Thursday, April 7, 2011

ثورة مضادة

ثورة مضادة

على الطريقة التقليدية للنظام المخلوع لإلهاء الشعب بتوافه الأمور وشغلهم بعيدا عن الجوهر والقضايا الحقيقية يبدو جليا اليوم ان هناك جماعات خفية تحرك عرائس الفزع على مسرح الحياة اليومية لكي تلهي الشعب عن ثورته.. وتحويلها من عملية تغيير حقيقي تستهدف تغيير بنية البناء القديم المؤسس على الاستبداد الى مجرد عملية تغيير في وجوه لصالح نظام بال ومتعفن..قوى غامضة وخفية يبدو جليا انها تحاول اعاقة الثوار أن يقوضوا بناء قديم مصمت، وعتيق، شيد لعقود بجدران صماء تفتقر للابداع بغية إخفاء ما يدور داخله كما هو شأن أبنية الديكاتوريات في كافة العصور، وبالتالي منعهم من تحويلها الى بناء حديث زجاجي شفاف يبتغي الرقي والحداثة.
وهكذا بدلا من الحديث الواجب اليوم عن طبيعة نظام التعليم الواجب ابتكاره في المرحلة الجديدة وفقا لأحدث المناهج التعليمية، وطبيعة البرنامج الطموح الواجب توفره لإعداد المعلمين على اعلى مستوى ممكن، كأهم خطوة لبناء المجتمع المصري، اقول انه بدلا من لك نجد الناس مشغولين بشيوخ التفاهة من اشباه الشيخ صاحب مقولة ما اسماه غزوة الصناديق.
وبدلا من بحث الطريقة والنهج الذي يجب أن يَُقَر لتحويل مصر إلى مجتمع صناعي ثقيل  في مجالات صناعات الأغذية والنسيج والصلب، وتحويل مشروعات تجميع المنتجات الى تصميم لمنتج خاص، مثل صناعة السيارات، وتطوير مجال البرمجيات، نجد الناس مشتتين في متابعة الراجل ابو جلابية المندس بين عناصر البلطجية في مباراة الزمالك مع الفريق التونسي مؤخرا
وبدلا من بحث الأسس التي ينبغي بها إعادة تأهيل العاملين في السياحة في مصر، وتثوير الأفكار السياحية بتفعيل هذه الثروة الرهيبة من الآثار السياحية لاجتذاب سواح العالم كله، ضمن خطة لجعل السياحة في مصر اهم مصدر للدخل وفق استراتيجية تقتضي دراسة كل سبل تطوير الخدمات السياحية ووضع مصر في وضع الريادة في هذا المجال، على اسس واقعية وطموح نجد الناس مشغولين ببلهاء من الزومبي الذين لا عقول لهم ممن أرهبوا الناس ، مسلمين ومسيحيين، وقطعوا أُذن مواطن بدعوى تطبيق الحدود أو هدم اضرحة، او هدم كنيسة..

