Ibrahim Farghali

Egyptian writer. working as a journalist in the culture sectoin in Al Ahram newspaper. Books issued Betjah al ma'aqy- Kahf al frashat. Ashba7 Al hawas. Ibtisamat Al Qeddisin- Jennya fi qarora------ إبـراهيــم فرغلي كاتب مصري الإصدارات باتجاه المآقي شرقيات 1997 كهف الفراشات دار ميريت 1998، 2003 أشباح الحواس ميريت 2001 ابتسامات القديسين ميريت 2004، 2005، مكتبة الأسرة 2006 جنية في قارورة العين للنشر 2007 مداد الحوار(كتاب رحلات) العين للنشر 2006

Tuesday, July 14, 2009

إبراهيم فرغلي..عن المتاهة والخيال ومحفوظ






إبراهيم فرغلي عن المتاهة وموت الخيال
نجيب محفوظ بطل الظلّ في روايته الجديدة



«أبناء الجبلاوي» هو العنوان الذي رافق الترجمة الإنكليزيّة لـ«أولاد حارتنا». وها هو كاتب مصري شاب يستعيره لروايته. الصحافي الخارج من رحم جيل التسعينيات، يسائل تقنيات الرواية بين حدود الواقع وإملاءات الخيال. عمله هنا يطمح إلى تطبيق أمثولة ساراماغو: التأمّل العميق بالحياة من دون مباشرة

محمد شعير
في الثالثة عشرة من عمره، قرأ إبراهيم فرغلي (1967) نجيب محفوظ. طيلة أربعة أعوام، قرأ كلَّ ما كتبه صاحب «الثلاثية»، ليقرِّر أنّه سيكون كاتباً. بالفعل، كتب أوَّل قصصه على النمط المحفوظي. ثم مزَّق هذه القصص لاحقاً، من دون أن يتخلّص من تأثيرات صاحب نوبل. فالأمر غاية في الصعوبة، وخصوصاً «عندما تقرأه في هذا العمر الصغير»، يقول. «هو ليس روائياً مدهشاً فقط بل فيلسوف عظيم، وبنّاء مدهش، وصاحب لغة كبيرة أيضاً».<1--break-->يعمل فرغلي في الصحافة الأدبيَّة منذ التسعينيات. بعد ثلاثة روايات «كهف الفراشات» (1998) و«ابتسامات القديسين» (2004) و«جنية في قارورة» (2007)، ومجموعتين قصصيتين هما «باتجاه المآقي» (1997) و«أشباح الحواس» (2001)، ها هو يعود إلى محفوظ، مستعيداً في روايته الجديدة «أبناء الجبلاوي» (دار العين) العالم الروائي للأديب العالمي (راجع البرواز أدناه).ليس النصّ فقط ما هو مستوحى من أعمال محفوظ، بل عنوان الرواية أيضاً. «أبناء الجبلاوي» هو العنوان الذي اختاره المترجم الإنكليزي لرواية «أولاد حارتنا». اختيار العنوان جاء مصادفةً، إذ لا علاقة للرواية ـــــ كما يقول فرغلي ـــــ بـ«أولاد حارتنا». النصُّ «يستعيد محفوظ عموماً، ويناقش مفهوم الرواية بطريقة فنيّة، لهذا وضعت «سيرة رواية» عنواناً فرعياً على الغلاف». يضيف: ««أبناء الجبلاوي» عنوان يعبِّر عن الرواية كلّها. إنّها رواية روايات، وحرتُ طويلاً في إيجاد عنوان يعبِّر عنها».لكن لماذا محفوظ تحديداً؟ يجيب: «أدركت أن أسطورة محفوظ شفاهيّة مثل كلّ أساطيرنا. يدّعي من شاهدوا أفلامه أنّهم قرأوه، رغم أن الأفلام تشويه حقيقي لنصوصه، مع بعض الاستثناءات. كتّاب جيلي يتّهمون محفوظ بالكلاسيكية، وهم لم يقرأوا له سوى عمل أو اثنين. شخصياً، أعتقد أنّه لم يُقرأ نقدياً جديّاً حتى الآن». يضحك فرغلي في سرّه من «التفسيرات الساذجة عن رمزيّة شخصيّات محفوظ». برأيه، فإنّ اتهام صاحب «الثلاثيّة» بالواقعية «ليس حقيقياً، لأنّ الكاتب الذي يُنطِق الحرافيش وأبناء الحواري الشعبيّة بالفصحى، هو كاتب غير واقعي بامتياز، وروائي يدرك تماماً أنّ الفنّ هو خلق واقع فني مواز، وليس نقلاً للواقع».
لكنّ فرغلي الذي يحاكم مفاهيم الواقعية، يشير في متن نصِّه إلى «موت الخيال». الرواية التي تخطّها شخصيّة كاتب الكاشف في «أبناء الجبلاوي» تصبح حقيقة. أليس هذا تناقضاً؟ القضيّة «معقدة»، يوضح: «هناك خلط بين الرواية ونقل الواقع. فالأخير مجرّد تسجيل سطحي مباشر. أما الواقعيّة في الأدب فمسألة مختلفة». ورواية محفوظ «زقاق المدق» خير مثال على هذا برأيه. «في الواقع لا تزيد مساحة الزقاق على أربعة أمتار، لكنّ محفوظ صنع منها عالماً كبيراً جداً».
يتريّث فرغلي قبل أن يضيف: «برأيي عالم جيل التسعينيات الروائي ضيّق وقليل الخيال. الخيال هو عماد الكتابة، وهذا ما حاولت مناقشته في النص الروائي، علماً بأنّ الكاتب يظن خياله جانحاً أحياناً، لكنّه بين حين وآخر يصادف ما هو أغرب من الخيال. هذه المفارقة هي ما كنت أحاول التعبير عنه في الرواية».بالحديث عن جيل التسعينيات، يقول صاحب «جنيّة في قارورة»: «إذا كانت هناك سمة أساسية تجمع هذا الجيل هي أنَّه ضد الواقعية. مصطفى ذكري مثلاً برز في اختلاق مناطق اللاوعي والأجواء الكابوسية، وعُرفت منصورة عز الدين في مجال الفانتازيا وإدخال السحرية الواقعية، وطارق إمام وياسر عبد اللطيف عرفا في كتابة الذاكرة فنياً وتخييلياً».في الرواية، لم يتخلّص فرغلي من ضغط الراهن على نصّه، ولم يصل بعد إلى الكتابة عن الجنس من دون الخضوع لسلطة النقّاد الباحثين عمّا إذا كان الجنس «موظفاً بطريقة فنية أم لا». «لست من أنصار الكتابة من أجل الكتابة» يقول، مضيفاً «طموحي يقارب طموح ساراماغو في الاتكاء على الكتابة، للدعوة إلى تأمّلات عميقة جداً في الحياة والمجتمع، من دون أي شبهة مباشرة. هذا هو مفهومي للفنّ ولكيفية كتابة نصّ يعيش طويلاً.
ساراماغو في رأيي هو النموذج الأحدث لطموح دوستويفسكي ـــــ كبير الروائيين بلا منازع ـــــ على عكس نماذج بروست وبورخيس وجويس».لهذا السبب هو ضد فلسفة الـBest Seller (أفضل المبيعات) التي تعتمدها دور كثيرة معياراً وحيداً للنشر. لم يسع إلى كتابة «أبناء الجبلاوي» على هذا المنوال، مع أنّ التشويق إحدى تقنياتها الأساسية. «هذه هي المعادلة الصعبة التي كنت أريد تحقيقها منذ البداية: عمل مشوّق، لكنَّه عميق. هذا ما يصنع روايات ذات شعبية كبيرة في الغرب. تلك الشعبيّة لا تتأتّى من الخفة، بل من العمق، كما في رواية «اسم الوردة» للإيطالي أومبرتو إيكو و«العطر» للألماني باتريك سوسكيند».«أبناء الجبلاوي» ليست «بيست سيلر» يوضح كاتبها. «إنَّها رواية معرفية بشكل ما. رواية أصوات، ورواية تناص، ورواية متاهة روائيّة، ورواية أزمنة، وطموحها كبير يستوعب الحداثي والميلودرامي معاً. هذا كلّه لا يحبّذه قراء البيست سيلر». هذا هو طموحه، لكن كيف جاءت النتيجة؟ «أزعم أنني نجحت»، يقول إبراهيم فرغلي في انتظار حكم القارئ





