Ibrahim Farghali

Egyptian writer. working as a journalist in the culture sectoin in Al Ahram newspaper. Books issued Betjah al ma'aqy- Kahf al frashat. Ashba7 Al hawas. Ibtisamat Al Qeddisin- Jennya fi qarora------ إبـراهيــم فرغلي كاتب مصري الإصدارات باتجاه المآقي شرقيات 1997 كهف الفراشات دار ميريت 1998، 2003 أشباح الحواس ميريت 2001 ابتسامات القديسين ميريت 2004، 2005، مكتبة الأسرة 2006 جنية في قارورة العين للنشر 2007 مداد الحوار(كتاب رحلات) العين للنشر 2006

Saturday, October 17, 2009

متحف زيورخ عندما يكون الفن هوية



متحف بيت الفن في زيورخ.. عندما يصبح الفن وطناً وهوية


!
بعد أيام من افتتاح متحف بيت الفن بزيورخ، منعت الفتيات من دخول المتحف حتى لا يُخدش حياؤهن بمشاهدة أعمال الفنان السويسري

فيليكس فالوتون

Felix Valloton (1865 - 1925)

، والذي كانت أعماله أول ما عرض في قاعات المتحف.

شاع ذلك في عام 1910 الذي واكب افتتاح المتحف، وبمرور الزمن تغير الانطباع عن ذلك الفنان فلم يعد فنانا إباحيا، واليوم، لا يعتبر فنانا متعدد المواهب فحسب، بل عد واحدا من أذكى من قاموا بتأمل المجتمع بدقة في عصره عبر أعماله الفنية التي اتسمت بنقد الأعراف والتقاليد البورجوازية، وبحس لم يخل من السخرية. اعتبر فالوتون من أهم الفنانين الرمزيين في سويسرا، تماما مثلما أصبح المتحف الذي افتتح فعالياته بعرض أعماله، أحد أهم المتاحف الفنية في زيورخ، وسويسرا بشكل عام.

