصة، والأهم من ذلك كله، أنه نص مكتوب بحرية كاملة.

هذا الحس بالحرية لم يتعلق بالتعبير عن المواقف الحسية بين مصطفى سعيد وعشيقته فقط، وإنما تعدى ذلك للتجريبية في النص، مما جعله يعبر عن موضوع الصدام الحضاري الدامي بين ثقافتين تتهم كل منهما الأخرى ولا زالت في صوغ فني لا يعدم الدقة ولا الإيقاع الموتر، والمتأمل في أحيان أخرى مقدما نموذجا لنص رفيع المستوى.

بينما ظل البطل وعشيقته يعيشان في خيالي طويلا كنموذج لذلك التناقض المرعب الذي يصوغ علاقة شديدة التعقيد عمادها (الحب –الكراهية- الانتقام). وكذلك مشاهد القرية السودانية والتفاصيل، التي كان يحفرها بدقة شديدة، وهي سمة في أعماله عموما، كاشفا نسيجا مجتمعيا معقدا وبسيطا وأصيلا في آن.

ولعل هذا الحس بالحرية هو الذي اعطى للرواية ثقلها مقارنة بأعمال أخرى سبقت في تناول الموضوع ذاته وعلاقة المثقف العربي بالغرب، وبينها مثلا عصفور من الشرق لتوفيق الحكيم، لكنها بالتأكيد كانت مختلفة في تلك النبرة المتحررة التي تضمنها نص الطيب صالح باقتدار.

ثم قرأت عمله البديع عرس الزين فتأكد إحساسي بأني إزاء كاتب متمكن، من أولئك الكتاب الذين يبحث الفرد عن أعمالهم جميعا.

لكنه كان مقترا في إنتاجه، إذ لم ينتج سوى خمسة أعمال، صنع بها اسطورته الخاصة، وهذا واحد من أبرز سمات الطيب صالح حين تتأمله. فقد استطاع أن يظل حاضرا في المشهد الثقافي والأدبي العربي بقوة، على رغم قلة إنتاجه، كما استطاعت روايته أن تستقطب اهتمام القراء من جيل لاخر، كأنها كلما مر بها الزمن كلما تبين قارؤها ظلا أو طيفا كان غائبا من قبل.

ومثلما كان مقلا في إنتاجه كان مقلا في الظهور الإعلامي، أو في إجراء المقابلات الصحافية، وأذكر انني في إحدى المناسبات الثقافية في القاهرة اوائل التسعينات حاولت التسلل إلى غرفة فندقه بعدما حاولت الاتصال به طويلا بلا جدوى، لإجراء حوار صحفي. لكنه رفض ذلك بشكل قاطع، لم يخل من المودة التي حاول بها تلطيف حسمه، مؤكدا أنه ليس لديه ما يقوله. وتلك مفارقة لافتة اخرى، فبالرغم من إصراره التام على عدم الظهور في المشهد الإعلامي، وعزوفه ونأيه عن الأضواء، فقد ظل مكانه في الوسط الأدبي، ممتلأ، وحضوره، بالمكانة والصيت، قويا بدرجة لا يمكن تجاهلها.

عندما تلقى جائزة ملتقى الرواية العربية في القاهرة لم يعدم جمهورا عريضا من الكتاب والقراء معا، ممن تحمسوا لحصوله على الجائزة، لكن قبوله لها إثر رفض صنع الله ابراهيم للجائزة نفسها في الدورة الأسبق، وبسبب تعليقاته السلبية الضمنية لموقف صنع الله، إثر إعلان فوزه بها اصاب عدد كبير من المثقفين المنحازين لموقف صنع الله بنوع من الفتور. لكن ذلك لم يحرك مكانته ككاتب كبير، أو يقلل من قدره لديهم كروائي من طراز رفيع كثيرا، فقد كان ذلك مما لا يختلف عليه.

 بالرغم من اتهامه المستمر بالتكاسل، وتوقف مشروعه الإبداعي أو نضوبه. ولعل هذا على نحو خاص أحد ابرز مميزاته؛ لأنه استطاع أن يظل في قلب المشهد الأدبي، دائما رغم كل ذلك.

قبل أسابيع قليلة أعلنت جهات سودانية عديدة  عن ترشيحه لجائزة نوبل، لكنها من جهة أخرى، قدمت بذلك دليلا ساطعا على عمق الأثر الذي رسخه الطيب صالح، وتأكيده أن مشروع الكاتب ليس مشروعا كميا، بقدر ما هو مشروعا فنيا، يتضمن ما يرغب أن يعبر عنه، مخلصا، وإلا فليتوقف.