سؤال الهوية... بين قتل الأب وتمجيده



في «أبناء الجبلاوي»، تبحث شخصيّات إبراهيم فرغلي عن ذاتها وسط متغيِّرات العالم، تماماً كما عاد المسيح في إحدى روايات دوستويفسكي ليجد أنّ العالم تغيّر، ففضّل العودة من حيث أتى. نقرأ هنا عن رادوبيس والسيد أحمد عبد الجواد ونفيسة، وأيضاً عن عاشور الناجي الذي يصرح لبطل الرواية كبرياء: «الحارة كلُّها الآن في حالة من الفوضى التي لم تعرفها من قبل». البحث عن روايات نجيب محفوظ المختفية هو محور الرواية. كان في ذهن فرغلي أن يكتب حكاية شاب لقيط يعيش في أحد الملاجئ من دون أي إشارة إلى محفوظ. بدأ الكتابة، لكنّه انتقل إلى رواية «جنية في قارورة» فأنجزها. وقبل نشرها، قرر العودة إلى «أبناء الجبلاوي». «كنت كتبت «أبناء الجبلاوي» على دفتر اكتشفت أنَّ زوجتي نقلته مع كتب وأشياء أخرى إلى مخزن في منزل حماتي، وذلك خلال انتقالنا من شقة إلى أخرى. كان العثور على الدفتر بمثابة معجزة، لهذا قررت إعادة كتابة الرواية من الذاكرة». ويضيف: «لجأت إلى محفوظ للتأمّل في مفهوم الكتابة وتقنياتها وعلاقاتها بالجنس باعتباره «ترمومتر الحرية»، إضافةً إلى الواقعيّة وغيرها من المفاهيم الفنيّة». ويوضح: «نحن نحتاج إلى إعادة طرح السؤال من جديد: ما هي الرواية؟ وما هو واقع هذه الرواية الآن وعلاقة المنجز الأدبي الراهن بما سبقه؟».يكتشف أبطال الرواية أنّ أزمتهم الحقيقية هي ثقل الماضي واستمرار البحث عن هوية، بينما فكرة الرواية الأساسية تقوم على «البحث عن أعمال كاتب في الماضي وسرد حكاية جدٍّ عجوز». يوضح فرغلي: «اختفاء أعمال محفوظ هو جزء من اندثار قيم أو تراث، يعادله في المقابل استعادة كبرياء لسيرة جدِّه، في محاولة للبحث عن جذوره. إنَّها محاولة لنفي الأب، لكنَّها محاولة تبدو مبتورة، لأنَّ الجدَّ أصل الأب. إنّها أيضاً سخرية من فكرة نفي الأب بشكل مراهق بدعوى التمرُّد».
هذا أحد أوجه الخلاف بينه وبين كتَّاب التسعينيات في مصر: «أخاف جداً من الكليشيهات، ومنها تلك التي شاعت عن فكرة هدم الأب. أخشى أن تتحول الأفكار الثورية إلى دوغما جديدة».هو ضدّ تمجيد الأب، لكنّه أيضاً مع تواصل الأجيال وضدّ القطيعة: «النصوص التي حققت هذه المعادلة الصعبة قليلة جداً، وأهمها رواية ياسر عبد الحافظ «بمناسبة الحياة»». مع «أبناء الجبلاوي» يحاول الفرغلي تطبيق هذه المعادلة. من جهة يستعيد محفوظ، فـ«كونه كلاسيكياً لا يعني نفيه، لأنَّه هو نفسه كان يتجدَّد ويتجاوز المراحل». ومن جهة أخرى تؤكّد الرواية أنّ التثوير يعني
هضم التقليدي الكلاسيكي جيداً واستيعابه كي نتعلَّم هدم النص وإعادة بنائه
حوار كتبه محمد شعير ونشر في الأخبار البيروتية في 14 يولية(تموز)2009

Sunday, July 5, 2009

الزمان والمكان على الإنترنت


الإنترنت..جغرافيا جديدة للزمان والمكان!