لكن هذا التغير في المفاهيم حول الفن، والذي استغرق الفترة ما بين القرنين، إذ يعكس التطورات الفنية والاجتماعية السويسرية، والتي مرت بها أوربا بشكل عام، فإنه، من جهة أخرى، يعطي مؤشرا على الأهمية الاستثنائية للفنون في هذا البلد، وهو ما ينسحب على هذا المتحف البارز في تاريخ الفن السويسري المعاصر. فالفنون هنا لها علاقة ارتباط وثيقة بفكرة الهوية السويسرية التي ما زالت محلا لجدل واسع، لكن ذلك ليس من الأمور التي يمكن ملاحظتها منذ الوهلة الأولى، وإنما قد يستغرق بعض الوقت ليكتشف أي زائر للمكان العدد الكبير لقاعات العرض والمسارح الموسيقية مقارنة بمساحة هذا البلد الصغير.
بالإضافة إلى أن الانطباعات الأولى التي توحي بها مدينة زيورخ مضللة بعض الشيء؛ فعلى امتداد تجوالي في ربوعها كنت أشعر بمفارقة لا يمكنني أن أجد لها تفسيرا مناسبا، وهي أن المدينة، على جمالها، ومبانيها وعمارتها العتيقة الرشيقة والبديعة معا، وانسياب مياه النهر بين ضفتيها وحتى البحيرة الشهيرة، تبدو وكأنها بلا روح، أو بمعنى آخر؛ أكاد لا أشعر بتأثير أهلها من مواطني سويسرا الذين تتجلى في ملامحهم تنويعة بلا خصوصية فيها ما يبدو غربيا تماما وفيها كذلك من تبدو ملامحه شرقية أو إفريقية أو آسيوية أيضا بامتياز، كسمة من سمات بلد يجمع أكثر من هوية، ويعتبر من البلاد ذات الثقل في منح اللاجئين حق العيش. يمرون من حولي أو أمر بهم لكني لا أشعر بهم، ربما لأنهم أيضا يصدرون لي إحساسا مماثلا، حياديا، بلا قبول أو نفور، ليس لهم ثقل الشخصية الألمانية أو الفرنسية مثلا بحضورها الذي لا يمكن تجاهله، بغض النظر عن موقفها من مواطن عربي سلبا أو إيجابًا.
هذا الإحساس الموتر تأكدت منه بعد زيارة مدينة «بازل» التي بدت أكثر حرارة ولطفا، ولسكانها حضور مختلف عن سكان زيورخ، وعندما سألت عرفت أنها تعرف كمدينة تهتم بالفنون، وهو ما يتجلى في الأكاديمية الموسيقية العريقة ببازل، وفي المسارح، وفي تجليات عديدة لرعاية الفنون الأخرى جميعا. وأدركت أن السر يكمن في الفنون. فالشخصية السويسرية ينتفي لديها ذلك الحس القومي الشائع لدى القوميات الراسخة لأسباب عديدة لها علاقة بالتركيب الثقافي، والفنان السويسري وجد غالبا في الفن محلا وموطنا لبحث هذه الجدلية.
فالفن في سويسرا ليس مجرد نتاج لأعمال، وحركات فنية تتطور وتنتج قيمتها بقدر التطور الكيفي والذهني، وإنما معادلة معقدة ترتبط بأزمة الهوية السويسرية. بلد يتألف من أربع لغات، أو أربع ثقافات بالأحرى، وتمثل المناطق الأصلية لهذه الثقافات أقطاب جذب قوية، خاصة ألمانيا وفرنسا وإيطاليا. أما فيما يتعلق باللغة الإنجليزية فهي اللغة التي تمثل لغة الاتصال بين سكان سويسرا من تلك الثقافات المختلفة. وإضافة للغة الإنجليزية يجد السويسريون عادة في لغة الموسيقى وسيلة أخرى للتواصل، ولغة الفن بشكل عام، ومن هنا يصبح الفن له دور جوهري في المجتمع السويسري.
والنقاش حول ما هو سويسري يعد جدلا شغل بال الأمة منذ تأسيسها في منتصف القرن التاسع عشر. وهو نقاش مقترن في مجالات عديدة بمفهوم واحد يبرز ما هو سويسري باعتباره علامة حقيقية للنوع الجيد أو بوصفه أساس الديموقراطية، أو أنه نتاج أعمال دقيقة ومبتكرة إلى حد ما. وأصبحت مقولة «الفن بوصفه وطنا» واحدة من المقولات الجدلية التي أسهمت في تأكيد أهمية الفن في سويسرا وفي دوره الحيوي في الجدل حول موضوع الهوية.. وهنا تجدر الإشارة إلى أن سويسرا تضم بين جنباتها اليوم أكبر عدد من المتاحف وصالات الفن والمعارض ومجموعات المقتنيات الفنية وذلك بالنسبة إلى حجمها، فيحصي اتحاد المتاحف السويسرية ما عدده مائة وتسعة وخمسون (159) متحفا للفن؛ بداية من المتاحف المحلية الخاصة للفنانين وحتى بيت الفن بزيورخ. كما انضمت قرابة (58) صالة عرض سويسرية شهيرة من مختلف أنحاء البلاد إلى اتحاد صالات العرض السويسري، وهو ما تشير إليه الناقدة السويسرية سيبيل أوملين في كتابها «فن من سويسرا» الصادر عن مؤسسة بروهيلفسيا (المؤسسة السويسرية للثقافة).
لهذا كنت خلال تجوالي في قاعات متحف بيت الفن أحاول أن أفهم خصوصية الفن السويسري أو ملامحه، وهذا أيضا ليس سهلا في جولة سريعة كهذه إلا أن الملاحظة الأساسية هي الاهتمام الملحوظ بأعمال الفنان يوهان هاينريش فوسلي (1741 - 1825)، وفنان آخر هو فيرديناند هودلر (1853 - 1918) فالأول هو أحد الفنانين، من جيل الرواد، الذين نزحوا خارج سويسرا بين جيل عرف «بالفنانين الُرّحل» الذين وجدوا أنفسهم بسبب سياسة ثقافية قومية لا تفي بالهدف منها مضطرين إلى النزوح خارج بلادهم لإنهاء دراساتهم حيث ينالون أيضا، فيما بعد، ما يستحقونه من تقدير على المستوى الفني، وهؤلاء، - وبينهم فوسلي - كانوا من المهتمين بإنتاج أعمال لها قوة أعمال عصر النهضة في أوربا، وهذا ما يتجلى في العديد من الأعمال المعروضة لفوسلي وأهمها لوحة «السويسريون الثلاثة عند أدائهم للقسم في منطقة روتلي» (1780) الذي نفهم أنه حاول تخليد بعض الأحداث القومية التي عاصرها والتي ارتبطت بالمرحلة التأسيسية لهذا البلد وإيجاد أسس جديدة ومختلفة للثقافة التي يريد أن تكون ممثلة له ودالة على خصوصيته.
وهذا هو الطريق الذي سار عليه هودلر، وإن ركز على بعض مظاهر الاحتفالات الشعبية السويسرية، وكذلك على النسيج الاجتماعي للمجتمع السويسري الناشئ، عبر عدد من اللوحات التي تشغل قاعة كاملة تشبه بهو القصور الملكية القديمة، تتوزع أعماله على جدرانها، وتبرز فيها قدراته الفنية الكبيرة، وتتنوع موضوعاتها، لكن اللوحات التي يظل تأثيرها ملتصقا بالذاكرة هي تلك التي تحتفي بطقوس الحياة اليومية للسيدات . بعض هذه اللوحات تتسم بالرمزية، يلعب فيها على التعري والمقاييس الجسدية للإناث كرمز لموضوعات أخرى أعمق وأبعد مما يظهر على سطح اللوحة.
المفارقة التي شعرت بها أن أعمال هودلر التي يحتفي بها المتحف بشكل جيد لا تلاقي نفس المصير في بعض المتاحف العالمية الأخرى، على الأقل في حدود ما زرته من متاحف في باريس وألمانيا، وهو ما وجدت أنه محل ملاحظة الناقدة السويسرية «سيبيل أوملين» التي تقول: «اعتبر هودلر مع كل من بوكلين وسيجانتيني من أكثر الفنانين المتمسكين بالطابع السويسري والمعبرين عنه، إلا أن ما يدعو للدهشة أنه بينما يعد هودلر داخل سويسرا بمنزلة القديس القومي لفن التصوير، فإن قيمته وأهميته لا يعلمها خارج حدود البلاد إلا العالمون بتاريخ الفن، وذلك على النقيض من الأهمية التي حظي بها جاكوميتي أو جين تانجولي».
هناك، أيضًا، وطبعًا، وجود ملحوظ لبعض أعمال الفنان السويسري ألبرتو جاكوميتي (1901 - 1966) وكلها من أعمال النحت الحديث الرمزية التي اشتهر بها، ومثلت نقلة في فن النحت الحديث في العالم وفي المفاهيم الجديدة لهذا الفن، بالإضافة إلى أعمال الفنان جيوفاني سيجانتيني.
يضم المتحف أيضا مجموعة من الأعمال الفنية المميزة لكبار الفنانين السويسريين، فبالإضافة إلى من تم ذكرهم، توجد مجموعة من أعمال الفنانين: كوللر (Koller) وزوند (Zund) وأغلبها لوحات من الطبيعة السويسرية خلال القرن التاسع عشر، وأعمال الفنانين أرنولد بوكلين (Bocklin) وفيلتي (Welti) المعروفين باستلهام عوالم الفانتازيا والخيال. إلا أن أعمال بوكلين الواقعية الفعلية تجسد شكلا رمزيا لأسلوب الواقعية يظهر فيه التحيز للعادي على حساب البطولي أوالأسطوري.
وتعتبر مجموعة (الألب) من المجموعات المميزة في المتحف، فقد ألهمت جبال الألب عددًا كبيرا من الفنانين الأوربيين، والسويسريين على نحو خاص، حاولوا بها نقل جمال الطبيعة من جهة، وأكدوا أيضا خصوصية الألب كمنطقة تطل على حدود كل من سويسرا وألمانيا وفرنسا، والتي اعتبرت بالنسبة للسويسريين منطقة من مناطق قوتهم. وهي بشكل عام كانت منطقة شديدة الإلهام لكل الفنانين الذين نقلوا الطبيعة إضافة إلى خصوبتها من حيث الطقوس الشعبية لسكانها.
من القاعات اللافتة بالمتحف القاعة التي تضم أعمال الرواد من القرن السابع عشر، حيث تتجاور مجموعة من اللوحات المفعمة بتقاليد الكلاسيكية الصارمة، وبالحركة والحيوية في الوقت نفسه، وفي التقنيات التي ترتكز على تأثير اللون وقوته كما تتجلى في أعمال رمبرانت، روبنز، رويسدايل، كلود لورين، دومينشينو، هانز أسبرز، وهي القاعة ذاتها التي تضم أعمال جون هنري فوسلي.
إلا أن المتحف، بطبيعة الحال، لا يقتصر على أعمال الفنانين السويسريين، وإنما يعرض أيضا العديد من أعمال الفنانين العالميين مثل الفرنسيين جيريكول، كورو، دي لاكروا، كوربيه، مانيه، ومجموعة كبيرة من أعمال مونيه الانطباعية.
من الأعمال التي أنتجت خلال مطلع القرن العشرين توجد أعمال للفنانين جوجان، سيزان، فان جوخ. إضافة إلى أعمال ماتيس، بيكاسو، ليجار، شاجول، والمجموعة الأخيرة تضم،على الأقل، عملين لكل فنان من المراحل المعاصرة التي ارتبطت بالانتقالات الفنية الحديثة خلال النصف الأول من القرن الماضي، تجاورها مجموعة من أعمال الفنانين الذين اعتبروا من رموز حركة «الدادية» الفنية وتنويعاتها من أمثال: إرنست، خوان ميرو، سيلفادور دالي، وماجريت.
وبالمصادفة، كان المعرض قد خصص قاعة لعرض مقتنيات من أعمال الفنان الألماني ألبرشت ديورر (Albrecht Durer) (1471 - 1528) وهو من رواد عصر النهضة الألمانية، عرف باهتمامه بجمال الجسد البشري، يبدو بارزا بشكل خاص في واحدة من أشهر لوحاته المعروفة باسم (آدم وحواء) اتسمت بطابع عصري بالنسبة للمرحلة التاريخية التي أنجزها خلالها. وبقليل من التأمل يظهر أن العري في لوحاته لم يكن بغرض التأثيم، أي لم يكن استلهاما فنيا لفكرة الخطيئة بقدر ما كان موحيا بنوع جديد من التغير في علاقة الرجل بالمرأة، يقترح نوعا من الندية واقتسام الجمال بالتساوي.
يحتفي المتحف بالفن المعاصر على عدة مستويات عدة، باقتناء أعمال لفنانين من أرجاء العالم، ومن كل الاتجاهات الفنية المعاصرة التي أنجزت بعد الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، ومن بينها مثلا أعمال الفنانين الذين ينتمون لمدرسة نيويورك، من الأوربيين والأمريكيين على السواء مثل جورج باسيليتز (George Basselitz)، وبولوك (Pollock)، وروثكو (Rothko)، ونيومان (Newman)، إضافة لأعمال بول كلي ومودلياني وغيرهما. وفي هذه القاعة الفسيحة التي تفيض بها لوحات البوب آرت الأمريكي، توجد أيضًا مجموعة من أعمال «الفيديو آرت» للفنانين جيف وال (Jeff Wall)، وبيبيلوتي ريست (Pipilotti Rist) وهي الأعمال التي تمهد الطريق لمسيرة الفن الحديث، أو ما بعد الحداثي، في القرن الواحد والعشرين.
في القاعة المخصصة للفنون الحديثة تظهر من بعيد لوحة ضخمة تبدو وكأنها تحتفي بالفوتوغرافيا، إذ تصور صورة لفتاة ترتدي جاكيت جينز يجاورها فتى، تتشابه ملامحهما إلى حد التماثل. عندما اقتربت من الصورة اكتشفت أنها لوحة تنتمي للتصوير بالإكريليك على قماش، صاحبها هو الفنان السويسري فرانز جيرتش (Franz Gertech)، الذي اعتمد واقعية الصورة كاستراتيجية فنية في مجال التصوير بالرسم في إطار موجة التجديد التي حاولت الاستفادة من التقنيات الجديدة في ثورة فنية بدأت مطلع السبعينيات، وحاولت مزج الفنون المختلفة ببعضها البعض، واستعارة التقنيات من الفنون الأخرى. تجاورها صورة فوتوغرافية أخرى تستخدم الإضاءة لتمنحها نوعا من الوهج، وتبدو وكأنها استلهام حداثي ومعاصر لبعض أعمال الفنانين الانطباعيين مثل رينوار(1841 - 1919)، إدوارد مانيه (1832 - 1883) على نحو خاص، إذ إن هذا العمل الفوتوغرافي يستدعي للذاكرة أجواء قريبة من لوحة مانيه الشهيرة «الفطور في الحديقة».
وفي الصالة نفسها التي تضم هذه الأعمال الفنية المعاصرة والحديثة توجد أيضا الكثير من الأعمال الفنية المعتمدة على الجرافيك والأعمال المركبة التي اعتمدت على الخامات الطبيعية المستعارة من الحياة اليومية التي سادت كصرعة منذ الستينيات.
هكذا يبدو التجوال في قاعات متحف بيت الفن في زيورخ بمنزلة جولة فنية ووجدانية وتاريخية بالغة الزخم والثراء، لكنها أيضا يمكن أن تميط اللثام عن الكثير من خصوصية الثقافة السويسرية المتنوعة، اللامركزية والتي تعتمد أيضا على التفاعل المستمر مع الثقافات الأخرى كوسيلة من وسائل تأكيد هويتها كمنطقة تتعامد فيها الثقافات، تتقاطع وتتجاور، وتبحث دائما عما يحقق لها الاعتداد بالنفس في جوار ثقافات لها جذور تاريخية أكثر استقرارًا.
المصدر : مجلة العربي الكويتية- ابراهيم فرغلي