لكن ما يثير الدهشة بالفعل هو طغيان حضوره للدرجة التي لم يتمكن معها اي صوت روائي سوداني آخر ان يبرز من بعده، بالرغم من أن روايته الذائعة الصيت يعود نشرها لأول مرة للعام 1966. هل كانت موهبته استثنائية لتلك الدرجة؟ ام أن المناخ السوداني لم يستطع إفراز موهبة نظيرة؟

لا يقين لدي في هذا الصدد، لكن إذا كان إحساسي بالحرية في كتابة النص أحد ما لفت انتباهي مبكرا في قراءة هذا العمل فإنه من الممكن فهم الأمر في سياق تعرض "موسم الهجرة إلى الشمال" للمصادرة من قبل السلطات السودانية، لكن المفارقة أن ذلك القرار أتخذ بعد ما يزيد عن نحو ثلاثين عاما على صدورها. وبغض النظر عن الدوافع والظروف، فقد كان موقفا مريبا، أو على الأقل تاخر كثيرا، فقد نشرت الرواية وترجنمت واثرت في اجيال عديدة، ليس من القراء فقط، بل ومن الكتاب ممن تناولوا الموضوع ذاته لاحقا من رؤى مغايرة عدة. لكنه ربما أحد المؤشرات على المناخ الرقابي الذي قد يكون سببا من اسباب تعطل الحركة الأدبية السودانية.

إستطاع الطيب صالح ان يقدم في اعماله القليلة تلك صورا دقيقة للقرية السودانية، والتراث الشعبي، وأدوات الزينة للمرأة السودانية، ونماذج من الشعر الشعبي السوداني، والتقاليد الاجتماعية، باختصار قدم ذاكرة مكان عابرا الزمن، باقتدار، كما تمكن من أن يقدم للأجيال العربية من الكتاب نموذجا للكاتب الحقيقي الذي لا تستهويه الدعائية، ولا وهج الأضواء، وان يقدم لتاريخ الرواية نماذج رفيعة من النصوص التي يتزين بها تاريخ السرد العربي المعاصر، وفي كل ذلك ما يعزينا في الكاتب الراحل الكبير، الذي تمثل وفاته خسارة جسدية لمحبيه، وإرثا لا يستهان به للأدب والثقافة العربيين.

وراء الفردوس لمنصورة عز الدين


وراء الفردوس لمنصورة عز الدين
الريف والتغيرات الاجتماعية تكآت لتقنية السرد الحديثة

إبراهيم فرغلي
 
 

لا يستهويني كثيرا الأدب الذي يتناول الريف، ربما لإحساسي أن الرواية هي إبنة المدينة، ووثيقة التعبير الفني المرتبط بالمدنية، بامتياز، وبالرغم من أن رواية منصورة عز الدين الجديدة "وراء الفردوس" الصادرة عن دار العين للنشر بالقاهرة، تتناول عالم الريف، لكنها، ومنذ سطورها الأولى، سرعان ما خلصتني من مخاوفي، أولا لأن الطبقة المعبر عنها في النص، كطبقة وسطى عليا في الريف لم يتم تناولها كثيرا من قبل، وتاليا لاعتمادها على نسق سردي كانت اعتمدته في مجموعتها الأولى "ضوء مهتز" سجلت به صوتها الخاص، ورؤيتها الخاصة للكتابة.

صحيح ان ذلك النسق لم يستمر طويلا في النص، لكنها استبدلته بتقنيات جديدة مزجت فيها بين التداعي الحر للذاكرة، والأحلام، والحدوتة الشعبية، والسرد، والمشاهد المرسومة ببراعة.

عندما انتهيت من القراءة الأولى أحسست أنني بإزاء لوحة نسيج ملونة غزلت الكاتبة تفاصيلها الدقيقة بدأب وجدية، لكنني كنت أحاول أن أتأمل ملامح وجوه أفراد عدة يمثلون ثلاثة اجيال بدءا من الجدة رحمة التي توثق لنشأة الجيل الأول منذ الأربعينات ووصولا للحفيدة-الرواية سلمى، وصديقتها أو أناها الثانية، أو قرينتها جميلة.

لم يتسن لي ذلك بسهولة بسبب تعدد الأسماء، خصوصا وأن الرواية تعبر بين الأزمنة والأجيال، ذهابا وإيابا. لكني مع القراءة الثانية كنت قد رسمت المعالم العائلية لهذه الأجيال بوضوح، أما الملامح، فقد لا ترسخ في المخيلة، رغم تكرار ظهورها جميعا، عبر أحداث متباينة، قدر ما تنحفر ملامح شخصيتين مركزيتين بالرغم من أن الإشارة إليهما تكاد تكون عابرة وهما شخصيتا لولاّ، التي حرقت نفسها لتجنب عائلتها تلوث شرفها، ولإصرارها على إخفاء اسم عشيقها الذي أثمر حملها وغاب. أما الثانية فهي بدر المجنونة التي كانت مربوطة في السلاسل، لا تمشي إلا وتسمع صوت القيود التي قيدها بها أباها أينما حلت او استطاعت أن تتحلل من مكمن سجنها بين آن أو آخر.

