Monday, April 4, 2011

الخيال والانترنت

الخيال والإنترنت



يبدو أن ثمة علاقة كبيرة بين امتلاك الشعوب للخيال، ومدى امتلاكهم القدرة على التطلع للمستقبل. فكل منجزات العلوم الحديثة هي ناتج خيال أفراد تجاوزوا بأفكارهم حاجز الواقع الآني المحدود، واخترقوا الحواجر لكي يتخيلوا ما وراء الواقع، والنتيجة كانت دائما هي استحضار المستقبل، بكل ما يعنيه ذلك. وهناك تعريف مبسط للمخيلة يقول بأنها "القدرة الفطرية في العقل البشري لخلق أفكار أو صور عن عوالم من أشخاص غير واقعية كليا أو جزئيا، وذلك بدءا من عناصر يستمدها العقل من إدراكاته الحسية للعالم الخارجي المشترك بين الناس".

أما شبكة الإنترنت، كابتكار ثوري في صناعة الاتصالات، فهي بالتأكيد نتيجة خيال واسع، بدأ مع اختراع الحاسب الآلي عبر التفكير في إيجاد وسائل اتصال افتراضية بدلا من الوسائل التقليدية، وصولا للتفكير في إيجاد مساحة افتراضية يمكن من خلالها تداول لانهائي للمعلومات بشكل عولمي.

لذلك فجزء كبير من محتوى شبكة المعلومات الدولية يتضمن، بالضرورة، العديد من المواقع التي تحتفي بالخيال، وبالتدليل على القدرات غير الاعتيادية للمخيلة البشرية، إذا تحررت، وأطلقت بكامل قدراتها بلا كوابح. فهناك مواقع مختصة بنشر نصوص تعتمد على الخيال وترتبط في الوقت نفسه في تنافس الفنون المصورة في ملاحقة الإبداع المتخيل، وهناك مواقع مختصة بقصص الخيال العلمي، في عشرات الصور والتنويعات، كما تتواجد على الشبكة عشرات المواقع المختصة بالاحتفاء بالقصص الخيالية، من مثل روايات توكين مؤلف "ملك الخواتم"، مرورا إلى قصص الأطفال بأنواعها المختلفة، وصولا للمواقع المختصة بفن القصص المصورة أو "الكوميكس".

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو على المحتوى العربي على الإنترنت يعكس تمتع الثقافة العربية المعاصرة، بالخيال. والإجابة بديهية بطبيعة الحال، وهو أن المحتوى العربي في هذا المضمار لا يمكن أن تقاس على أي نحو، أو تقارن بالمحتوى الغربي، عدديا، أو نوعيا.

بإمكان أي شخص أن يجري بحثا على كلمة خيال في محرك البحث جوجل أو غيره وسيجد الاف النتائج لكنها في غالبيتها العظمى مجرد وهم، أسماء لمنتديات تحمل اسم خيال، او أسماء أغنيات، أو ما شابه. بينما البحث عن كلمة
imagination
  في المقابل على محرك بحث "جوجل" فسوف تحيلنا إلى 38 مليون نتيجة يمكن أن تجد بينها في الصفحة الأولى وحدها عشر نتائج قيمة عن محتوى ويكيبيديا التعريفي مثلا بالمصطلح، ثم مئات المواقع التي تتناول الخيال العلمي، والمواقع العلمية، والمجلات المتخصصة في الخيال والعلوم، والسينما، وعلوم المستقبل، ومواقع للرسوم المصورة الخيالية، وأخرى للألعاب القائمة على الخيال، وغير ذلك الاف الافكار، وملايين المواقع.

والحقيقة أننا لا نحتاج لبحث الواقع الافتراضي للتأكد من غياب الخيال في الثقافة العربية، فالنماذج حولنا في كل اتجاه تؤكد غياب القدرة على الخيال بما لا يدع مجالا للشك. الإنتاج الأدبي العربي في غالبيته ينحو للواقعية أكثر بكثير مما يتجه للخيال، أغلبه يعتمد على إعادة إنتاج سير ذاتية مطعمة بالتخييل، وفي هذا السياق يقول الدكتور شاكر عبد الحميد أستاذ النقد الأدبي:" لا يتمتع أدبنا المعاصر بخيال حر أو حقيقي، وإنما هو خيال مقيد أو محدود أو فقير، وسبق أن أعلنت رأيي هذا في حوار منشور لي منذ 10 أو 15 سنة وهوجمت وقتها هجومًا شديدًا بسبب هذا الرأي، واتهمت بأنني معادٍ للإبداع والخيال العربي، وهذا غير صحيح بالمرة..