Tuesday, October 13, 2009

الجمال حين يكتمل في حافية القدمين






الجمال حين يكتمل في "حافية القدمين




إبراهيم فرغلي


بالحذاء أبدأ وأولا بالقدمين(..) على مهل أسحب أسحب قدميّ من الحذاء المفكوك الرباط. على مهل تشرق أصابعي شعاعا بعد شعاع بعد شعاع.. طلاؤها الأحمر الفاقع يبزغ على بياض جوعها. بحبات الكرز العشر ألوح وجهك وصدرك والجبين..".
جمانة حداد، مرايا العابرات في المنام )
هذا المقتطف من "نثر طائش على سبيل التضليل" من كتاب جمانة حداد، في ظني، من بين أجمل ما وصف لقطة إيروتيكية لعقل جميل يسيطر على قدم حسية، تعرف جمالها، يقينا، وتأثيرها الحسي الطاغي، في مشهد إغواء للموت، بينما وصف حبات الكرز من أجمل ما قرأت في وصف أنامل القدين وتجليها شعاعا بعد شعاع.
المفارقة أن شاعرة أنثى هي صاحبة الوصف الفاتن، بينما يغيب، في الأدب العربي، نصوص الكاتب العربي التي تكشف قدرته على وصف جمال القدم الأنثوي، بالرغم من شيوع ظاهرة الافتتان باللأقدام الأنثوية، تصل في التقديرات الإحصائية الغربية إلى نحو من 47 في المئة من إجمالي الأشخاص الذين تسيطر عليهم هواجس فيتيشية ما.
قدم الأنثى، عندي، هي مفتاح جمالها، وجوهره. وإذا فقد المفتاح؛ يصبح جمال المرأة، عندي، عدما، مهما كانت مواصفاتها وملاحتها.
بمعنى آخر إذا جاز لي أن أصف امرأة بأنها "فاتنة"، فلا بد أن تكون صاحبة قدمين جميلتين متناسقتين رشيقتين تتسم أناملهما، كذلك، بالاتساق، والرشاقة، مطلية أظافرها بعناية ودقة كاملتين، أولا، وبلون من مشتقات اللون الأحمر، تاليا. وسوى ذلك، هو، ضد الفتنة، بلا جدال.
أما إذا امتلكت امرأة ما هذه السمة الفاتنة، وأدركت مكمن فتنتها، فطوقت كاحلها بسوار رقيق، وزينت بعض أنامل القدمين بما يليق بها، فهي عندي امرأة مثيرة بامتياز.
وبغير ذلك، مع الأسف، أو لسوء الحظ، أو حسنه، قد لا يعني لي جمال امرأة شيئا.




هذا الانشغال الحسي والجمالي بالقدم، لا يعني أنني اذا التقيت امرأة تنتعل حذاء مقفولا، سيقف حد شغفي عند هذا المستوى، لا، فبالخبرة أصبحت أعرف أن كف المرأة وتشكيل يديها يعطيان انطباعا عن شكل قدميها –لا يَصْدُق في كل الأحوال- وبالتالي من صورة اليدين يشرع خيالي في رسم صورة سريعة للقدم المخفية، وبناء عليها يتحرك ترمومتر إحساسي بها كأنثى.
.
هل هذا طبيعي؟ لا أعرف، ولم أعد مهتما بعد الكثير من القراءات حول الموضوع، وإثر اكتشافي أن التعلق بالقدم كمظهر من مظاهر الفيتيشية، هو واحد من أكثر ألوان الفيتيشية انتشارا، بالإضافة إلى أن تعلقي بالقدم لا يأخذ شكلا مرضيا يزيد عن الحد، ولا يرتبط بغيره من مثل التعلق بالأحذية أو الجوارب النسائية وغيرها، وإن كان لها تأثير ما بطبيعة الحال. لكن ما يشغلني بالفعل هو مدى إمكانية تتبع نشأة هذه الظاهرة في وعيي. أي متى بدأ شغفي بالقدم الأنثوية على هذا النحو، وتفسيرها إن كان ثمة.


استعصت بذرة إدراكي بهذا الشغف على الذاكرة. بالتالي لا أعرف، على وجه التحديد، متى بدأ شغفي بقدم الأنثى، وبالرغم من استدعاءات الذاكرة فإنني لم أستطع تحديد بذرته الأولى بوضوح. تداعياته الأولى عندي تلوح منذ المراهقة؛ إذ أذكر مثلا أنني كنت، وجمع من أقاربي الشباب، في بيت من بيوت العائلة، للاحتفال في مناسبة عيد ميلاد، حيث استضافت العائلة مجموعة من صديقات صاحبة عيد الميلاد. وكالعادة بدأ فاصل من الرقص الشرقي، كنا، نحن شباب العائلة، نتابعه بشغف من الصالون المفتوح على الصالة الكبيرة. انهمكت الفتيات يتبارين في الرقص، ومع تزايد حماسهن، خلعت اثنتان منهن، الحذائين اللذين كانا ينتعلانهما، وبدأتا الرقص حافيتين




.
أظن أن ذلك المشهد بالنسبة لي كان استثنائيا في حسيته وإثارته، ربما لارتباطه بالرقص الشرقي، بإحالاته الشبقية، أو لأن واحدة من الفتاتين الحافيتين كانت محلا لشغفي، أو لأني أدركت في تلك اللحظة أن ثمة شيئا جميلا ومثيرا في حافية القدمين هذه، فتنة البساطة والفطرية وتعرية القدم كأنها مفتاح التعري للجسد كاملا، ربما. لكني لا أعرف هل كشف المشهد لي في تلك اللحظة ولعي بالقدم، وبكونها جزءا أساسيا من علاقة شغفي بجمال المرأة، أم أن وعيي بجمالية القدم الأنثوية قد بدأ في تلك اللحظة، وخلق في وعيي نوعا من الشرط بين القدم والموضوع الجنسي.
المهم أن صورة الأقدام الأربعة؛ الحافية، الراقصة، المثيرة، السمراء، المتثنية، المنبسطة، المستندة إلى أصابعها تارة، كاشفة عن الكعوب الملساء الناعمة، والمستأسدة، تارة أخرى، لتسند الجسد الغض في رقصه، هذه الصورة ظلت ماثلة في خيالي، زمنا، كأيقونة لموطن أصيل لجمال الأنثى، وأنوثتها، وحسيتها معا




.
لكنني، إزاء ظني بشذوذ تعلقي بالقدم آنذاك، لم أعلن عن إعجابي اللحوح بالقدم لأحد، أي لا على مستوى دائرة الأصدقاء، ولا للفتيات اللائي أعجبت بهن حينها، ولفترة طويلة، حتى تعلقت بفتاة، جمعت بيننا لاحقا علاقة عاطفية طويلة. اختلست النظر إلى قدميها في خف منزلي أنيق، كشف عن قدميها، البضتين، الصغيرتين، الذكيتين باتزان تناسق أصابعهما بينها وبين بعضها من جهة، وبينها وبين طول القدم من جهة أخرى، فانتقل شغفي بها، فورا، من مستوى القبول والإعجاب، إلى مستوى من الافتتان، بغض النظر عن تفاصيل ملامح وجهها أو تكوينها الجسدي. !
لكن تلك الإحاسيس، ظلت، رغم كل شيء، حبيسة صدري، مثيرة، لكنهامؤرقة، بشكل ما، حيث لا وجود لما يفسرها علميا أو نفسيا.


مررت بخبرات شبيهة في علاقات لاحقة، كان بين التفاصيل الحسية لواحدة منها رقصنا حافيين، تضع قدميها الصغيرتين الدقيقتين على قدمي، وأتحرك بها- بديهي أنها كانت خفيفة الوزن - فكأنه عناق مكتمل بين جسدين، تتيح علاقة القدمين، في تلك الحالة الإحساس بعمق العناق بلا حدود.




هذا الإحساس الخاص، بحوار القدمين ترك انطباعا عميقا في داخلي، لكنه، في الوقت نفسه، صور لي علاقتي بالقدم في هذا المستوى الحسي الجمالي، لا أكثر ولا أقل. وبالتالي، تحررت نسبيا من عبء اعتبار المسألة شذوذا، وانتبهت إلى أن معيار القدم وجمالها أصبح أساسيا جدا في رؤيتي لأي أنثى.
لكن المفاجأة حين اكتشفت أن المسألة، تطورت حتى أصبحت تتدخل بحسم في العلاقة الحسية، إلى حد تعطيلها، إذا اختل معيار جمال القدم!




لا أريد ان أتمادى في هذه التفاصيل الاعترافية، لكني، أظن أن من بين ما أدى إلى اتساقي في التعامل مع موضوع الشغف الحسي بالقدمين توثق علاقتي قبل نحو عقد بشبكة الإنترنت، حيث أتيحت لي فرصة مطالعة مواقع كاملة، عديدة، مهتمة فقط بهذا الشغف، تعرض صورا لأقدام الإناث، وتكشف شيوع الظاهرة إلى حد وجود مجلات متخصصة فقط في الموضوع بينها مثلا مجلة ورقية هي
Foot Fetish
المتخصصة في استعراض صور اقدام الإناث والشهيرات منهن على نحو خاص، ومجلات إليكترونية متخصصة في نشر صور أقدام الفنانات والنجمات الشهيرات، اللائي لا أظن أن بينهن الكثيرات ممن يمكن توصفيهن، وفقا لذوقي الخاص، بصاحبات أقدام جميلة.