هل هناك شكل للزمن؟ وهل تغيرت علاقتنا بالمكان بعد ثورة الاتصالات الراهنة؟ الإجابة هي نعم، بالتأكيد، بل إن ثورة الاتصالات وبينها شبكة الإنترنت، وبرامج المحادثة والبريد الإليكتروني، تسهم الآن في تغيير شامل لمعنى الزمن والمكان، وانضغاطهما، إذا صح التعبير، بما يؤدي إلى تكون نسق جديد لصيغ من العلاقات بين الناس، وبين الحكومات، ورأس المال، ولتولد قيم جديدة، وطرق تفكير مختلفة.
وصحيح أننا، في عالمنا العربي، لم ننشغل كثيرا بالبحث في معنى الزمن، والاكتفاء بالمعنى المباشر له، بوصفه نتيجة لحركة الأرض حول القمر والشمس، وما ينتج عنها من تعاقب لفترات زمنية مقسمة بين الليل والنهار، واعتباره مساحة خطية لها مسار واحد، ربما باستثناء بعض تجارب الفلاسفة المتصوفة، وبعض الروائيين الذين تناولوا مفهوم الزمن فلسفيا، ولكن بلا كثير من التعميق. لكن الفلاسفة في الغرب التفتوا لمفهوم الزمن، منذ استيعابهم لمفاهيم واكبت نهضتهم، وخاصة مفهومي الحداثة وما بعد الحداثة، وشاركوا في إنتاج أفكار كثيرة حول الزمن؛ كفلاسفة ومفكرين، في محاولاتهم لفهم التغيرات السريعة للحداثة، وانتقلت أفكارهم إلى أعمال الأدباء، والفنانين التشكيليين، وغيرهم.
في كتابه البديع "حالة ما بعد الحداثة" يشير المفكر الأمريكي البارز ديفيد هارفي إلى عدد من أفكار الفلاسفة الذين حاولوا تقديم معان مختلفة للزمن وعلاقته بالمكان؛ فيشير إلى الفيلسوف الفرنسي باشلار الذي يقول:"نحن نظن أننا نعرف أنفسنا بينما كل ما نعرفه هو تعاقب إشارات ثابتة في أمكنة مستقرة". والذكريات "هي نفي الحركة، وهي بمقدار ما تكون أشد ثباتا في المكان، تغدو أوضح وأصدق صورا". ثم يشير إلى قول الفيلسوف الألماني هايدجر"يحتوي المكان على زمن مضغوط، وتلك هي وظيفته"، ثم يقول أن البيت هو المكان الأكثر حميمية للذاكرة محيلا، مرة أخرى إلى هايدجر:"الوجود هو في ذاته قيمة، فالحياة تبدأ سهلة، مقفلة محمية، مع كل دفء البيت..وفي ذلك المكان البعيد تعيش ذاكرتنا وخيالنا، معا وباستمرار، يتساقيان الكأس نفسها، ويمعنان فيها اتساعا عبر الأحلام وعبر كل مكان".
ولتوضيح بُعد آخر لتغير معنى الزمن في العصر الحديث يشير هارفي إلى أن "اللحظات" هي "عناصر الربح"، وبالتالي فإن السيطرة على زمن عمل الآخرين هي التي تعطي الرأسماليين القدرة الأولية على امتلاك الربح لحسابهم، والصراعات بين أصحاب قوة العمل واصحاب رأس المال على استخدام الزمن وشدة العمل كانت باستمرار مرضا مستوطنا.
وهناك مثال آخر يضيفه مستلهما إياه ممن يسميهم بـ"الجمهور الثقافي" الذي يعرفه هارفي نقلا عن الكاتب دانيال بل قائلا:"هم ناقلوا الثقافة وليس مبدعيها؛ أولئك الذين يعملون في التعليم العالي، والطباعة، والمجلات، ومحطات الإذاعة، والمسرح والمتاحف، والذين ينظمون ويؤثرون في تلقي المنتجات الثقافية الرصينة. وهم بحد ذاتهم يكفون لتكوين سوق للثقافة، والكتب، والاسطوانات الموسيقية.."، ويقول هارفي أن هذه الصناعة بكاملها إنما هي مكرسة لتسريع زمن عائد الربح عبر انتاج وتسويق الصور. هي صناعة تكتسب فيها السمعة، أو تفقد، في ليلة واحدة.
هذه الصناعة، هي واحدة من صناعات أخرى، تعتمد في استمراريتها على تثبيت مفاهيم مثل الموضة والصرعات، وهي بذلك تنتج على نحو فعال ما هو آني وقابل للتلاشي والذي كان دائما أمرا أساسيا في تجربة الحداثية.
بهذه المعاني يصبح لشكل وقيمة الزمن نسق يختلف عن النسق التقليدي، وكلما ازداد المجتمع حداثة كلما انضغط فيه الزمن.
وينطبق الأمر أيضا على فكرة المكان، فقبل ان يتمكن الإنسان بفضل الكشوف الجغرافية من رسم الخرائط، كان المكان أكبر بكثير من تصورات الإنسان، وخياله، وكان الإحساس بفكرة العالم، والأجزاء الغامضة فيه والغير مسيطر عليها كبيرا، ولعل ذلك كان ملهما دائما للأساطير والخرافات، تماما كما تشيع الان الخرافة والخيال عن العوالم الموجودة في الفضاء الخارجي الذي لم نصل إليه بعد.
ولكن بعد رسم الخرائط أصبحت سلطة الدول مقترنة بامتلاك الخرائط، والآن، بعد وجود موقع مثل Google Earth ، الذي يتيح لنا رؤية مصورة وواقعية لأي بقعة على الأرض، أصبحت التكنولوجيا وتقنية الاتصالات هي الوسيلة الأقوى الآن للسلطة.
وبفضل الستالايت، شاعت القنوات الفضائية، أيضا، وأصبح بالإمكان متابعة اماكن كثيرة من العالم في وقت واحد، وبحيث تم اختزال المكان إلى مجموعة من الصور.
إلا أن هناك ثمة مشكلات ليست هينة، نتجت عن فكرة التسارع الزمني، وتعدد الصور، وتعقد الحياة، وبينها، وفقا لهارفي، أنهاتنشيء أسئلة عن معنى ما يتغير وتفسيره.
في هذا السياق يمكن أن نتأمل كيفية تحول وسيط إليكتروني مثل "الفيس بوك" مثلا من مجرد كونه وسيطا اجتماعيا للاتصال، وتبادل الخبرات والتعليقات، بحيث أصبح "مكانا افتراضيا" يمنح المتعاملين معه إحساسا ما بالأمان، ويحد من إحساس العزلة التي ترتبت على الوضع المعقد شديد التغير في العالم الواقعي. وهذا جانب واحد من الجوانب المتعلقة بالفيس بوك والذي سنتعرض له بالتفصيل في هذه الزاوية، لكنه أيضا، أصبح يقدم شكلا جديدا للزمن، ففي زمن الفيس بوك اصبح ما كان مستحيلا أن يحدث قبل مرور أيام، وربما أسابيع، يحدث الآن في "ضغطة زر".
الحقيقة أن الإنترنت من جانب كونه أحد عناصر، تسريع معدلات الربح من قبل الرأسمالية التي وازت بين اللحظة، باعتبارها وحدة إنتاج، قد ادى إلى مرحلة مكثفة من ضغط الزمن، وهو ما أحدث آثارا هائلة، بعضها تضليلي، لعل أبرز ظواهره ما تعرض له اقتصاد العالم من انهيار، إثر توعك الاقتصاد الأمريكي، كما أن لضغط الزمان والمكان، كان له أيضا وقع تضليلي على الحياة الثقافية والاجتماعية، وعلى توازنات، العلاقات الطبقية، وهذا كله مما ينبغي ان نقرأ عنه بحوثا عميقة من قبل المتخصصين في هذه المجالات، ولم يعد هذا ترفا بقدر ما هو ضرورة واجبة الآن وهنا.





"الفيس بوك".. مكان إفتراضي له زمنه الخاص.