ورأيي هذا راجع بالطبع لأسباب عديدة يطول شرحها، ولكن من أهمها الوقوع في أسر محاكاة النموذج الغربي، فمثلا تظهر الرواية الشيئية في فرنسا. فتظهر عندنا الرواية الشيئية. يظهر نموذج ميلان كونديرا.. نجد عندنا من يقلد ويحاكي ميلان كونديرا، تظهر الواقعية السحرية في أمريكا اللاتينية فتظهر الواقعية السحرية في أدبنا العربي.. وهكذا، وبناء على ما ذكرته أعلنت أن أدباءنا يعانون من نقص الخيال".

وقياسا على ما يقول د.عبد الحميد سنجد كذلك أن قصص الأطفال تعتمد في غالبيتها على المترجَم، المنقول عن الغرب، أكثر بكثير من المؤلَّف، بالرغم من الطفرة الموجودة الآن في الكتابة للأطفال، كذلك سنجد أن الخيال السياسي لدى الأحزاب ضعيف، لا ينتج أي أفكار مبتكرة، فكل ما يروج له مجرد إعادة إنتاج لمقولات كانت تقال في سياقات سياسية وتاريخية لم تعد موجودة في الواقع الراهن.

الإعلام في غالبيته مجرد تقليد، بلا روح، لبرامج غربية، وأحيانا قد لا تتناسب مع الثقافة العربية، والأمثلة عديدة في مجتمعنا. الدراما في غالبيتها تنويعات على تيمات مكررة وتقليدية.

ولا شك أن هذه نتيجة بديهية لمجتمعات تعتمد مناهج التعليم في أغلبها على الحفظ والنقل بدلا من الخيال والتفكير وتربية العقل النقدي والابتكاري، كما أنها بديهية في مجتمعات خاضعة لسلطات الرقابة الدينية والأخلاقية بلا معايير واضحة، والتي تعتمد في غالبيتها على معايير لم تعد تواكب العصر الذي اصبح الفضاء الافتراضي فيه نافذا على كل شيء بالصوت والصورة والكلمة المطبوعة، وما تؤدي إليه مثل تلك الذهنيات الرقابية من تعطيل القدرات الخاصة بالابتكار بسبب إشاعة مثل هذه المناخات الرقابية لحالة من الرقابة الذاتية التي قد يفرضها بعض المبديعن على ذواتهم أو تفرضها المطبوعات ووسائل الإعلام، وأيضا ما يؤدي بالكثير من القنوات الإعلامية للجوء للمضمون بثه بلا رقابة، مهما كان تافها أو عاديا أو منقولا.

وانتيجة النهائية لمثل هذا المناخ أن يتم تفريخ مجال الإبداع من الموهوبين الحقيقيين لصالح أنصاف المواهب ممن يبرعون في النقل والتقليد وإنتاج الرائج مهما كان مبتذلا، مما يؤدي لانحطاط المنتج الفني والثقافي بشكل عام.

إن أي مجتمع يرغب في الوصول للمستقبل لن يتمكن من قطع خطوة واحدة إذا لم يكن قد استطاع تخيل هذه الخطوة مسبقا وخلقها من العدم لكي تصبح حقيقة واقعة، وبالتالي فأي مجتمع بلا خيال هو مجتمع بلا مستقبل، لم يستثني التاريخ من هذه الحقيقة أفرادا أو كجتمعات.

نشرت في زاوية "ثقافة إليكترونية" - مجلة العربي - مارس2011

6 comments:

Anonymous said...