لهذا أتصور، عن يقين، أن جمال القدم بين المولعين بها، يختلف توصيفه من فرد لآخر، فهناك البعض من المولعين بالأقدام الصغيرة المتناسقة الرشيقة من مثل قدمي سلمى حايك، وأظنني من بينهم، بينما يولع آخرون بقدمين انسيابيتين، أقرب للنحافة والطول مثل قدمي شارون ستون، بينما يفضل البعض قدمين نحيلتين، دقيقتين، رشيقتين مثل قدمي جوليا روبرتس.
قبل أن أستكمل الإشارة حول موضوع اتساق الفيتيشي مع موضوعه، أحب أن أشير إلى أن هذا اللون من الفيتيشية وغيره، تم التعبير عنه أدبيا، وبحثيا، وتوثيقيا، في الغرب منذ سنوات طويلة، على عكس الأدب العربي الذي يفتقد للتعبير عن النوازع الجنسية المعقدة، والفانتازيا، والهواجس التي لا تخلو منها عقلية، مهما بدت، في الواقع أخلاقية ومحافظة




.
حتى الكتب التي أسهبت وأفاضت في كل ما يتعلق بالعلاقات الجنسية والحسية، في التراث العربي، على نحو خاص، وبينها؛ مثالا لا حصرا، الروض العاطر للنفزاوي، لم تول القدم الكثير من الاهتمام، قدر ما ركزت، ودارت وأفاضت، حول الاعضاء كافة، باستثناء إشارتين الأولى أن من أوجه ما يستحب في المرأة الجميلة أن تكون يديها وقدميها "ظريفة"، وأن من أوجه غير المستحب أن تكون قدميها كبيرتين، وهذا كل شيء.
للأسف، لابتعادي عن مكتبتي الخاصة في الوقت الراهن، لن أستطيع توثيق بعض الشواهد بدقة، لكنني أرغب في الإشارة إلى بعض التلميحات للفيتيشية المتعلقة بالأقدام فيما أذكره الآن، وبينها مشهد صغير لوصف الراوي في رواية "قانون الوراثة" لياسر عبد اللطيف، لقدمي سيدة جميلة كانت تقوم بالتدريس لذلك الراوي في سنوات المراهقة، التي كانت تنتعل صندلا صيفيا، وتزين واحدا من أنامل قدميها بخاتم فضي رقيق


.
ثم وصف نجيب محفوظ لرادوبيس في روايته المعنونة بالاسم ذاته، وهي تتعرى قبل أن تمنح جسدها لمياه المسبح في قصرها الخاص، بينما ينقض عليها نسر من السماء، فتهرب إلى المياه بينما ينتشل النسر صندلها ويطير. أذكر أيضا أن أهداف سويف في روايتها غير المترجمة للعربية "في عين الشمس" تصف عودة الراوية آسيا العلمى إلى بيتها في الزمالك في الأيام الحارة، فتخلع حذاءها منذ تصل إلى مدخل البناية لتشعر ببرودة أرض المدخل المبلطة


.
في الأفلام طبعا يحضرني على الفور مشهد من فيلم يوسف شاهين "إسكندرية كمان وكمان"، عندما يسأل يوسف شاهين يسرا وهو ينظر لقدمها الحافية مستنكرا:"انتي ليه حافية"، بينما سؤاله الاستنكاري لا يستطيع إخفاء نظرة العينين المعجبتين بالقدم الحافية، بينما تتلاعب هي بها بدلال وتصفها بأنها أجمل قدم في العالم.
بالتأكيد هناك إشارات أخرى للظاهرة في النصوص والأفلام العربية لا تحضرني الآن، لكنها في النهاية قليلة جدا ومحدودة، ليس في موضوع الفيتيشية فقط، وإنما في موضوع الهواجس الجنسية للشخصيات الروائية عموما.
وربما كانت هذه الشذرات الروائية من بين جوانب اكتشافي لشيوع ظاهرة التعلق بالقدم، لكن ليس بدرجة تأثير الإنترنت بالتأكيد، والذي أسهم، كما أشرت مسبقا إلى نوع من الإحساس بالاتساق، والإحساس بطبيعية الظاهرة، والتخلص من عبء اعتبارها عقدة نفسية، أو شذوذا في التفكير




.
هذا الاتساق يعبر، في جانب من جوانبه، عن صراع نفسي، قد يكون أكثر حدة في ألوان أخرى من الفيتيشية، يعانيه الفيتيشي، خاصة في مراحل مبكرة من عمره، عن مدى كون ما يفكر فيه شاذا، وغير مألوف، خاصة في ألوان من الفيتيشية يكون التعلق فيها مثلا بالثياب الداخلية للمرأة، أو بالأحذية، أو بالثياب عموما، أو بالتعلق بأعضاء جسدية بعينها


.
وأعتقد أن هذا الجانب من الصراع النفسي في المجتمعات المكبوتة التي يتم التعامل فيها مع موضوع مثل الجسد بشيء من التشدد والتحفظ، اقسى بكثير من المجتمعات الغربية التي تُخضع كل الظواهر التي تتجلى في المجتمع، للبحث والتحليل، وبينها كل ما يتعلق بموضوع الهواجس، والفانتازيا، المتعلقة بالجسد. ففي تلك المجتمعات يتمتع الأفراد بالتخلص من كل الكوابح والمواريث التقليدية والأخلاقية التي تزيد من درجة تعقد الصراع بين النوازع الداخلية والهواجس الجنسية، من جهة، وبين التكيف مع الواقع من جهة أخرى


.
بالتالي فإن تلك المجتمعات أقدر بكثير على تخطى العقبات والسلبيات السلوكية إن وجدت، وحلها، بسبل عديدة، ووضعها في إطار أنها واقع موجود، لا يمكن نفيه، وتخلق مفاهيم تتيح من كل ما يحقق السعادة الداخلية والتوازن، أن يوضع في إطار التجريب في إطار إنساني رحب، وليس من منطلقات أخلاقية، وبالتالي الانتباه الواعي لما يزيد منها عن حدود الطبيعة، ويكشف عن سلبيات أو اعتلالات نفسية لا تقبل الشك، وبحث وسائل علاجها لو اقتضى الأمر.
لكن هل يعد هذا التعلق بالقدمين انحرافا؟
قبل الإجابة عن السؤال سأتوقف أولا عند التعريف الأولي للانحرافات المتعلقة بالهدف الجنسي كما أوردها سيجموند فرويد في كتابه"ثلاث رسائل في نظرية الجنس"(صدرت ترجمته العربية عن دار الشروق) ويقول:"يعتبر الهدف الجنسي الطبيعي هو اتحاد الأعضاء التناسلية في العملية التي تعرف بالجماع، وهي التي تؤدي إلى التخلص من التوتر الجنسي(..) ولكننا قد نجد حتى في أكثر العمليات الجنسية سواء بعض الآثار التي لو نمت لأدت إلى حالات من الشذوذ تعرف بـ"الانحرافات"، إذ توجد بعض العلاقات المتوسطة بالموضوع الجنسي مثل لمسه والنظر إليه، وهي عمليات تمهيدية للجماع وتعتبر كأنها أهداف جنسية مبدئية وهذه العمليات، من جهة، تكون في ذاتها مصحوبة باللذة، وهي من جهة أخرى، تعمل على زيادة شدة التهيج الذي يجب أن يستمر حتى يتم بلوغ الهدف الجنسي النهائي. وفضلا عن ذلك، فإن القبلة، وهي اتصال خاص من هذا النوع بين الغشائين المخاطيين لشفاه شخصين، إنما تعتبر ذات قيمة جنسية كبيرة بين كثير من المجتمعات، بالرغم من أن أجزاء البدن التي تتضمنها القبلة ليست جزءا من الجهاز الجنسي وإنما هي تكون مدخل القناة الهضمية".
وقبل التطرق لما يعرفه فرويد بـ"بدائل للموضوع الجنسي غير ملائمة"، أو ما يطلق عليه "فيتيشية
"
fetishism
ينبغي التعرف على جذور كلمة فيتيشي
fetish أو
وهو وفقا لترجمة محمد عثمان نجاتي -مترجم كتاب فرويد للعربية وأستاذ علم النفس بجامعة
القاهرة-:"التميمة أو الطلسم أو أي شيء يعتقد أن له قوة سحرية تقي حامله من الأخطار وتقضي له الحاجات. وكان الناس البدائيون يعبدون بعض الأشياء المادية لاعتقادهم بحلول روح الآلهة فيها، وأنهم إذا حصلوا على جزء من هذه المادة المعبودة (وتسمى عادة فيتيش) فإنهم يستطيعون استخدام ما فيها من قوة إلهية أو سحرية لتحقيق أغراضهم ولوقاية أنفسهم من الأخطار. وقد استخدم فرويد لفظ "الفيتيش" ليعبر به عن الانحراف الجنسي الذي يتميز بحدوث التهيج الجنسي من رؤية جزء من بدن الشخص المحبوب، أو رؤية شيء آخر يتعلق به كملابسه مثلا".
وحول موضوع فيتيشية الأقدام يقول فرويد:"إن الذي يستبدل بالموضوع الجنسي هو جزء ما من البدن (مثل القدم أو الشعر) يكون بصفة عامة غير ملائم لأغراض جنسية، أو شيء جمادي يكون مرتبطا ارتباطا واضحا بالشخص الذي يحل محله أو بناحيته الجنسية على وجه خاص(مثل قطعة من الرداء أو الملابس الداخلية)". "وتتضح نقطة الالتقاء بالحالات السوية في المغالاة –النفسية في أساسها- في تقييم الموضوع الجنسي، تلك المغالاة التي تمتد حتما إلى كل شيء يرتبط به. وعلى ذلك، فإن هناك درجة معينة من الفيتيشية موجودة في الحب السوي(..) وتصبح الحالة مرضية فقط في عندما يتجاوز الاشتياق للفتيش الحد الذي يكون فيه مجرد شرط ضروري مرتبط بالموضوع الجنسي، ويأخذ بالفعل يحل محل الهدف السوي، وكذلك عندما ينفصل الفتيش عن فرد معين ويصبح الموضوع الجنسي الوحيد".
فيما يتعلق بالتفسير، يقول محمد عثمان نجاتي أنه توجد وراء التذكر الأول لظهور الفتيش مرحلة منسية ومغمورة من النمو الجنسي