كثيرة هي الآراء والتحليلات التي تناولت "الفيس بوك"، واللافت أن العديد من تلك التقارير، وبعضها ترجم عن الصحف الغربية، التركيز على "الفيس بوك" بوصفه أداة تستخدمها الأجهزة الأمنية في تعقب الأفراد، وقد يكون ذلك صحيحا، فيما يتعلق بالأفراد الذين يستغلون "الفيس بوك" بالفعل في اي نشاط يستحق التعقب، خصوصا الأعمال الإرهابية التي تعد السبب الرئيس لأفكار من هذا النوع.
لكني، بالرغم من ذلك، أرى أن هناك مبالغة في هذا الشأن من قبل الذين تناولوا الموضوع، خاصة وأن الزاوية التي يتناولها الغرب في الموضوع مختلفة تماما، لأنها تدان من قبل أفراد يتمتعون بالفعل بكامل حرياتهم الشخصية، والعامة، ويتمتعون بكامل حقوق الإنسان المكفولة في الدساتير والمواثيق الدولية، وبالتالي فإن أي تعارض مع هذه الحقوق يدخلهم معارك كبيرة مع الحكومات التي تحاول الموازنة بين الالتزام الدساتير، وبين تركيز الجهد على مكافحة الإرهاب، والموضوع بالمناسبة، محل جدل واسع في بريطانيا الآن بالفعل، بعد اقتراح بتسجيل بيانات كل الأشخاص المتعاملين على الفيس بوك في بريطانيا بشكل مركزي، وهو ما يلقى معارضة شديدة من قبل الفراد والصحافة، بينما الموقف عربيا ليس على هذا النحو.
أما الأمر الثاني في الموضوع فهو ان الغالبية العظمى مما يتداول على "الفيس بوك" لا يتعدى التحيات وتعبير الأفراد عن حالاتهم المزاجية، أو الانطباعات والاخبار، وتبادل التهاني في المناسبات، مما لا يمكن لأي جهة أمنية أن تجد فيها ما يجدي، مع التأكيد على أن انتهاك اي حق من حق المواطن في الخصوصية هو بالتأكيد مرفوض، خاصة إذا ما تنافر مع حقه المنصوص عليه في دستور بلاده، فليس في هذا مجالا لنقاش، فالأجدى هنا هو المطالبة بإلغاء القوانين الاستثنائية في الدول اعربية التي تفرض حالات الطواريء وما شابه.
ما أقصده أن هناك تركيز على هذا الموضوع في بعض الصحف العربية، بالرغم من أن هناك الكثير من الزوايا التي
تلفت الانتباه أكثر.
على سبيل المثال أعتقد أن أحد الزوايا المهمة في تناول موضوع الفيس بوك والتي لم يلتفت إليها كثيرا هو موضوع التغير المكاني والزمني والاجتماعي الذي احدثته هذه الوسيلة الافتراضية للاتصال بين الأفراد في العالم.
فقبل نحو عشرين عاما تقريبا، لو افترض وجود ثلاثة أصدقاء فرقت بينهم الجغرافيا، وارتحل كل منهم إلى بلد ما، فهم قد يستمرون لشهور بلا اتصال، وإن حدث، وكتب أحدهم رسالة للآخر، فقد يستغرق زمن وصول الرسالة والرد عليها ما يزيد عن أسبوعين على أقل تقدير. الآن يمكن أن يحدث هذا الاتصال في اقل من بضعة ثواني، وبين الأطراف الثلاثة معا، بل وبين العديد من الطراف الذين يتفرقون في أنحاء شتى في العالم. وهذا تغير كبير في تقييم الزمن.
هناك زاوية أخرى، تتعلق باستعادة الفيس بوك لحالة من التضامن الجماعي، أو الإحساس بالجماعية على نقيض الحس الفردي الذي شاع مع نهاية ثمانينات القرن الماضي، سواء في اشكال العزلة التي يعيشها الأفراد في مجتمعات سكنهم الجديدة، لا يعرف الجار جاره، او على مستوى إحساس كل فرد بفرديته، وبانقضاء زمن المشروعات الجماعية، وصولا للأدب والفن الذي جسد هذا الشعور عبر نصوص وجودية ذاتية، تهتم بدواخل الأفرد أكثر بكثير من اهتمامها بالحالات الجماعية.
في ظل تعقد الحياة بسبب اضطرار الأفراد للعمل في اكثر من مكان، وبسبب الزحام، والشروط الراسمالية الجديدة التي تريد ان تحول وقت الفرد إلى زمن عمل، الأمر الذي أثر على العلاقات الاجتماعية بين الأصدقاء وحتى على العلاقات في محيط العائلة، لكن الفيس بوك تحول إلى مكان افتراضي يمكن الأفراد من استعادة علاقاتهم، على البعد، وصنع حالة افتراضية يبدون معها وكأنهم يعملون في مكان واحد، مفصول، أو يعطي الأهل والأقارب الذين تفرقوا، الشعور بأنهم يعيشون في مكان واحد، افتراضيا، طالما أن ظروف الواقع قد أدت إلى تفرقهم جغرافيا في مساحات شاسعة ومترامية.
وهناك، أيضا، على سبيل المثال، مجموعات جديدة تنشأ على الفيس بوك الآن، تبدو وكأنها استجابة للحنين لأماكن النشأة الأولى، فهناك بعض المجموعات التي ينشؤها أفراد ينتمون إلى حي معين عاشوا فيه طفولتهم وشبابهم، وارتحلوا لظروف العمل أو غيرها، لكنهم سرعان ما يستقطبون أغلب من عاشوا في المكان، ويستدعون معا ذكريات المكان لدى اكثر من جيل. وهو ما يقدم وثائق مهمة في استعادة ذاكرة مكان بعينه.
وبينما قد يفتح شخص صفحته الشخصية في الفيس بوك إلا ويفاجأ بطلب صداقة من عزيز كان قد فقد كل سبل الاتصال به منذ سنوات، وبعدها مباشرة لقطة من فيلم ارسله له صديق، أو فقرة مسجلة من برنامج تليفزيوني، أو أغنية مصورة لمطرب عالمي، مما يعطي طابعا اجتماعيا، لا يخلو من تبادل الاذواق والمشارب والمعارف وهو ما يكاد يكون متفردا بين كافة المواقع افليكترونية التي لها هذا الطابع.
هناك الآن أيضا العديد من المجموعات التي تنتمي لدار نشر مثلا، تضمن أن تعمم على أعضاء المجموعة أخبار ما ينشر في دار النشر اولا باول، وبذلك يضمن الأفراد زيارة المكتبة، بينما هم لا يبرحون أماكنهم على شاشة الإنترنت، وهذا ايضا متغير جديد في علاقة الفرد بالمكان، بحيث لم يعد مضطرا لأن يقطع عشرات أو مئات الأميال ليتعرف على محتويات مكتبة ما، فأصبحت هي التي تتحرك، إفتراضيا، باتجاهه.
كما أصبح الفيس بوك مكانا للدعوة إلى الكثير من الندوات والاحتفالات، وكذلك العروض الموسيقية والفنية، مما يجعل منه موقعا دعائيا لا توفره العديد من سبل الدعاية الأخرى، وأيضا يمكن من خلال الجماعات الخاصة بالكتاب العالميين، والفنانين، والأفلام، وغيرها أن يمثل الفيس بوك مصدرا ثقافيا لا يستهان به، فهناك مثلا جماعة لمحبي أعمال نجيب محفوظ، تتضمن بعض المعلومات الأساسية، لكنها أيضا تتضمن مناقشات الأعضاء حول الكاتب والأعمال، وهناك عشرات المجموعات الشبيهة، التي لا يشترط أن تكون حول كاتب رصين فقط، فهناك تجمعات للمعجبين بنجمات سينما عالميات، وعربيات، من الأجيال كافة، ولنجوم السينما أيضا، ولكتب بعينها أو أفلام سينمائية أو مسرحية، وغيرها، مما يجعل من الفيس بوك بمثابة مكتبة افتراضية، أو موقعا افتراضيا يشبه المندتيات وهذا كله يمثل تغيرا مكانيا في مفهوم المكان الثقافي، ولا شك أنه سيكون ذو تأثير مختلف على مدى سنوات قليلة مقبلة.
"الفيس بوك" هو نموذج للتغيرات الزمنية والمكانية التي يمر بها المجتمع الحداثي، ولعله يمكن أن يكون أحد المواقع الافتراضية الأكثر تاثيرا في العلاقات الاجتماعية، وربما السياسية، العربية في المستقبل القريب.