بدر، المجنونة، التي كانت محلا لسخرية الطفال، وشفقة الرجال وبينهم جابر عم الراوية "سلمى رشيد"، وزوج أم قرينتها "جميلة" التي توفي اباها الحقيقي صابر، الذي كان يعمل في مصنع الطوب لدى العائلة، قبل أن يقع ضحية "المعجنة الألية"، ممزق الجسد منتثر الأشلاء.

بدر رغم جنونها، ولأنها كانت تحب جابر وتداعبه بسخرية، وتنادي عليه ليأتي ليفك وثاقها الحديدي، قررت، بإباء، أن تغادر القرية وتختفي غضبا من حبيبها الذي طلق زوجته حكمت ليتزوج من أم جميلة، ولا يتزوجها هي.

رحلت بدر وبقيت أسطورة في خيال الأطفال، وأهل البلدة وايضا، بل وفي خيال سلمى التي كانت في أعماقها تخشى أن تقع يوما في براثن الجنون، بل إن الرواية التي تكتبها ليست سوى استجابة لمعالجتها النفسية التي طلبت منها أن تكتبها كجزء من علاجها النفسي.

أما لولاّ، المسكوت عنها، وعن ذكر اسمها في العائلة، كأنها، رجس يجب اجتنابه، فلا تحضر إلا كطيف، ومثارا لفضول الجيل الثالث، وسلمى خصوصا، التي لم تعرف حقيقة ما حدث لها إلا من خلال أوراق ابيها رشيد بعد وفاته، وستحتفظ بصورتها، من بين أوراق اخرى كثيرة قررت أن تحرقها، مع صندوق الذكريات الذي اودعه أباها في حيازتها. وهكذا تنجو ذكراها، كما يليق بعاشقة وفية مثلها، ولكي تحتفظ بنموذج تمرد على الممنوع السائد، ومضحية بنفسها لأجل ذاك التابو.

كان غياب كلتا الشخصيتين مثارا لشائعات، وتندرات، واساطير تكشف عن التراث الأخلاقي للريف المصري، وهو ما تناولته عز الدين ببراعة، في هاتين الشخصيتين, وعلى هامش التاريخ الشخصي للعديد من الشخصيات الأخرى التي تناولتها في النص.

وإذا كان مستوى الوعي من ذاكرة سلمى يوضح أزمتها في علاقتها بتراثها الشخصي، وفي بحثها عن نفسها، فإن مستوى اللاوعي، ممثلا في أحلامها يجسد، مخاوفها من الجنون، ويعبر عن رغبة مطمورة في أعماقها لاستعادة ذاتها مجسدة في نصفها الثاني جميلة التي تتقاطع مصائر حياة كل منهما، بشكل درامي، فهي ترغب في قتلها في الحلم، لكنها لا تفهم هل يعني ذلك عقابها لجميلة على نأيها عنها، واختيارها (جميلة) لطريق مختلفة عنها، أم أنها تعبير عن العلاقة الملتبسة بين الحب والكراهية، التي تجمع بينهما.

أو لعلها تعبر في لاوعيها عن رغبتها في ان تصل إلى حيث تريد ان تعيش في فردوس ملون، لا ترى فيه سوى ألوان الطيف.

تلعب الأحلام، في هذا النص دورا جوهريا، وهي سمة، في اعمال منصورة عز الدين بشكل عام، غيرأنها في هذا النص، تجنح للكابوسية أكثر بكثير، بديلا للتناقضات الصارخة التي كانت الكاتبة تهبها، في عمليها السابقين لمسة من المرح الساخر. لكنها هنا تعبّر عن لاوعي مراوغ للراوية سلمى رشيد، وعن إلغاز، لما تريد النفس أن تقوله فتلجأ للاوعي الذي يعد فقيرا،لأنه لا يمتلك سوى تجميع الصور، القادمة من أزمنة شتى، فلا يزيد الأمر إلا إلغازا، كما هو شأن الحلم الذي تماهت فيه الراوية (سلمى رشيد) مع صورة والدها، فلم يعد واضحا هل هذا تعبير أوديبي، أم أن له مغزى آخر.

وعلى اي حال وعلى ما يقول إيجلتون فإن الأحلام تكفي لإيضاح ان اللاوعي لديه من الدهاء وسعة الحيلة ما لدى رئيس طهاة كسول، مستبدلا أحد التوابل بآخر ليس لديه، فيطرح معا أشد المكونات اختلافا ليصنع يخنة خرقاء، مثلما يعتمد حلم بصورة انتهازية على "بقايا النهار" فيخلط احداثا حصلت خلال النهار او احاسيس تم الشعور بها اثناء النوم مع صور مستلة من عمق طفولتنا.