.
اما التفسير الذي يقدمه فرويد لفكرة فيتيشية القدم خصوصا فعنه يقول:"من الممكن أن نبين في كثير من حالات فيتيشية القدم أن غريزة حب النظر التي تريد أن تصل إلى موضوعها (وهو الأعضاء التناسلية في الأصل) من أدنى، قد أعيقت عن بلوغ غرضها بسبب النهي والكبت، ولهذا السبب ارتبطت غريزة حب النظر بفتيش في صورة قدم أو حذاء
".
هذه وجهة نظر وجيهة، إلا أنني لم أطلع على التفسيرات الحديثة التي بنيت لاحقا على تحليلات فرويد للموضوع والتي نشرها للمرة الأولى في نحو عام 1912، ثم أضاف لها بعض الهوامش في 1915، خصوصا أيضا، أن الدراسات الحديثة في موضوع الفيتيش، ووفقا لموسوعة ويكيبديا الإليكترونية، لا تتعامل مع الفيتيش بوصفه انحرافا بل بوصفها أنماطا عادية من السلوك الجنسي طالما أنها لا تتعدى حدود تحولها إلى جوهر مبتغى لذاته وليس من أجل إتمام العملية الجنسية، أما الانحرافات، حتى لدى هذه الدراسات الحديثة فيُتفق عليها، وأغلبها مؤسس على توصيف فرويد، وفي تلك الحالة قد يقتضي الأمر علاجا طبيا بالعقاقير، بل قد يصل إلى حد جراحة في الدماغ.
وبالمناسبة فإن الموسوعة نفسها تورد عددا من أسماء بعض مشاهير الفن والأدب بوصفهم فيتيشيي أقدام وبينهم: توماس هاردي، بودلير، يوهان فولفغانغ جوتة، جورج دي مورييه، كازانوفا، إلفيس بريسلي، ريكي مارتن، وإنريكو ماسياس، وغيرهم
نشرت في مجلة جسدالعدد الأول- ديسمبر2008.

صور من البوسنة

























































































































Thursday, October 1, 2009

عن سراييفو والبوسنة


البوسنة والهرسك..وجه الإسلام المشرق في قلب أوروبا
بقلم: إبراهيم فرغلي عدسة :سليمان حيدر

من قمة شاهقة تمكنا أن نرى مشهدا بانوراميا للمدينة البهية: بيوتا أوروبية الطابع بيضاء مغطاة بالقرميد، وأشجارا كثيفة تغطي تلال الجبال المحيطة بالمدينة كسور كبير، تمزج أحمر القرميد بأخضرها البهي، ونهرا يشق المدينة؛ يمنح المدينة ألقا خاصا، ويسبغ على قسماتها جمالا آسرا، يهبه لفتيات المدينة الفاتنات. وقبل أن نهبط من القلعة، قريبا من البوابة التاريخية القديمة لسراييفو؛ لنبدأ رحلتنا، أصخت السمع قليلا، لأصغي لنداء لاح لي أنه صوت المدينة يهمس "بمجرد أن لمحتك أيها الشاب شعرت بحاجة إلى أن أحكي لك شيئا لم أحكه لأحد أبدا". فبماذا باحت سراييفو؟!

في الطريق من المطار الصغير، إلى قلب المدينة في حي باتشارشيا العتيق حيث اخترنا أحد الفنادق للإقامة، كنت أتأمل المدينة البسيطة الجميلة، التي تبدو كأنها مساحة شاسعة بين تلال، تتناثر البيوت الأوروبية الطابع على محيط الجبال، بينما تستقر البنايات الحديثة العالية في الطريق الأقرب إلى المطار، وعلى جانبي الطريق الواسع، الذي يفصل بين نهريه مسار المترو، اصطفت بنايات حديثة ومحال تجارية وعمارات سكنية من العصر الاشتراكي الذي ميز يوغسلافيا قبل التفكك، وكلما توغلنا قدما كلما بات طابع البيوت أقرب للطابع الأوروبي التقليدي العتيق.
مزيج أوروبي، عصري وشرقي، فريد من نوعه. المساجد العثمانية الطرز تتجاور مع الكنائس والكاتدرائيات، في مدينة تعرف بأنها مدينة السلام أو مدينة "القدس الأوربية" كما يحلو للبعض أن يطلق عليها، بوصفها المدينة الأوروبية التي تضرب مثالا رائعا في تعايش الأغلبية المسلمة من أهل البوسنة مع صرب البوسنة الأرثوذكس، والكاثوليك من كروات البوسنة معا، وفي تقديم نموذج أوروبي إسلامي بديع في التسامح والتعايش. ولا عجب، فقد كان تاريخ البوسنة منذ الأزل متسامحا على هذا النحو، بل إنهم قدموا نموذجا نادرا في الحرب حين كانت قذائف الصرب توجه للبيوت والمساجد والمباني بلا تفريق، بينما لا يرد البوسنيون برصاصة واحدة، إلى كنيسة أو كاتدرائية، وهو ما سمعته من كثر هنا بينهم سفير البوسنة في الكويت ياسين رواشدة الذي التقيته في الكويت، وأدهم باشيتش، مساعد وزير الخارجية البوسني، والسفير الأسبق لجمهورية البوسنة والهرسك في دولة الكويت، و جافريلو جروهافاش نائب رئيس الحكومة ووزير الثقافة والرياضة و السيد أحمد خطاب السفير المصري في البوسنة الآن، ود.عصمت بوتشاليتش، عميد كلية الدراسات الإسلامية، وغيرهم.


وداعا للحرب
إنتهت آثار الدمار التي كانت شاهدة على واحدة من أكبر مجازر التطهير العرقي التي شهدها القرن الماضي، وما بقي منها أكثره ذكريات مريرة، وشواهد قبور الشهداء، الذين راحوا ضحية حرب عرقية باهظة، في أماكن عديدة وبينها منطقة "كوفاتشي"، يتوسطها ضريح الزعيم الراحل علي عزت بيجوفيتش .
تحلت العاصمة سراييفو بحلة جديدة، لا تخلو من وجوه حداثية عدة، تؤكد أنها تسعى حثيثا للحاق بركب الدول كاملة العضوية في الاتحاد الأوروبي، حتى لو بددت تلك الأحلام بعض المصاعب الاقتصادية والسياسية التي سنلقي عليها الضوء تباعا في ثنايا هذا الاستطلاع، لكن ما يدعو للتفاؤل، في ملامح الناس، وحديث الشباب، ورجال السياسة والدين، والكتاب، والمستثمرين، وعارضات الأزياء ممن التقينا، وغيرهم، أكثر بكثير من نبرات التشاؤم.
في قلب المدينة الذي يتضمن منطقة السوق العتيق الممتليء بحوانيت خشبية انيقة، تتجاور على ضفتي الدروب والأزقة المبلطة بالحجارة، تتكدس بها ألوان من أعمال يدوية من الخشب والنحاس، صواني، أواني القهوة البوسنية التقليدية المكونة من الكنكات، والفناجين وقواعدها النحاسية المزركشة، أباريق، لوحات خشبية، واخرى معدنية، وأوان خزفية بديعة مرسوم عليها بعض أهم معالم سراييفو الأثرية، صناديق خشبية صغيرة مزخرفة برسوم ملونة، شالات نسائية، وغيرها، بينما تتناثر بين تلك الحوانيت مطاعم تركية، ومقاه، وملاه ليلية.
هذا الجانب من المدينة هو الجانب الذي يمتليء بالشباب. شباب من الجامعيين، بصحبة فتيات جميلات رشيقات، شقراوات أو صهباوات، أو ذوات شعور سوداء كالحة تعبر عن الجمال الذي تعرف به منطقة البلقان إجمالا، أو فتيات يتمشين، في الطريق إلى مطعم أو مقهى، أو إلى حفل راقص، أو حفل موسيقي لعازفين وموسيقيين من شباب البوسنة أو من رموز الطرب المشهورين من عهد يوغسلافيا، أو يعبرن الممشى الطويل الممتد تقاطعه مع شارع تيتو التجاري.
أما الكهول، وكبار السن من المتقاعدين، فسوف تجدهم متجمعين صباحا في ساحة مبلطة ببلاطات مصقولة على مقربة من باتشارشيا وبجوار الكنيسة الأرثوذكسية، يتحلقون حول مساحة كبيرة من الأرض، تمثل رقعة شطرنج كبيرة، تنتثر عليها قطع شطرنج ضخمة، يحركها كل من لاعبين متحمسين بحملها على البلاطات الكبيرة على أرض الباحة، بينما يقف المتفرجون يفكرون عميقا في اللعبات المحتملة، وبعضهم يستسلم جالسا لأشعة الشمس الدافئة حتى يغفو.