"جوجل إيرث"..العالم مصورا على مرمى الشاشة


يقال أن الحاجة أم الاختراع، وهذا صحيح، وقد كان لحاجة رأس المال لتجاوز حواجز المكان دورا اساسيا، في إنجاز بالغ الأهمية للبشرية وهو الخرائط الجغرافية. فالرأسمالية، التي تمتلك الأموال وتريد زيادة استثماراتها إكتشفت أنها لا يمكن أن تتجاوز حدود المكان إلا من خلال إنتاج أمكنة أخرى، وبالتالي شرعت في البحث عن وسائل النقل، مثل سكك الحديد والطرق السريعة، والمطارات ومحطات الاتصالات.
وكانت هذه الانتقالة في اكتشاف المكان محفزا لمحاولات أولية لرسم الخرائط التي كانت بداية عصر النهضة في اكتشاف العالم الجديد، ورسمه، لترسيم الحدود السياسية، وتحديد ملكية الأراضي الزراعية، وما شابه.
وفي صراع الحضارات لاكتشاف العالم الجديد، كان السبق لمن يمتلك الخرائط، اي من يمتلك صورة العالم.
وبهذا بدات قوانين جديدة للسلطة وامتلاك القوة، بلغت اليوم ذروتها في إمكانية تصوير الكرة الأرضية كلها بفضل الأقمار الصناعية، وإتاحتها لمن يرغب من مستخدمي "أجهزة الكومبيوتر"، على برنامج Google Earth، حيث يمكننا كتابة اسم بلد، او مكتبة، أو شارع، أو حتى عنوان الشارع الذي نقطن فيه ليظهر لنا في لحظات مصورا بدقة شديدة.
إذا حاولنا ان نفهم هذا التغير التقني ومعناه في تغير إحساسنا بشكل المكان، يمكن أن نصوره في تخيل شكل العالم مرسوما على خريطة بمساحة هائلة في فترة مثل القرن التاسع عشر حيث لم نكن قد عرفنا الطائرات بعد، ولم تكن القطارات قد اصبحت سريعة، بل وفائقة السرعة، مثلما هو الأمر اليوم، وبمرور الوقت أصبح تخيل الكرة الأرضية أصغر وأصغر حتى أصبحت في تصورنا الآن أشبه بحجم كرة صغيرة جدا، خاصة بعد أن ارتاد الإنسان الفضاء، واخترع القمر الصناعي، ووها هو قد اصبح قادرا على رؤية كل حي وزقاق وشارع في العالم عبر برنامج كومبيوتر.
وبهذا يقدم لنا هذا البرنامج نموذجا مثاليا لفكرة انضغاط المكان، الذي كان له العديد من التأثيرات الثقافية والاقتصادية والسياسية. وعلى المستوى الثقافي مثلا سنجد الآن أن هذا التصور المكاني الجديد قد تغلب على الإحساس بفكرة النظر إلى الأماكن المجهولة من العالم كأنها أسرار غامضة، وكانت محلا للخرافة، ولم يعد هذا واردا الآن، ويمكن أيضا أن نتامل كيف أن معرفة العالم بهذا الشكل المحدد قد أثارت صرعة معمارية أدت إلى إنشاء أحياء، بل ومدن كاملة تكاد العمارة تتماثل فيها جميعا، وفقدت الخصوصية التي كانت تقوم على فكرة إحساس المعماري بخصوصية المكان الذي ينتمي إليه.
وكما يقول ديفيد هارفي "لقد غدت الخرائط، وقد جردت من كل عناصر الخيال والاعتقاد الديني، ومن كل إشارة للتجارب التي استخدمت في وضعها، أنظمة مجردة ووظيفية ودقيقة تستخدم في إدارة واقعية لظواهر المكان. لقد أتاح علم الإسقاط الخرائطي، وتقنيات المسح التفصيلي للخرائط أن تقدم رسوما ذات دقة رياضية عالية. فقد عينت على نحو متزايد من الدقة حقوق الملكية في العقارات، وحدود الأراضي، ومجالات الإدارة والحكم الاجتماعي، وطرق التواصل وسواها".
وبالتالي يمكن القول أن الإنجاز البشري في تعيين الزمن والمكان بالشكل الذي وصلت البشرية إليه اليوم بفضل الساتلايات، والتليسكوب ومنجزات مثل الفيمتو ثانية، وما سوف يستجد، هي في الحقيقة، إنجازات شكلت إحساسا عارما بالمقدرة على التحكم بالمستقبل.
وهذا هو فضل العلم، انه يجعل الإنسان قادرا على مواجهة المستقبل، أما العكس فلا يؤدي إلا إلى تزايد إحساس الإنسان بالضعف تجاه العالم، وإلصاق الخرافة بكل ما يبدو له غامضا، يبحث عن ماض سحيق بعيد يتشبث به ملاذا آمنا خوفا من الجديد، وخوفا من المستقبل، ولعله بعد سنوات أخرى قد لا تكون بعيدة سيكون مكانه جحرا آمنا داخل أحد الكهوف، لا يدرك ان كاميرات الستالايت العملاقة تصوره في جحره وتبث صورته لعالم يبحث عن المستقبل.


زاوية ثقافة إليكترونية المنشورة في مجلة "العربي" العدد 607، يونية 2009









Monday, June 29, 2009

حوار بمناسبة صدور أبناء الجبلاوي



تصوير الفنانة والشاعرة جيهان عمر
ابراهيم فرغلي لـ«الراي»: نعيش «مهازل» بسبب غياب الضمير وظهور كُتاب لا يعرفون الكتابة

القاهرة - من دعاء فتوح


يعود الروائي المصري ابراهيم فرغلي- بروايته الجديدة «أبناء الجبلاوي» الصادرة أخيراً عن دار «العين» للنشر- لاستدعاء عوالم الكتابة الروائية لصاحب جائزة نوبل نجيب محفوظ، ليمزج بين الخيال والواقع.ويرصد حالة انهيار ثقافي ومجتمعي يعاني منها المجتمع المصري الآن. آراء فرغلي تجاه القضايا التي أثيرت كانت صريحة وقوية، حتى انها قد تصدم من يقرأها لفرط صراحتها، ففرغلي لم يفضل التخفي خلف قناع الخجل مثلما يفعل الكثيرون.وكان النصيب الأكبر من الانتقاد لحال النقد والنقاد، فهو يرى أن الحياة الثقافية تعيش بساق مبتورة، بسبب غياب النقد، وأن بعضهم «استسهل» في التعامل مع أعمال محفوظ الأدبية، وقالوا عنه كلاما فارغا كثيرا، مثل... أن علاء الأسواني يكتب مثل محفوظ، وأنه في السنوات الأخيرة ظهر في الساحة الثقافية كتاب لا يعرفون الكتابة نتيجة سيطرة رأس المال الذي يضع الشق التجاري في المقام الأول.«الراي» التقت الروائي المصري ابراهيم فرغلي، وكان معه هذا الحوار


ذكرت أن روايتك الجديدة «أبناء الجبلاوي» استدعيت فيها عالم نجيب محفوظ لتجاوزه، فماذا تقصد بهذا الاستدعاء والتجاوز؟


- الرواية كانت بالفعل محاولة لاستدعاء عالم نجيب محفوظ. لاعادة اكتشافه ورؤيته من جديد، فنحن لدينا مشاكل نقدية كبيرة فيما يتعلق بعالمه الروائي، وهناك «كليشيهات» نقدية محفوظة تقال من دون معرفة حقيقية بهذا العالم الثري، مثل ترديد بعض كتاب الحداثة أن محفوظ كاتب كلاسيكي، باعتباره موضة قديمة وانتهت!ولكن في الحقيقة محفوظ من الجائز أن يكون كاتبا كلاسيكيا بالمعنى التاريخي لأن النص الروائي في تطور وتجدد دائم، ولكنه كان يطور نفسه في الكتابة وينتقل من مرحلة الى مرحلة. وصولا الى التجريد مثلما نجده في «أصداء السيرة الذاتية»، وكان متابعا جيدا لموجات الكتابة الجديدة.كما أن هناك مقولات مجانية تقال ببساطة شديدة. من قبل البعض مثل أن محفوظ كاتب واقعي، كيف يكون كاتبا واقعيا اذا كانت لديه شخصية مثل «البواب» تتحدث باللغة العربية الفصحى!فمحفوظ لم يكن مشغولا بالنقل من الواقع بدليل اهتمامه في أعماله التاريخية بالمونولوج الداخلي للشخصيات، فقد كان دائم التخيّل.وأنا أرى أنه كاتب رمزي وفلسفي أكثر من كونه كاتبا واقعيا، ولكن النقاد «استسهلوا» وقالوا عنه كلاما فارغا كثيرا، مثل ادعائهم أن علاء الأسواني يكتب مثل محفوظ، وهذا كلام لا يساوي شيئا، فمحفوظ كان صاحب لغة رصينة منذ أول حرف حتى آخر حرف كتبه في حياته، بخلاف الأسواني الذي يستخف باللغة.كما أن أعمال محفوظ تخلو من المباشرة الفجة التي يكتب بها الأسواني، فهذا الكلام يشبه تأويل النقاد لشخصية «حميدة» في «زقاق المدق» بأنها ترمز الى مصر، وهي فتاة «مقمّلة» تضع في رأسها «جاز» وتخرج من الحارة لتصبح عاهرة، فأين مصر من هذا التأويل؟!