وتبدو منصورة عز الدين مدركة لذلك تماما، لكنها تجعل من الأحلام متكأ للمسة الغرائبية التي تجدل بها النص من جهة، وتحيل الراوية من جهة أخرى لمحاولة فك شفرات تلك الأحلام عبر التفسيرات التي شاعت في التراث العربي، لتكشف، بين آن وآخر، لغزا حلميا، وتفك شفرات غرائبيته، بما تجود به التفاسير، وأهمها حلم فقدان الناب الذي أدركت منه أنها ترغب في التخلص الكامل، وربما القطيعة مع إرثها العائلي من الحياة والذكرى، دون أن تعرف ان هذا القرار، ستقابله مخاوف أخرى، تعيش في لاوعيهاـ أقواها هاجس الجنون.

وعلى عكس الشائع في كتابة التسعينات يتناول النص عددا من القضايا التي تصور عز الدين تفاصيلها وانعكاساتها على المجتمع الريفي اجتماعيا واقتصاديا في ثمانينات القرن الماضي، وهي قضية تجريف الأراضي، وما استتبعه من تحول صناعي، استلزم تجرد الفلاحين من تربة أراضيهم بإرادتهم، تحت ضغط الجشع، والرغبة في الثراء، حتى لو كان على حساب  الأرض التي يمتلكونها وقدراتها الإنتاجية المستقبلية، بكل دلالات ذلك من تغير في القيم، وفي الطريقة التي دمر بها رأس المال الجديد الاقتصاد الزراعي.

ويبدو جليا الجهد البحثي الذي بذلته الكاتبة في هذا الصدد، وفي تسمية الشياء بأسمائها، خاصة النباتات والأشجار والطيور والكائنات، التي يفيض بها الريف، والتي ترتبط كذلك في الكثير من الأحيان بالتراث الشعبي والمعتقد، وهو ما نثرته أيضا منصورة ببراعة في ثنايا النص، عن الأشباح، والعفاريت، والمعتقدات المرتبطة بالتشاؤوم من الغربان والخوف من انتقام الأفاعي، إضافة إلى تراث الحكي الشعبي الذي قدمت فيه لمستها الخاصة بحكاية "كمونة" الطفلة التي خطفها عملاق، وخبأها في جيب معطفه وانطلق.

هذا الجانب المعرفي لا يخص المؤلفة فقط، وإنما يدلل على النص الذي كتبته سلمى كرواية، أرادت بها أن تستعيد بها ذاتها، وذكرياتها، كانت تعتقد أن أحد أبرز مظاهر التحضر أن تذكر الأشياء باسمائها، وهو أحد دوافعها للتغير، بين دوافع أخرى، ربما بينها تعلقها بحب شخص ينتمي لثقافة غربية ممثلا الجانب الجنوبي فيها عبر شخصية ضيا البريطاني من أصول باكستانية، لا لتصبح محررة قصص أدبية في إحدى الصحف، فقط، وإنما لتقترب من النموذجين الأقرب لوجدانها وتطلعاتها، ممثلين في جميلة، ومارجو.

وصحيح ان سلمى وجميلة بتفاصيل حياتهما المتناقضة والمشتركة والمتنافرة أيضا، والذين اقتسما، حتى رجلا واحدا هو هشام ابن عم سلمى، الذي ارتبط بها رسميا وبضغط من الأبوين على غير إرادتها وإرادته،  بينما كان (هشام) قد مارس الحب بلا زواج مع جميلة التي كانت تحبه بشغف، لكنهما (سلمى وجميلة) معا يجسدان نموذجان للفتيات المتطلعات للخروج عن أعراف القبيلة الريفية، من وحي وعي طبقي و ثقافة مختلفة، وتكمل كل منهما الأخرى، ربما، بينما تظل بدر ولولاّ هما النموذجان الأكثر تمردا لأنهما تمردتا على تلك الأعراف وهما تنتميان إلى عمق تلك الثقافة الريفية المتحفظة ذاتها، وهذا مكمن قوتهما الرمزية رغم أنهما معا لم تشكلا في مساحة السرد ما يذكر مقارنة ببقية أبطال هذا النص.

"وراء الفردوس" نص جديد، عميق، ومعرفي، يؤكد سعي جيل التسعينات للبحث عن شخصية خاصة على مستويي الأسلوب والبناء، فيما تأتي الموضوعات تكأة للتعبير عن تلك الأنساق التعبيرية الجديدة، وهذا احد مكامن قوة هذا النص الجميل.

سبق لمنصورة عز الدين إصدار مجموعة قصصية بعنوان "ضوء مهتز"، ورواية "متاهة مريم".
عن جريدة النهار - بيروت - 2009