نبض الحياة
ثمة نوع من الألفة التي تلفك بها سراييفو على الفور، فتنفض عنك إحساسك بالغربة سريعا، وهو ما ترسخه عناصر أخرى بينها رؤية المساجد، وأبراج الساعة التي تحدد مواقيت الصلاة، والأبنية التركية التي تشبه الآثار العثمانية في مصر والشام، مثل التكايا والسبيل، والمدارس القديمة، والاستماع إلى صوت الآذان، بلغة عربية سليمة، وبأصوات جميلة خلابة، تجاورها الكاتدرئيات والكنائس في مساحات متجاورة.
في قرارة نفسي كان لدي يقين بأن التاريخ موجود في كتب التاريخ، لكني كنت أرغب في التعرف على الراهن، أن أرى المدينة اليوم بكل ما يمثل واقعها المعاصر الآن وهنا. أن استمع إلى نبضها المعاصر. وهكذا كنت مشغولا بالتفكير في كيفية إيجاد الفرصة للاقتراب من الشباب والفن في هذه المدينة بين ازدحام الجدول المعد لنا للمقابلات الرسمية وزيارات المدن الأخرى خارج سراييفو.
أبدأ من الفن، مشيرا لأن مهرجان "شتاء سرايفو" الذي يقام في شهر فبراير من كل عام والذي تأسس منذ اولمبياد 1984 التي اقيمت في البوسنة، والذي يرأسه ويدير فعالياته الشاعر والكاتب ابراهيم سباهيتش، بقدر ما يمثل مناسبة سنوية لحضور العديد من الفنانين من أرجاء أوروبا والعالم في فنون الموسيقى والمسرح والغناء والرقص والفن التشكيلي والافلام التسجيلية وعروض الفيديو آرت وغيرها، ليقدموا فنونهم لجمهور البلقان، فإن المهرجان نفسه عادة ما يكون مناسبة مهمة لكي يعرض الفن البوسني نفسه للعالم عبر عروض موسيقية لفنانين أمثال دامر إماموفيتش، الذي يعد أحد الأسماء المهمة في الفن الموسيقي في البوسنة في الوقت الراهن، وفي البلقان بطبيعة الحال.
كما أن البوسنة عرفت في السنوات الأخيرة نهضة سينمائية عبر مجموعة من المخرجين الشباب مثل ياسميلا جبانيتش، والأخوان نهاد وسعيد كريشيفيلياكوفيتش، اللذين قدما عددا من الأفلام التسجيلية، والروائية، وبعضها من تأليف نهاد وإخراجه أيضا. بالإضافة إلى سييلا كامريتش ودانيس تانوفيتش الذي حصل على جائزة الأوسكار عن فيلم No Man’s Land في العام 2002 ، وإدمير كينوفيتش وبيير جاليشا وغيرهم.
كان لافتا تتويج جهود شباب صناع السينما في البوسنة بحصول فيلم "جرابافيتسا" للمخرجة ياسميلا جبانيتش على جائزة الدب الذهبي من مهرجان برلين السينمائي الدولي قبل ثلاثة أعوام (العام 2006)، والذي قامت ببطولته الممثلة الصربية ميليانا كرابوفيتش، ممثلا في شخصية سيدة من البوسنة تتعرض للاغتصاب من رجل صربي خلال الحرب، وتنجب من الاغتصاب طفلة تنشئها بدون أن تخبرها عن هوية أبيها الحقيقية، وتعيش في صراع مستمر بين كرهها للرجل ومحبتها لابنتها، وفي محاولتها أن تخبيء هذه الفضيحة عن الابنة، حتى ينكشف الأمر.في مجال الموسيقى يعد دامر إماموفيتش أحد رموز الجيل الجديد من الموسيقيين، الذي يحاول مزج بعض الفنون الموسيقية الجديدة مثل الجاز مع الموسيقى التقليدية في البوسنة والمعروفة باسم Sevadah، وكان والده زعيم إماموفيتش، أحد رموز هذا اللون الموسيقي التقليدي البوسني في أرجاء يوغسلافيا. كون دامر فريقا موسيقيا من اثنين من العازفين بالإضافة إليه حيث يغني ويعزف على الجيتار، ويحظى هو وفريقه بشعبية كبيرة في سراييفو وفي البلقان، ويقوم بجولات فنية في بلجراد والعديد من العواصم الأوروبية. وهناك العديد من الفنانين الموسيقيين البوسنيين من أمثال جرافكو كوليتش، وخالد باشليتش الذي يعد نجما كبيرا هنا، وغيرهم كثير من الفنانين
مقدمة الاستطلاع المصور :نشر في مجلة العربي العدد 609-سبتمبر2009

Wednesday, September 30, 2009

أبناء الجبلاوي والبحث عن الإرث العظيم



أبناء الجبلاوي لإبراهيم فرغلي والبحث في علاقتنا بالإرث العظيم

حاتم حافظ

يخدعنا ابراهيم فرغلي هذه المرة‏,‏ يخبرنا أنه قد انتهي من كتابة رواية فإذا به لم يصنع إلا متاهة سوف نظل لسنوات نحلم بالأمل في الفكاك منها‏.‏


يستدعي فرغلي في روايته الجديدة أبناء الجبلاوي ـ ما هو أكثر من التناص ـ يستدعي روايات نجيب محفوظ بأشخاصها وفلسفاتها بل ولغتها كذلك ليس كأدب فحسب ولكن ـ أيضا ـ كإرث تشكل العلاقة بين رواية فرغلي وإرث محفوظ مفتتح الرؤية لا في علاقة هذا الجيل ـ التسعيني ـ بإرث أدبي عظيم ولكن أيضا في علاقة هذا الجيل بتراثه‏,‏ ولهذا فإن إشارة فرغلي لمحفوظ فيما بعد انتهاء الرواية قائلا عنه الذي أضاء لنا طريقا لبناء الرواية‏,‏ باللغة والفلسفة‏,‏ فمنحنا المعاول لنعرف كيف نضرب بها المبني الروائي بإزميل الحداثة إشارة دالة علي الطريقة التي تعمل بها روايته‏.‏


هذه رواية يمكن لنا ـ باعتبارها متاهة ـ أن نقرأها من نهايتها‏,‏ أو هكذا علينا أن نفعل حين نكتشف أن الصوت الايروتيكي الذي كان كبرياء يسمعه في بداية الرواية‏,‏ وعبر مشاهده‏,‏ هو نفسه الصوت الذي جلبه لنا كاتب الكاشف كشرارة لإطلاق المعاول في جسد الإرث الذي نحمله كصخرة سيزيف‏.‏ فرغلي يقسم الرواية لعدة أجزاء مشكلا متاهته أو متاهتنا‏,‏ فبعد أن ينتهي الجزء الأول والذي يظهر لنا كبرياء كشخص يبحث عن هويته ولا يعرف له أبا أدمنت تأمل وجهي في المرآة‏,‏ آملا أن أركب في مخيلتي صورة لأبي‏,‏ نفاجأ في الجزء الثاني بأن ما قرأناه ليس إلا فصول رواية كتبها كاتب فاشل كاتب الكاشف لنبدأ في التعرف عليه كشخص يبحث هو الآخر عن هويته رغم أنه يعرف أبيه جيدا‏,‏ ولكنه بعد سفره لدراسة الفلسفة في باريس وحتي بعد عودته يظل يلح علي محاولة التأقلم مع العالم‏,‏ ويظل في وعيه تجربته مع الغيرة كمفهوم متبدل الصورة والمعني في ثقافتين مختلفتين‏,‏ ثقافة المنشأ وثقافة الإدراك‏.‏


حتي حبيبته جيسبكا فإنها تعرض علي نجوي حبيبة كبرياء مشاركتها الظهور في فيلم تسجيلي يسجل تجربة فتاتين من ثقافتين مختلفتين في علاقتهما بجسدهما‏,‏ خصوصا إذا عرفنا أن نجوي كانت تتعري لكبرياء دون أن يمسها سانتشيت لفكرة أن جسدي أصبح فكرة جمالية خاصة‏.‏ورغم أن قصة اختفاء أعمال نجيب محفوظ الفانتازية يمكن أن تسلب عقولنا‏,‏ بما لها من اصداء داخل الرواية‏,‏ كبيروقراطية الدولة وتخلفها مع التعامل مع أزمة بمثل هذا الحجم‏,‏ أو بإنطلاق غيبيات المصريين وتوهمهم أن شخوص محفوظ بدأت في الظهور في أماكن بعينها‏,‏ أو بتحويل المسألة لدي البعض إلي ألعاب فيديو‏,‏ فإن حضور روايات محفوظ وليس اختفاؤها يظل هو السؤال المطروح في الرواية‏,‏ لأننا لن نعرف في الرواية كيف اختفت روايات محفوظ‏,‏ لأن المهمة الموكلة لكبرياء والتي صاحبته فيها رادوبيس لن نعرف نهايتها‏,‏ فما سوف نعرفه هو مصدر الصوت الايروتيكي‏.‏ ففي ظني أن الرواية تضع الصوت الذي أحيا الجيران من موت المشاعر‏,‏ وصمت الأرواح‏,‏ ورتابة الملل‏,‏ وأقنعة الزيف بإزاء إرث محفوظ‏,‏ باعتبار الأول هو المكبوت في ثقافة تسارع نحو تصحرها‏,‏ وإزاء سؤالنا عن هذا الصوت ومصدره يجب أن نستدعي الإرث لا لنعرف كيف أضعناه ولكن لنعرف ماذا نفعل به‏.‏ولهذا فإن الرواية تبني باستلهام روح محفوظ ليس فحسب علي المستوي اللغوي ولا الفلسفي‏(‏ الأخير تمتليء به الرواية‏)‏ ولكن أيضا علي مستوي الحداثة التي بدأها محفوظ‏.