> وما علاقة هذا الكلام بفكرة تجاوز محفوظ؟-


ما أقصده بالتجاوز، هو أنني استوعبت نجيب محفوظ لكتابة نص يتجاوز نصوص محفوظ بمعنى التجديد، ولكن محفوظ كقيمة فنية، لا توجد لديّ هذه الجرأة، أو الصفاقة لادعاء ذلك، لأنني قرأت محفوظ في سن صغيرة، في الفترة من 13 حتى 16 سنة، ومن يقرأه في هذه السن يظل أمامه كقامة كبيرة، لذلك استمتعت كثيرا في روايتي بفكرة تتبع الناس لتمثاله، وضحكته الشهيرة، وعلى لسان شخصياته أطلقت عليه لقب «الكبير».وبالطبع كل كاتب لديه طموح يريد أن يكون متجاوزا، ولكني لا أحب تلك اللهجة من كتاب أصغر تجاه كتاب كبار، خاصة اذا كانوا أصحاب قيمة فنية كبيرة مثل محفوظ، والمشكلة الحقيقية. أنه حتى الآن لا توجد قراءات نقدية حقيقية لنصوص محفوظ تبرز أهميته كبنّاء ومؤسس عظيم جدا لشكل البنى الروائية، وأننا ككتاب من جيل أحدث يجب علينا أن نهضم هذا البناء التقليدي، لنستطيع كسره، وعمل بناء جديد، والا نصبح مدعين مثل شعراء قصيدة النثر الذين لا يعرفون قواعد العروض.


هل يمكننا اعتبار كلام «كاتب الكاشف» أحد أبطال الرواية عن أنصاف الموهوبين هو رصد لرأيك عن واقع الوسط الثقافي المصري الآن؟


- بالتأكيد، كان نقدا للحالة العبثية التي تعيشها الحياة الثقافية المصرية الآن، فالأدب المصري المعاصر يسير على ساق واحدة، وهي ساق الابداع، أما ساق النقد فمبتورة، فلا يوجد لدينا نقاد، واذا وجدوا فهم نوعان، أحدهما يقرأ الأعمال ويعيد شرحها مرة أخرى، والآخر لديه فكرة مسبقة، وقالب جامد من الستينيات يضع النص بداخله.فحتى الآن لم يقرأ الأدب المصري المعاصر، باختصار نحن نعيش وسط مهازل، ومساخر، بسبب غياب نقاد لديهم ضمير ووعي لتقديم معايير فنية حقيقية، فخرج علينا كتاب لايعرفون الكتابة، وظواهر يحركها رأس المال لتقديم ما يسمى بـ «بست سيلر».>


ماذا تقصد بكلمة ظواهر؟


- أقصد بالظواهر أنواعا معينة من الكتب مثل «تاكسي»، ورواية «ربع جرام» وغيرهما، مع توضيح أن ما ينجح بالتأكيد يكون خاضعا لمعيار ما يجعله ناجحا، فقديما كانت الثقافة هي التي تقود المجتمع وليس العكس، وعندما كانت تغني أم كلثوم بالفصحى كان ينسجم معها رجل الشارع البسيط.أما الآن، فيلجأ رأس المال الى النزول للشارع لعمل سلعة رائجة تجتذب الشخص الشعبي. عن طريق تصوير عوالمه، أو كتابة لغته في الصحافة اليومية، فتخرج علينا صحف مثل «الدستور» التي أرى أنها أفسدت لغة الصحافة في مصر، وأنتجت جيلا من الصحافيين «المكسّحين» لغويا، لأن رئيس تحريرها ابراهيم عيسى قضى على معرفتهم باللغة العربية.وقس على ذلك الكتابة الأدبية، والسينمائية وغيرهما، التي يتحكم فيها رأس المال لتحقيق أهدافه التجارية بالمقام الأول، فهو يجعل بعض الكتاب والصحافيين مجرد دمى لجلب المال، فيصبح بلال فضل كاتب السيناريو الشعبي، دمية المنتج الجشع لجلب المال، وعلاء الأسواني دمية للناشر لجلب المال، وابراهيم عيسى صاحب الجريدة الغوغائية الناجحة دمية في أيدي «الله أعلم من هو المستثمر» لجلب المال، ويقدمون أنفسهم باعتبارهم رموز التقدم والتنوير، وفي الحقيقة كل ما ينتجونه هاش، ولا يوجد فيه عمق أو جدية على أي مستوى.


> اذا كانت تلك الظواهر نتيجة لتحكم رأس المال، ففي رأيك ما أسباب تراجع دور المؤسسات الرسمية المصرية التي لا تهدف للربح؟-


المؤسسات المصرية الرسمية ينتشر فيها الفساد بصورة أكبر، بسبب سعي بعض العاملين فيها لتحقيق مكاسب شخصية، فمثلا اذا تحدثنا عن جوائز الدولة الثقافية، فعن الفساد حدّث ولا حرج، لأن لجانها اما صاحبة ذوق رديء، ولا تقرأ و«تطنطن» لأعمال غريبة، أو تحرك اختيارها المنافع والمصالح، وعلى سبيل المثال جائزة الجامعة الأميركية، فأنا أنتقدها. منذ أن بدأت لأنها جائزة غامضة جدا بالنسبة لي، فلا توجد لها معايير معروفة للاختيار، وأغلب النصوص الممنوحة لها للأسف نصوص ضعيفة، وطوال العام نسمع عن أزمات وصراعات ومشكلات لجان جوائز الدولة التشجيعية والتقديرية.


> انتقدت في الرواية صراحة انتشار المد الديني في المجتمع، وقدمت «سلمان رشدي» ككاتب كبير، ألا تخشى سلسلة المصادرات والقضايا من قبل شيوخ الحسبة؟


- الرواية فيها ادانة لفكرة الرقابة والمصادرة على الرأي بأكثر من مستوى، فمعايير الرقابة والمصادرة غير مفهومة حتى الآن، ولا نعرف المقصود بها، فهناك روايات فاحشة، ولا يتطرق اليها أحد، وفجأة نجد جدلا لا نهائي حول روايات تافهة، فلا يوجد منطق للرقابة أو رؤية، فهي عبارة عن موظف يعطي كتابا لقراءته.ولأنه يريد تحليل راتبه آخر الشهر، وتعلم من والده أن ما يذكر عن الجسد أو الجنس عيب. ويجب ألا يقرأه ابنه أو ابنته، فيمنع الكتاب، وهذا عبث، فكيف يتقدم مجتمع اذا كانت رقابته واقعة تحت أهواء أشخاص؟ فما عنده محرم قد يكون مباحا عند غيره، وأعتقد أنه كلما تقدم وتطور مجتمع... تضاءل دور الرقيب، والتاريخ على امتداده يؤكد أن المعرفة دائما أكبر من قمعها بالقوة، فكم من كتب تمت مصادرتها وقُرئت، بقيت هي. ورحل الرقيب.


> على الرغم من تصريحك الدائم باقتناعك بأن الكتابة عن الجسد شيء طبيعي الا أن هذا يناقض احساس قارئ «أبناء الجبلاوي»؟-


أنا لا أحس بالادانة، ولكني أعرف جيدا مجتمعنا الذي نعيش فيه، وأعرف القيود التي يضعها الناس على عقولهم، والازدواجية التي نعيش فيها، وقناعتي عن حرية الكتابة عن الجسد. أوضحتها على لسان «كاتب الكاشف» عندما ذكر أن النص الحر الليبرالي لا يمكن أنا يكون منزوعا من الجنس.فأنا أرى أن الجنس محرك أساسي للعالم سواء كان هذا المحرك تجاه الخير أو الشر، والناس تحاول نفي ذلك لأنها تعلمت أن هذا عيب، وهذه عقد وأفكار غير علمية وبعيدة عن الواقع، ولكن الناس عشقت دور المسؤول الأخلاقي عن المجتمع، والحقيقة أنه لا يوجد أحد يمتلك هذا الحق
نشر في صحيفة"الراي " الكويتية في 29 يولية 2009.