الأستاذ إبراهيم فرغلي
السلام عليكم
سعدت بقراءة مقالتك "الخيال والإنترنت." ولم أستطع أن أعلق في مدونتك، لذا أعلق هنا

أوافقك الرأي فيما ذهبت إليه، مع ميلى إلى استعمال كلمة "الإبداع" أو كلمة "الابتكار" بدلاً من الخيال. فالخيال في أحد معانيه عمليةٌ ذهنية تتمثل فيها القدرة على تشكيل صورٍ لأشياء قد لا تكون خاضعة للإدراك الحسي. والإبداع أو الابتكار أو الاكتشاف قد يأتي نتيجة للخيال

أما قلة الإبداع أو الابتكار لدى أمتنا فهو في رأيي نتيجة للهزائم والانكسارات المتلاحقة التي حاقت بالأمة منذ قرون. لقد فقدت الأمة ثقتها بنفسها وبقدراتها وراحت تبتعد عن تراثها مستعيضة عنه بالاستيراد -- ليس الاستيراد للمنتجات الصناعية وحسب، بل الاستيراد للأفكار والثقافات والآداب والعلوم . وما ذكرته من أن الأعمال الأدبية والفكرية التي ننتجها لا تزيد عن كونها صدى لما يصدر في الغرب صحيح بالتأكيد. وهذا يذكرني بقول ابن خلدون في مقدمته عن تبعية المغلوب للغالب

الأصل أن يساهم الاحتكاك بالغرب أو بأية حضارة أخرى في إثراء حضارتنا لا أن يطغى عليها ويحل محلها. ويدخل هذا في مفهوم التفاعل وتلاقح الأفكار الذي هو نقيض العزلة والتقوفع. لكننا مع الأسف الشديد فقدنا ثقتنا بأنفسنا، وأصبحنا نميل إلى استنساخ الفكر الغربي. لكنه استنساخ مرتجل يعوزه الكثير من الفهم والإتقان، لذا جاء مشوها ممسوخأ في أغلب الأحيان

أشكرك على طرح هذه الأفكار التي تستحق أن يلتفت إليها القائمون على الثقافة في أرض الكنانة بعد الثورة
نزار سرتاوي

إبراهيم فرغلي said...

اشكرك جزيل الشكر أستاذ نزار
ممتن لاهتمامك
واوافقك الرأي تماما خصوصا فيما يتعلق بفكرة الاحتكاك بالغرب والاثراء منه على أرض الندية
لا الخوف والريبة والتشكك
الحقيقة أننا شعوب لا تعرف نفسها لأنها لا ترى الآخرين بشكل جيد .. متقوقعة ومنغلقة على أوهامها عن ذاتها
تحياتي

محمود مودى said...

تحياتي أستاذ إبراهيم على مقالك الجميل .. وأرى من وجهة نظري أن الخيال أداة ثانوية تغذيها الثقافة ,ويثريهاالإطلاع , وتبزغ بالخبرات

هي إبرة خياطة .. صحيح أنها تعتمد على أنواع وجودة الخيوط , إلا أن مهارة الخيَّاط تبقى هي الأساس

الإستشراق العربي للمستقبل لا يفتقد للخيال بالأساس , إنما بفتقد للوعي والمعرفة التي تمنح أداة الخيال القدرة على نسج الرؤية المتخيلة

entisar said...

استاذ ابراهيم تحية طيبة
اتفق معك تماما في ان أدباءنا ومبدعونا يلجأون للتقليد ومحاكاة أدب الشعوب الاخرى
ولكن برأيك الى اي مدى يرتبط الخيال مع الحرية؟ فهل قيودها تقود المبدع الى اللجوء للخيال ؟ وإن لجأ المبدع لمساحات خياله فكيف له أن يفلت من عيون الرقيب التي تحاصره؟ .هي اشكالية الخيال والحرية والمخبر .
ربما العهد الجديد سيشرق عن ابداعات جديدة

إبراهيم فرغلي said...

عزيزي محمود

شكرا لك.. معك حق لكن خذ الثورة في تونس وفي مصر مثالا.ز لولا الخيال الي سبق ورأى كرسي العر خاليا ممن يجلس عليه ما اندلعت الثورة واستمرت

إبراهيم فرغلي said...

عزيزتي انتصار

اظن القدرة على الخيال هي موهبة في حد ذاتها.. وهي حينما تدعم بالأدوات تحقق الطفرات
في الادب قد يقف الرقيب عائقا ضد اطلاق حرية الابداع او تخفيض سقف حرية التعبير وها يؤثر على حرية التعبير.. معك حق ونأمل ان تعيد الحرية كل ما سلب من ذواتنا من قدرة على الابداع والالبتكار والخيال