‏ورغم أن الرواية مثلا ضمن استدعائها لعدد كبير من روايات محفوظ وعدم اشارتها لرواية الطريق‏,‏ فإن الأخيرة تظل منبت السرد لدى فرغلي‏,‏ في السؤال عن الأب‏,‏ عن الإرث الذي خلفه‏,‏ في تحوله إلي عبء يجب تفكيكه لتشييد حداثة بديلة‏,‏ لا علي مقولات تقليدية ولكن علي أرضية المكبوت‏,‏ بعد تحريره‏.‏ ولهذا فإن ايروتيكية الرواية ـ وهو ملمح ليس هينا ـ ضرورة لا ترفا روائيا‏,‏ وليس تزيدا‏.‏


فرغلي نفسه بصوت كاتب الكاشف يصف النصوص التي لا تتناول الجنس بأنها روايات ديكتاتورية‏,‏ ولهذا فإننا ـ علي عكس روايات فرغلي السابقة ـ يمكننا الانصات لكلام عن السياسة ـ فالدولة البوليسية التي تبدأ خطة بمسمي سري كاميرا لكل مواطن محاولة اكتشاف أين ذهبت نصوص محفوظ هي نفسها الأم الصارمة التي حولت نجوي لكائن يمتلك أصوات أربعة لا يعرف أيها نفسه‏,‏ وهو نفسه الأب الصارم الذي جعل من رفيق شخصا أنانيا يبحث عن اللذة أينما كانت‏,‏ وهو أيضا مبرر تحول الجميع إلي شبه أرقام في ملفات الدولة‏.‏ وهي نفسها داعي المتاهة التي تتخلق لنا عبر سارد افتراضي يكتب رواية عن كاتب يكتب رواية عن آخر يكتشف أن الصرخة الذي يسمعها ليست إلا لوعة اكتشاف حبيبته لذاتها في معية الكاتب الذي صنعه وصنعها‏!‏


هذه رواية لن تنتهي بقراءتها‏,‏ فمثلها مثل الصرخة الايروتيكية‏,‏ ستظل تطاردنا كنبوءة‏,‏ ما لم نتدارك علاقتنا بالإرث الذي خلفه الأب‏,‏ حتي ولو كان هذا الأب مجهولا بالنسبة لنا‏,‏ وما لم نقم برحلتنا الخاصة في مركب في النيل مثلما فعل كبرياء بمعية رادوبيس‏,‏ حتي ولو كنا نحمل ـ مثله ـ ذراعا مكسورة فلا يجب أن نهمل الدفة أبدا بإزاء المستقبل‏
مقال لحاتم حافظ نشر في الأهرام المسائي في أغسطس 2009.‏

Tuesday, September 15, 2009

بيت بريخت


بيت بريخت‮.. ‬ونوافذ تطل علي الحياة‮!‬


كتب ابراهيم فرغلى


من بين بيوت الأدباء التي أتيحت لي فرصة زيارتها أحببت البيت الصيفي لبرتولد بريخت‮. ‬بيت صيفي أوروبي،‮ ‬بالسقف الخشبي المخروطي الداكن اللون،‮ ‬تتخلل واجهته والجانب المطل علي البحيرة نافذة زجاجية بحجم الجدار تقريبا محددة بأطر خشبية صغيرة‮.‬ جاءت زيارتي لبيت بريخت بمحض الصدفة،‮ ‬حين كنت في زيارة لإحدي أفراد العائلة د.سونيا حجازي في برلين واقترحت اصطحابي،‮ ‬مع عائلتها الصغيرة،‮ ‬إلي بيت صيفي علي بحيرة في قرية بوكو التي تبعد نحو‮ ‬70‮ ‬كيلومترا من برلين‮. ‬وكان بيت بريخت الصيفي وزوجته هيلين فايجل،‮ ‬هو البيت المتاخم‮.‬ أحببت هذا المكان لأنني أظنه المكان المثالي لكاتب،‮ ‬علي النقيض من بيوت زرتها عمدا‮: ‬مثلا صدمني بيت فيكتور هيجو بفخامته الارستقراطية،‮ ‬وفراش نومه الوثير المغطي بناموسية تتدلي من أربع أعمدة خشبية تحيط بالفراش،‮ ‬بينما منزل‮ ‬هرمان هسة،‮ ‬علي بساطته،‮ ‬وارضياته الخشبية،‮ ‬لم يكن سوي موقع ميلاده،‮ ‬والأمر نفسه بالنسبة للبيت الريفي شرقي الطراز الذي ولد فيه إيفو أندريتش قبل ان ينتقل ليعيش في فيشيجراد،‮ ‬علي الحدود مع صربيا قريبا من نهر درينا،‮ ‬مع أمه بعد وفاة ابيه‮.‬ أشجار الصنوبر الباسقة،‮ ‬شجيرات الورد البري،‮ ‬كأنها أشجار السماء تحيط بالبيت البسيط من كل مكان،‮ ‬فيما تطل‮ ‬غرفه الداخلية علي البحيرة الرمادية الغامضة الفاتنة‮: ‬بحيرة شيرموتزيل المحاطة بكثافة خضراء من كل الاتجاهات حولها إلي الجوار مبني خشبي صغير تناثرت فيه بتنسيق قطع من ديكور مسرحياته،‮ ‬وبينها العربة الخشبية الشهيرة‮ ‬في مسرحية الأم الشجاعة‮. ‬هذا المبني القريب تماما من البحيرة كان في الواقع‮ ‬غرفة الكاتب،‮ ‬غرفة بريخت كاتبا‮.‬ من نوافذ البيت المتاخم كنت أتأمل البحيرة‮: ‬أتساءل كيف رآها بريخت؟ بم أوحت إليه؟ إلي ما تفضي تلك الضفة الأخري القريبة كثيفة الأشجار والخضرة؟‮ ‬غابة أخري مثل الغابة التي تقع خلف بيت بريخت نفسه؟ أظن أن ثمة علاقة وثيقة بين بيئة الكاتب ونصه‮. ‬الكاتب المحاط بالغابات،‮ ‬والبحيرات الغامضة وتلال الأخضر اللانهائي المترامية،‮ ‬لا بد أن يكتب نصا مركبا،‮ ‬ففي الغابة عليك أن تسير بين أعداد لانهائية من الأشجار الباسقة،‮ ‬لا تسمح لك برؤية أي أفق،‮ ‬عليك أن تخترقها،‮ ‬أن تحفز حواسك‮: ‬أن تنصت لأصوات الطيور،‮ ‬وحفيف الأشجار،‮ ‬وخشخشة أوراق الشجر تحت قدميك،‮ ‬وتتكهن بما لا تراه‮. ‬عليك أن تمنح خيالك طاقته القصوي لكي تتنبأ بما تأويه الضفة الأخري من البحيرة‮.‬ بينما بيئتنا نحن مسطحة مكشوفة،‮ ‬صحراوية،‮ ‬بسيطة،‮ ‬أفقها محدود‮. ‬فكرت أيضا في أن نزعة الأسطورة والغرائبية عندي ربما مستقاة من البيئة التي تشكل فيها وعيي،‮ ‬في سلطنة عمان،‮ ‬محاطا بالجبال،‮ ‬والكهوف،‮ ‬عوالم كاملة،‮ ‬ومتاهات،‮ ‬في بطون الجبال،‮ ‬الرطبة،‮ ‬الغامضة الكتوم‮. ‬أنا أيضا‮ ‬غامض وكتوم كما يطلق علي المقربون‮.‬ أحببت بيت بريخت ربما لأنني لم أمتلك حتي اليوم مكانا للكتابة،‮ ‬ولعلني لو وجدت مكانا كهذا يوما سيستبد بي الحنين في فضائه للمقاهي العديدة التي كتبت فيها جميعا،‮

‬وبالخصوص لكل ركن متاخم لنافذة تطل علي الحياة‮.