Saturday, June 27, 2009

Remember The time


Thursday, June 25, 2009

الناصري المسكين





خارج الكادر


مســخرة خــــالد




اعتقد "الناصري" المسكين خالد يوسف أنه لا ينقص هيفاء وهبي أي شيء لتصبح بيورك، ففعل مثلما فعل لارس فون ترير مع المغنية الايسلندية في "راقصة في الظلام" التي منذ اول انتقال لها من الغناء الى التمثيل اقتنصت جائزة أفضل ممثلة في احدى الدورات السابقة من مهرجان كانّ. كرمى لعيني بيورك وترير، أسند يوسف الى المغنية اللبنانية دوراً في مسخرته السينمائية الجديدة "دكان شحاتة" (يُعرض حالياً في سلسلة صالات "أمپير") ورافقها الى مدينة كانّ، خلال المهرجان، لا الى المهرجان، على سبيل التوضيح. هناك قال كلاماً كبيراً في شأنها واعتبرها "نجمة العرب الاولى" للسنوات المقبلة. وفيما كنا في طريقنا الى افلام المسابقة، التقينا بعض الزملاء العرب العائدين من العرض التمهيدي للفيلم. بعضهم كان يشتكي سوء التنظيم والبهدلة، وآخرون كانوا يتذمرون من انهم اضاعوا وقتاً كان يمكن استغلاله لشيء مفيد. لكن الجميع كان متفقاً على أمر واحد فحواه ان الصالة كانت مكتظة الى درجة انها لم تستوعب فريق الفيلم، وحصل نتيجة ذلك بعض الهرج والمرج والمعارك الصغيرة. وفي اليوم التالي، علمنا ان الصالة كانت تتسع لـ35 شخصاً... تقريباً.قبل ايام قليلة وصلت نسخة من فيلم "دكان شحاتة" الى بيروت مسبوقاً بصيت فضائحي. السبت الماضي كان موعدنا معه في صالة "غالاكسي"، وكنا شبه متأكدين ان الفيلم لن يتضمن اي شيء يثير الجدال، ولا يشتم اياً من الديانات السموية، كوننا اعتدنا هذا النوع من المناقشات الفارغة الدائرة في مصر، البلد "السينمائي" الوحيد في العالم حيث يتحدثون عن "تهمة" اسمها الاغراء! كنت اتوقع ان ارى هناك أمام الصالة ما يلقَّب بالصحافة الصفراء ومجلات الربع. "الكل كتب عن الفيلم، لم يعد يهمهم مشاهدته"، قال أحدهم. بعد نصف ساعة تأخيراً، أمضيناها نناقش أحوال دور العرض في زمن القرصنة والتحميل المجاني على الانترنت، انطلق جنريك صاخب جعلنا نعتقد ان انفجاراً ما قد وقع في مكان ما بالقرب من الشيفروليه. وسرعان ما انهالت علينا شلالات وفيضانات من قصاصات الصحف تستعرض حوادث سياسية وتاريخية مهمة مثل حذاء منتظر الزيدي و... رحيل يوسف شاهين، واللفتة الأخيرة تحية سمجة من تلميذ الى معلمه، كان يمكن الاستغناء عنها. ثم على مدار ساعتين ونيف: شخصيات بهيمية وزعيق وبلطجة وتطرف وعنف، انطلاقاً من نصّ ركيك لناصر عبد الرحمن. هذا كله مصوّر على طريقة أسوأ أفلام اميتاب باتشان، مع ما تتضمنه "التنصيبة" من اخطاء تقنية موجعة وهندسة صوت في ادنى مستوياتها وصورة وظيفية كي لا نقول شيئاً آخر. لا يحكي خالد يوسف قصة النبي يوسف وأخوته انما يحاكيها، من خلال رواية بواب صعيدي (محمود حميدة) في القاهرة يفضل ابناً له على آخرين، فيصبح عرضة للاضطهاد في مرحلة اولى، ثم، بعد موت الأب، يلصقون به تهمة ويزجون به في السجن ويسطون على حصته وخطيبته، وتنهال عليه كل مصائب الدنيا وصولاً الى الموت الذي يبدو أقلها وجعاً، له ولنا، لأنه يتيح للفيلم أن ينتهي. مع بداية فصول عذاب شحاتة، يبلغ الفيلم "ذروته" اثر اقحام آنسة وهبي لأداء دور بيسة وبكائها الملحمي التمساحي الذي هو مزيج من الدلع الانثوي الفيديوكليبي الآتي من خارج سياق الحكاية كلها. ولا يقل عنها إثارةً للشفقة، شحاتة الذي يجسده عمرو سعد، بشعره الحليق وبشاربيه، والذي يبدو كغروشو ماركس مصعوقاً بتيار كهربائي. أما "قومجية" المخرج المتزايدة فلا بد ان تترجم بشكل ما، والطريقة المثلى هي الضرب على الوتر الحساس، واسناد دور ما الى اسرائيل وسفارتها في سياق الحوادث. وعلى رغم ادعائه معرفة الكثير عن احوال المصريين والعرب، ليس الفيلم الاّ بالوناً بلاستيكياً يزداد خطر انفجاره كلما زاد الهواء (الهراء) فيه. نحن ازاء فيلم يستفز عندي سؤالاً واحداً وحيداً: كيف لتلميذ يوسف شاهين أن يكون على هذا القدر من التسطيح والشعاراتية؟
مقال اهوفيك حبشيان نشر في صحيفة النهار الخميس 25 يونية 2009
هـ. ح

Monday, June 22, 2009

كان ياما كان للبوسني إبريشيموفيتش


كان يا ما كان للبوسني نجاد إبريشيموفيتش
أقاصيص ملحمية تخلق الضحك من ذروة المأساة!!