وبدلا من بدء الإعداد لدراسة نماذج التنمية المهمة في العالم مثل تجربة اليابان أوكوريا أوسنغافورة أوماليزيا في النهضة وتطوير التعليم والتنمية الاقتصادية لوضع مخطط استراتيجي لما يمكن ان تكون عليه مصر خلال 30 عاما قادمة، بدلا من ذلك نجد الناس مشغولين برزان المغربي والفيديو الخاص بها، يا للتفاهة! او بعبود الزمر واقتراحه بانشاء هيئة للتكفير وهي دعوة سخيفة وساذجة تكشف عن ان هناك عقليات ميتة تريد أن تسيطر على الحياة في مصر دون ادنى اعتبار او ادراك ان مجتمع ثائر هو مجتمع يقوم ضد كافة اشكال الموات والتحجر العقلي ايا كانت دعاواه او مصادره
وبدلا من بحث الأسس اللازمة لتطوير البحث العلمي  لوضعها امام الحكومة واجهزة الدولة التي ستنتخب خلال هذا العام نجد الناس مشغولين بمحاكمة مبارك واستعادة الاموال المنهوبة.. وهذه كلها خطوات قد تتأخر او تتحقق بسرعة، ولها أولوية قصوى في تحقيق إرادة الثورة، لكنها لا ينبغي ان تكون الشغل الشاغل للناس على حساب اولويات رسم حدود النموذج التنموي الذي يجب الأخذ به في اسرع وقت ممكن وطرحه على القيادات السياسية والحكومات الي ستتولى البلاد قريبا.
وبدلا من الإسراع في تكوين صورة متكاملة مؤسسة على دراسات وافية وعلمية من كل طاقات المجتمع الراغبة في التغيير، لتعود مصر إلى مكانتها ومكانها وتتخلق صورتها الجديدة التي  نحلم بها جميعا، وبشكل عملي وعلمي مدروس وواقعي وطموح، نجد الناس خائفين ومرعوبين على الثورة وعلى حياتهم وعلى المستقبل.
خائفون من الإخوان وخائفون من قيادات المجلس العسكري ومن الجيش ومن فلول الحزب الوطني ..خائفون من شبح مبارك وخائفون من أشباح أمن الدولة وخائفون من الفتنة ومن المادة الثانية من الدستور
وهكذا تنجح نفس القوى القديمة التي أدمنت هذه اللعبة الحقيرة في تشتيت الانتباه وتضخيم المخاوف والتعيش على الشائعات في استمرار وبقاء الأمور على ما  هي عليه.. بحيث تضرب الثورة في مقتل وتضع الناس امام احتمالات التغيير الممكنة لا المأمولة وتغيير الوجوه هنا وهناك بدلا من تحطيم البناء الاستبدادي بشكل كامل لإعادة البناء على أسس الفكر الجديد المتخلص من الاستبداد والفساد والسرقة(يقتلني فعلا ان دولة تقوم على هذه المعايير تعتبر كل ذلك استقرارا)، واعادة بناء الشخصية المصرية المتهمة بنقص الانتاج وقلة كفاءته، وهذا وحده بند هام يحتاج للكثيرمن العمل في تعديل قوانين التعاقد وفي التدريب وفي رفع سقف طموح الشركات الصناعية، يقتضي - بين عوامل أخرى عديدة-  تحسين مناخ الانتاج في العقود بإدخال شروط التأمين الصحي على العقود الخاصة وبنود التأمين الاجتماعي على الموظفين والعمال وتحسين المزايا المادية من جهة الشركات التي اصبحت تستمريء عقود الاذعان التي توقعها مع الموظفين
وان يتم الشروع في تكوين معاهد تدريب وظيفي تخضع لمقاييس الكفاءة العالمية لتدريب الموظفين في كافة المجالات لتحسين الأداء والانتاجية

جاءت الثورة لتضرب فكرة الخوف من كل اشباح الماضي وبقوة توصف بأنها ناعمة لكنها قوية بصلابة الحق والجمال. وفلول النظام تنجح يوميا في إبقاء الناس في مستوى شعورهم العادي بالخوف..بينما الثورة ، أكرر، ضد المخاوف جميعا لأنها قامت لأجل القضاء على كل تلك المخاوف..
أتمنى أن يفهم "أصدقاء الثورة" الدرس قبل غيرهم ..

4 comments:

محمد الكرافس said...

أشاطرك الرأي أستاذ إبراهيم

أن ما يعرفه العالم العربي حاليا يعد بوابة نحو الانعتاق و القفز على رتابة قاتمة كنا نغرق فيها
إنها رؤية جديدة للخروج إلى فضاء أرحب يغذي الذهنية العربية و يفك عنا القيود المادية و السيكيولوجية ..

محمد الكرافس
المغرب

http://blog.amin.org/mohamedkrafess/

العربى السمان said...

استاذ ابراهيم تحية كبيرة لشخصكم الكريم واعجاب قديم بكم وبقالاتكم الجميلة

العالية الفكر والمدققة النظرة
لذا فاننى استأذنكم فى نشر هذا المقال على مدونتى المتواضعة من باب الاعجاب وعموم الفائدة على اهلى واصدقائى
لكم منى تحياتى ولمصر الحب كله فى انتظار موافقتكم
العربى السمان
http://lambahsahary.blogspot.com

إبراهيم فرغلي said...

اخي محمد
اتوقع ان نرى عالما عربيا جديدا تماما خلال فترة قريبة

إبراهيم فرغلي said...

استاذ العربي
كل الشكر والتقدير والامتنان
ويسعدني بالطبع نشر المقالة او التدوينة في مدونتكم
شكرا مرة اخرى