نشرت في صحيفة روزاليوسف 13 سبتمبر2009‬

Saturday, September 12, 2009


المغالطات المعرفية على ويكيبديا
إبراهيم فرغلي


عندما تناولت موضوع الموسيقى على الإنترنت، في هذه الزاوية، قبل عدة أشهر، لفتُ الانتباه إلى المغالطات التي تتضمنها الموسوعة الإليكترونية العالمية (وكيبيديا) فيما يتعلق بالموسيقى العربية، في القسم العربي من الموسوعة، وهي مغالطة واحدة من مغالطات عديدة تكشف عن الكثير من الدلالات.
ولعل اول هذه الدلالات أن هناك جهات تتعمد بث السم في العسل ،عبر ترويج مقولات غير موثقة، ومغرضة، تبتغي إشاعة الجهل، والتعصب، وضيق الأفق.
الدلالة الثانية هي ان مثل اولئك الذين يقومون بمثل هذه المغالطات يفتقرون الحد الأدنى من النزاهة اللازمة للتعامل مع المعرفة. هذه النزاهة تتجلى في الجزء المكتوب باللغة الإنجليزية في الموسوعة ذاتها، والتي يبدو ان من يقوم بنشر المعلومات فيها لا يدرك قيمة العلم الذي ينبغي، اولا وتاليا، ألا يتحيز سوى للمنطق وللعقلانية، وهو ما يعني تقصي المعلومة وتوثيقها، والأخذ بكل ما يتناول الموضوع من قريب أو بعيد.
كما أن هذا التعامل القاصر مع الموسوعة يتغاضى عن الهدف الحقيقي منها، وهو نشر المعلومات بحياد، إذ أن تعريف منشئي الموسوعة لها بالنص هو أنها:" مشروع
موسوعة، متعددة اللغات، مبنية على الإنترنت، حرة المحتوى. يساهم فيها أكثر من 75،000 مساهم نشط يعملون على أكثر من 13،000،000 مقال في أكثر من 260 لغة؛ 101,608 مقال منها باللغة العربية. يوميا، آلاف الزوار من مختلف أنحاء العالم يجرون الكثير من التعديلات، وينشئون الكثير من المقالات الجديدة.
منذ أنشئت ويكيبيديا في عام 2001، نمت بسرعة لتصبح واحدة من أكبر المواقع على الإنترنت ولتجذب أكثر من
65 مليون زائر شهريًا في 2009. الزوار ليسوا بحاجة إلى أي مؤهلات للمشاركة في ويكيبيديا، ‌لذلك يحرر ويكيبيديا الكثير من المساهمين في مختلف الأعمار والخلفيات الثقافية. باستثناءات نادرة؛ أي شخص يمكنه تعديل الصفحات، بنقر وصلة "عدل هذه الصفحة" في أعلى كل الصفحات. أي شخص مرحب بمساهمته المرفقة باستشهادات ومصادر في ويكيبيديا وفقا لبعض السياسات والإرشادات، النصوص بدون مصادر معرضة للحذف.
تكمن قوة موسوعة ويكيبيديا في نظام إدارة المحتوى المستعمل فيها المسمى "
ميدياويكي"، حيث لا حاجة للقلق عند إضافة أو تحسين معلومة. العديد من المساهمين في ويكيبيديا على استعداد لتقديم المشورة والتصحيح حول المساهمات.
النسخة العربية من الموسوعة الحرة بدأت في يوليو 2003، وما زالت في مرحلة بناء المحتويات، لذا فإن أي تعديل، أو إضافة مهما كانت بسيطة، هي ذات قيمة كبيرة للموسوعة العربية".
فصحيح إذن ان الموسوعة تبدو موسوعة شعبية بشكل ما من حق اي شخص ان يضيف إليها بشرط الإشارة للمصدر، لكن المعلومة تقتضي ان يتم استكمالها بكافة وجهات النظر الخاصة بموضوع من الموضوعات. لكن واقع النسخة العربية منها لا يبشر بذلك.
وبينما يبدو ان هناك من استجاب لما نشرته "العربي" عن الموسيقى في الموسوعة، وتم تعديل النص بشكل علمي، إلا ان هناك العديد من اوجه القصور التي تعيب النسخة العربية المشار إليها، فمثلا في الجزء الخاص بالكاتب العربي الحائز على نوبل؛ نجيب محفوظ، سنجد جزءا خاصا برواية أولاد حارتنا يتناول تفسيرا دينيا للرواية وبه مقاربة ساذجة ومباشرة لشخصيات الرواية بنماذج من شخصيات دينية، وهو ما ينافي طابع الرواية الخيالي وفقا لإشارات النقاد المتخصصين في الأدب، ووفقا لما أكده الكاتبين الإسلاميين أحمد كمال أبو المجد، وسليم العوا. حيث يقول الدكتور ابو المجد في مقال نشر في مقدمة الطبعة المجازة من الرواية أخيرا:
"ان من اصول النقد الأدبي التمييز الواجب بين الكتاب الذي يعرض فيه الكاتب فكرته ويحدد مواقفه، ملتزماً – في ذلك – بالحقائق التاريخية، والوقائع الثابتة، دون افتئات عليها، ودون مداراة لما يراه في شأنها... وبين الرواية التي قد يلجأ صاحبها الى الرمز والإشارة، وقد يدخل فيها الخيال الى جانب الحقيقة العلمية، ولا بأس عليه في شيء من ذلك، فقد كانت الرواية – قديماً وحديثاً – صيغة من صيغ التعبير الأدبي، تختلف عن «الكتاب» والالتزام الصارم الذي يفرضه على مؤلفه. وفي اطار «اولاد حارتنا» فإنني فهمت شخصية «عرفة» بأنها رمز للعلم المجرد، وليست رمزاً لعالم بعينه، كما فهمت شخصية «الجبلاوي» على انها تعبير رمزي عن «الدين» وليست بحال من الأحوال تشخيصاً رمزياً للخالق سبحانه وهو امر يتنزه عنه الأستاذ نجيب محفوظ ولا يقتضيه أي اعتبار ادبي فضلاً عن ان يستسيغه او يقبله.
القضية الثانية: حرية التعبير والموقف منها، ذلك انه مع التسليم بأن الحريات جميعها انما تمارس في جماعة منظمة، ولذلك لا يتأبى منها على التنظيم والتعبير إلا حرية واحدة هي حرية «الفكر والاعتقاد» بحسبانهما امراً داخلياً يسأل عنه صاحبه امام خالقه، دون تدخل من أحد، حاكماً كان ذلك الأحد او محكوماً، اما حين يتحول الفكر الى تعبير يذيعه صاحبه وينشره في الجماعة، فإن المجتمع يسترد حقه في تنظيم ذلك التعبير دون ان يصل ذلك التنظيم الى حد اهدار اصل الحق ومصادرة جوهر الحرية، ذلك ان الهدف من إجازة هذا التنظيم انما هو حماية حقوق وحريات اخرى فردية او جماعية قد يمسها ويعتدي عليها اطلاق حرية الفرد في التعبير، وتمنعها على التنظيم والتقييد، ويبقى مع ذلك صحيحاً ان الأصل هو الحرية، وأن التقييد استثناء تمليه الضرورة، والضرورة إنما تقدر بقدرها، ومن شأن الاستثناء ألا يقاس عليه او يتوسع فيه.
وأهم من هذا كله، ان الشهادة التي قدمتها ليست رأياً لي، وإنما هي تفسير كاتب «اولاد حارتنا» لما كتبه، وبيان واضح لا يحتمل التأويل لموقفه من القضايا الكبرى التي اثارتها تلك الرواية، وهي – على كل حال – آخر ما صدر عن نجيب محفوظ، امد الله في عمره، حول القراءة الصحيحة لـ «اولاد حارتنا» باعتبارها «رواية» للخيال والرمز فيها دور كبير، وليست «كتاباً» يقرأ قراءة حرفية للتعرف على موقف مؤلفه من القضايا التي يطرحها بعيداً من الرمز والخيال"
، إلى هنا ينتهي كلام الدكتور ابو المجد، وهو مقال كان قد نشر لأول مرة في العام 1994.
وبالرغم من أن هناك رابطا يحيل لهذه المقالة لكنها لم تنشر بالنص كما نشرت تلك القراءة التعسفية الدينية للنص.
وإذا كان هذا أحد أوجه عدم الحياد في بناء الموسوعة في قسمها العربي، إلا انه ليس الجانب الوحيد للتقصير، فهناك أيضا قصور كبير فيما يتعلق بالأدب العربي والفنون، وهناك تقصير كبير من الكتاب الشباب في إضافة المعلومات الأساسية عن الكتاب العرب، فهل يعقل مثلا ان نجد في تعريف اسماء الكتاب المصريين اسماء مثل احمد العايدي ومحمد علاء الدين وعلاء سالم، ولا يوجد تعريف بالغيطاني أو ابراهيم اصلان أو محمد البساطي أو يحي حقي؟ ناهيك عن أن تصنيف الكتاب العرب يخلو من غالبية أسماء الكتاب العرب.
وفي الفنون أيضا سنجد أن هناك موادا مبتسرة عن الرقص، والفنون الشعبية، وغيرها، وسنفاجأ بعدم وجود صفحة خاصة بالفن التشكيلي في الجزء العربي، بينما سنجد النسخة الإنجليزية التي تتناول الأدب أو الفنون العربية بها إشارات وافية وأهم بكثير مما هو موجود على النسخة العربية من الموسوعة.
والحقيقة أن هذا كله مع وجود الكثير من الأخطاء الإملائية والنحوية من شأنه أن يسيء لمصداقية الموسوعة، والمطلوب هو حماس بعض المتطوعين لتنقيح الموسوعة وتزويدها بالمعلومات اللازمة، وتصنيفها بشكل علمي، وبحيث يتحقق لها المامول بدلا من الطريقة البراجماتية التي يمارسها البعض بعمل تعريف له شخصيا، دون الاهتمام بأن قيمة الموسوعة في شموليتها ومصداقيتها.
ولكي تثمر الموسوعة الهدف المأمول منها لكي تكون موسوعة معرفية مجانية سهلة التصفح وسريعة، لا بد أن تتكاتف جهود الخبراء في المجالات المختلفة مع الخبراء في شؤون تغذية المواد على الإنترنت لإضافة المواد الجيدة عن كل الفروع المعرفية بحياد وموضوعية، وبلا حس رقابي من اي نوع.
إن أهم مزايا الجزء الإنجليزي من الموسوعة ذاتها هو تخلصها التام من اي حس رقابي، وبالتالي فإنها في تناولها لقضايا حساسة تراعي تناول الموضوع من كل جوانبه، وحتى في تناولها بالتعريف بأزمة الرسوم الدانماركية ورأي حرية التعبير في الموضوع، قدمت في المقابل تعريفا موضوعيا شاملا للإسلام وجوهر رسالته وإعجاز القرآن، كما عرفت الشخصية المحمدية بالشكل الذي يعرفه به كل المسلمين، وهذا هو هدف أي موسوعة معرفية
نشرت في زاوية "ثقافة إليكترونية" في مجلة العربي العدد 610 سبتمبر 2009.