إبراهيم فرغلي

أخيرا صدرت ترجمة عربية لنص من نصوص الكاتب البوسني نجاد إبروشيموفيتش الذي يعد الآن واحدا من أهم كتاب البوسنة والهرسك وأكثرهم قراءة من قبل الشباب حيث طبعت روايته الأخيرة "الأبدي" طبعة ثامنة باللغة البوسنية هذا الشهر، وهي في طريقها للترجمة الإنجليزية قريبا.
أما النص الذي صدر باللغة العربية فهو كتاب قصصي بعنوان "كان ياما كان"، وصدر عن المركز القومي للترجمة في مصر، بتوقيع المترجم المختص بلغات البلقان جمال الدين سيد محمد.
عندما التقيت نجاد لأول مرة في سراييفو قبل نحو ثلاثة أعوام، كانت تجلس بيننا مترجمة شابة تتقن الإنجليزية، لم تتمكن من مغالبة ضحكاتها بين كل وقفة صمت يمنحها إياها لتنقل لي معنى ما يقول، ولم أكن في حاجة للكثير من الفطنة لأدرك مدى الحس الساخر الذي يتمتع به في حديثه، من جهة، ولا بحرصه على دلالة كل كلمة عبر التأمل العميق لأفكاره قبل أن يلقي بها إلى محدثيه، في الوقت نفسه، وأخيرا وليس آخرا، فهذا التأمل وتلك السخرية تغلفان أفكارا بدت لي مستفيدة من الفلسفة لعمقها ولجدتها ولمنطقها المختلف.
منذ قرأت أولى قصص كتابه هذا لاحت لي على الفور هذه الخصال الثلاث كسمات أساسية لكتابه المختلف. فهي قصص ساخرة لا تخلو من روح الفكاهة من جهة، وهي أيضا ذات دلالات عميقة، وأحيانا عبثية تماما، وهذا ما يمنحها صبغة مختلفة نسبيا بالنسبة لمثل هذا النوع من النصوص؛ بسبب انتمائها للقص من جهة، واشتباكها، في الآن ذاته، مع حس الحكاية الشعبية، التي أظنه قد تأثر فيها، بشكل ما، من ألف ليلة وليلة، التي يعدها أحد مصادر إلهامه وإعجابه بين نصوص أخرى تنتمي للأدب العربي.
تدور أغلب وقائع هذه القصص في البوسنة، في أجواء سحرية، تعود لزمن قديم، لكنها أيضا تصلح لكي تمثل أحداثا شبيهة في أرجاء واسعة من العالم بلا تخصيص، وهو ما يمنحها حسا إنسانيا متخلصا من الطابع القومي الذي يغلب على أعمال إبريشيموفيتش الأخرى، والتي تقع أغلب أحداثها في البوسنة والهرسك في فترات تاريخية مختلفة.
"كان في غابر الزمان قيصر ولكنه مصاب بعور في عينه اليسرى، ولكنه ليس فحسب مصابا بعور في عينه اليسرى بل كانت ذراعه اليمنى أقصر، ولكنه ليس فحسب مصابا بعور في عينه اليسرى وليس فقط ذراعه اليمنى كانت أقصر، بل علاوة على ذلك كان أعرج أيضا" . هكذا يفتتح ابريشيموفيتش واحدة من قصصه عاكسا رغبته في تقمص الحكاء الفكه، بالشكل الذي يسيطر به على انتباه القاريء من البداية.
وهكذا تقريبا، يفتتح أغلب قصص هذا الكتاب، لكنه أيضا يضيف سمة خاصة به تمنح كتابه حسا حداثيا وهوالاختزال الشديد، كأن يفتتح قصة العظمة العجيبة بقوله:"كان ياماكان هناك رجل غير سعيد تماما، ولم يكن تعيسا لهذا السبب او ذاك، بل هكذا، ولم يكن هو نفسه يعرف السبب".
وهي مفارقة لافتة تكشف خصوصية أسلوب الكاتب الذي اختار لغة سردية مجردة من الوصف، مطرزة باستعارات نادرة، وإيماءات ولمحات خاطفة لكنها موحية وعميقة، لكي يعبر بها عن مواقف ملحمية لا يمكن الإمساك بها، عبر تخليقه لشخصيات لا يمكن لأحد توقع تصرفاتها ومسلكها. وهو ما قد يتم التعبير عنه ليس في جمل متعاقبة فقط، بل وفي جملة واحدة أيضا.
وبهذا الأسلوب الذي يجمع بين التكرارات الملحة، والاختزال أسبغ على قصصه طابعا خاصا، ومنحها نسقا فريدا بين النصوص التي تميل لهذا النوع. لكنه، على مستوى الموضوعات، ومداها الشاسع، وبالرغم من انتمائها لقضايا فلسفية جادة يبدو قادرا على إثارة الضحك، مسببا إياه من مفارقات ومفاجآت تتولد من بين أكثر مناطق التعبير عن تعاسة البشر، كأنه يحاول أن يقول أن شر البلية ما يضحك، أو أن تعاسة الناس ليست سوداوية كما تبدو لأصحابها في أغلب الأحيان.
وأحيانا يرسم من شخصياته اسكتشات كاريكاتورية كأنه فقط يحاول أن يلعب، أو أن يقدم في نصه نماذج للعب الأدبي. إذ يقدم شخصيات غرائبية، تسلك سلوكيات عجيبة، لا مبرر لها كأنما هي نماذج بشرية تعكس عبثية القدر والمصائر، حينا، أو كأنها نماذج تعاند القدر في أحيان أخرى.
وبالرغم من أنه يبدو في بعض القصص وكأنه يحاول أن بيقدم حكمة عميقة، فإنه في قصص أخرى لا يرجو من النص سوى العبث، كأنها قادمة من عبث وذاهبة إليه.
على سبيل المثال فهو في قصة مثل "القياصرة الأربعة" يسخر من مطامع القياصرة، والهموم التي تلاحقهم في سبيل الحصول على المزيد من السلطة والقوة، بينما الشعب، يعيش، في كل الأحوال، في واد آخر، يعيش حياته كما يريد إذا يأس من صلاح أحوال حكامه. وفي قصة أخرى مثل "الثري"، تتجلى دلالات القصة الرمزية في بيان أن الميت هو الوحيد الذي يمتلك كل شيء لأنه لا يحتاج لشيء، وأن الاحتياج هو ضد الامتلاك على طول الخط، والقناعة بالعكس. في قصة ثالثة يمكن أن نفهم منها أن الأحلام ينبغي أن تكون أحلاما وليست أوهاما.
هكذا ترمز الكثير من القصص بشكل غير مباشر إلى قيم أو حقائق، وأحيانا عظات وحكم، عبر تفاصيل وحكايات تدور في عوالم عجائبية يبدو فيها كل شيء محتملا أو ممكنا، ولا تخلو هذه الأجواء من نماذج مستلهمة من أجواء الحكايات الشعيبية مثل السحرة، أو العفاريت، أو الشخصيات ذوي القدرات الغريبة، لكنهم غالبا ما يدهشوننا، ليس بسبب العالم الغريب الذي يعبرون عنه، وإنما بسبب قدرات الكاتب ومهارته في كسر توقعات القاريء، بالسلوكيات المتناقضة حتى مع منطق القصة نفسه، والتصرفات المتناقضة، والانقلابات المفاجئة التي كثيرا ما تثير الضحك من فرط تناقضها أو عبثيتها او حتى انقطاع خطها السردي بغتة وبلا سابق إنذار.
أما المضمون الفلسفي فأظنه الطابع الذي يسبغ به إبريشيموفيتش قصصه جميعا، سواء كانت مرتكزة على المضمون الفلسفي نفسه أو على الحكمة، أو حتى تلك التي تبدو عبثية تماما. فاختياراته بشكل عام لطبيعة الحكايات والشخصيات تبدو كأنها الاختبار العملي لأفكار فلسفية تبدو كأنها مركز إطلاق شرارات القص والحكي في النصوص.
تتراوح الأفكار بين معنى الخلود والقضاء والقدر ومعنى الامتلاك والسعادة، والحب والجنس والجمال، وأحيانا تنحو نحو الإيديولوجي السياسي، لكن بالقدرة ذاتها على الصياغة الفلسفية. كما قد تختلف الدلالات بالتأكيد وفقا لقراءات المتلقي بشكل عام.
وفي هذه القصص التي تناهز الثمانين يقدم الكاتب نموذجا للنص البوسني المعاصر، في شكل وأسلوب يخصانه، بما يؤكد على ضرورة التفات المؤسسات العربية المختصة في الترجمة إلى هذه المنطقة التي تعكس ثقافة خاصة وتراثا يجمع ألوانا من الديانات والأعراق والثقافات تخصب تاريخها الثقافي بشكل لافت.
ولد إبروميفتش في سراييفو عام 1940 وانهى دراسته الإبتدائية في بلدة جيبتشة، بينما أنهى دراسته الجامعية في كلية الفنون التطبيقية قسم النحت في سراييفو، فهو فنان تشكيلي أيضا له العديد من الأعمال النحتية، إضافة لأن له عدد من المحاولات الشعرية، وقد عمل في بداية حياته العملية في تدريس الفنون قبل أن ينتظم مرة اخرى لدراسة الآداب في الستينات.
نشر عمله الأول منزل مغلق الأبواب في العام 1964، وهي مجموعة قصصية أعقبها برواية "الشقي" في عام 1968، ثم توالت أعماله التي بلغ عددها 16 رواية حتى الآن، منها "الحي والميت"، وتنين البوسنة ، وقرة بك ، وغيرها. وترجمت بعضها للتركية والسلوفانية، والانجليزية وأخيرا للعربية.
تصدرت الترجمة دراسة مفصلة لأعمال إبراشيموفيتش بعد نبذة مقتضبة عن تاريخ الأدب البوسني، كتبها المترجم، وبها قدم فكرة وافية عن أجواء الأعمال الأدبية للكاتب، وهو ما نتمنى أن نتعرف عليه بشكل مباشر عبر ترجمة بعض تلك الأعمال إلى العربية.

نشرت في (النهار) في يونية2009

Saturday, June 13, 2009

حفل توقيع إبراهيم فرغلي لروايته الجديدة أبناء الجبلاوي


قراءة من أبناء الجبلاوي في حفل توقيع الرواية إثر صدورها في مكتبة ديوان بالزمالك