Thursday, August 5, 2010

فاروق عبد القادر..أضاء النفق رغم العتمة


! في العام 1994 وعقب حصول فاروق عبد القادر على جائزة العويس، كلفني نائب رئيس تحرير روزاليوسف عادل حمودة، حيث كنت أعمل آنذاك، أن أكتب بورتريها عن فاروق عبد القادر في المجلة تحية له. لم أكن قرأت لعبد القادر شيئا من كتبه، لكني كنت قرأت العديد من مقالاته التي كان ينشرها آنذاك بانتظام في روزاليوسف، وأذكر أنني اشتريت كتابين مما أتيح لي اقتناءه، وبينهما نفق معتم ومصابيح قليلة، وعدت لأعداد مجلة أدب ونقد التي كانت نشرت عنه عدة مقالات، وكتبت بعد قراءات عدة، بورتريها في نحو 500 كلمة ظلت تجسد رأيي في فاروق عبد القادر، كناقد غير أكاديمي، اختار طريقا وسطا للكتابة النقدية ليصل بها للجماهير، يمتلك ذائقته الخاصة، ولغته وثقافته، ويكتب ما يقتنع به بلا حسابات من اي نوع ويمتلك حسا نقديا، يمكنه من تمييز الجيد من غيره، مهما اختلف ذوقي مع بعض اختياراته، باختصار كان يؤدي دور الناقد المحترف على أفضل وجه ممكن، في المسرح والرواية والسينما أحيانا، على مدى عمره وحتى غيابه عنا، ذاهلا، مريضا ذاك المرض الذي كنا نعرف انه اختطفه من بيننا وأنه لن يسلمه سوى لطائر الموت.


في العام 2000 كان عادل حمودة نفسه طرفا، بين عدة أطراف، اخترتها لأجري معها مجموعة حوارات نشرت جميعا في ملف خاص في مجلة "الأهرام العربي" كنت اقترحته وأعددته عن فاروق عبد القادر تحية له، كنموذج لمثقف مستقل بمعنى الكلمة، وناقد يقاتل من أجل بقاء النقد حيا في زمن تكالب الجميع على قتله، وبأيدي النقاد قبل غيرهم مع الأسف. اخترت لمجموعة الحوارات تلك كل من عادل حموده بوصفه صديقا لعبد القادر، ورئيس التحرير الذي كان واحدا من أفضل من تعامل معهم عبد القادر، لأنه لم تكن له شروط من اي نوع حول ما يكتبه، رافعا سقف الحرية لمنتهاه، وبالتالي كان ينشر ما يكتبه عبد القادر رغم ما يسببه له من مشكلات، دون أن يتراجع عن موقفه، تقديرا لنزاهة عبد القادر. كما اخترت المستشار طارق البشري بوصفه الصديق الند الذي يقف موقفا مناقضا من أفكار عبد القادر في السياسة وفي التوجه اليساري، وهو بديهي وفقا لتوجه كل منهما الفكري والثقافي. ومع ذلك فقد كان خلافهما موضعا للنقاش المستمر والحوار الموضوعي، الذي جعل من صداقتهما نموذجا للاختلاف الموضوعي الذي يليق بالمثقفين. ثم اخترت، بالاتفاق معه، من عائلته شقيقه عبد العزيز عبد القادر أستاذ الجيولوجيا بجامعة حلوان، وابن احدى شقيقاته ياسر، الذي يعتبره الأب الروحي، والذي كانت تربط عبد القادر به علاقة تشبه الأبوة، بحال من الأحوال. وبطبيعة الحال أجريت حوارا موسعا مع فاروق عبد القادر نفسه عن حياته وطفولته في منية السيرج، الحي الذي نشأ فيه في شبرا وعاش به حتى وفاته، ودراسته لعلم النفس واختياره للنقد، وعمله في الطليعة بوصفها المرحلة التي اعتبرها خاتمة علاقته بما كان يسميه "المؤسسة"، وكان يطيب له أن يقول لي ضاحكا أنه منذ خرج من الطليعة عقب إغلاقها "أوليت ظهري للمؤسسة – الطليعة كانت تصدر في مؤسسة الأهرام برئاسة تحرير لطفي الخولي-وسرت ولم ألتفت خلفي أبدا". بالإضافة لأعماله التي قرأت عددا كبيرا منها قبل مقابلته وبينها من اوراق الرفض والقبول، أوراق من الرماد والجمر، ومن اوراق الزمن الرخو؛ مستمتعا بلغته الفصيحة الجميلة، وترجماته البديعة التي كنت قرأت من بينها كتاب بيتر بروك الفاتن النقطة المتحولة. بطبيعة الحال استمتعت أكثر بكتاب "يو إس" التي قدم فيها بروك سيرته الذاتية والمسرحية، خصوصا في تجربته للمسرح الطبيعي أو الفطري في آسيا وسواها .


في زيارتي الأولى له في منزله، بعد وفاة شقيقته التي كانت تعيش معه، والتي كان يأتنس بها، لاحظت مدى تواضع البيت الذي يعيش به، وهو نفس البيت الذي عاشت به العائلة، قبل انتقالها فردا بعد الآخر، باستثنائه وشقيقته بوصفهما الشخصين اللذين لم يتزوجا في العائلة. يعد لي القهوة بنفسه بينما أقف في المطبخ الصغير بجواره يستكمل حديثه الشيق عما كان يعن له، وحين نعود لنجلس في غرفة مكتبه حيث كان يعمل عادة، وعلى أنغام ما يحلو له أن يسمع من أغنيات أم كلثوم، كان يصر ان أدخن سيجارتي الأولى في صحبته من سجائره الكليوباترا ذات العلبة ذهبية اللون، وكنت أرى في عرضه كرما لا أطيق ان ارفضه. واستمرت عادته هذه معي في جلساتنا في سوق الحميدية. وعادة ما كنت أسأله عما يقرأ، ولم تكن الحصيلة سيئة البتة خصوصا مع قاريء جيد مثله. وكان رغم حرصه على كتبه كريما فيما يتعلق بإعارة أي كتاب لو أظهرت رغبتي في قراءته وبعدها صرت أحاول بقدر طاقتي أن أمر عليه أسبوعيا مساء كل أحد في جلسته بمقهى "سوق الحميدية" في باب اللوق. استمتع لما يحكيه عن نجيب محفوظ، وهو واحد من أكثر النقاد كتابة عن نجيب محفوظ، وبطبيعة الحال وبسبب من تكوينه الأيديولوجي، ومنهجه النقدي، الذي يقوم على إيمان بدور اجتماعي وربما سياسي وأخلاقي ايضا للناقد، كان يرى أن مرحلة الستينات الواقعية لدى محفوظ هي أهم مراحل الكتابة لديه. كما كنت أستمع بشغف لحكاياته عن يوسف إدريس الذي لم يتورع أن يضرب فاروق بأحد الكراسي فيمقهى ريش لأنه انتقد احد أعماله سلبا، وهي الحكاية التي كان يكررها ضاحكا ويؤدي فيها أداء تمثيليا لكل طرف من أطراف الحكاية كل بالطريقة التي يتحدث بها وكان بارعا في تقليد يوسف إدريس.وعن يوسف السباعي الذي كان من أوائل من انتقدوه إبان عمله في الطليعة، وعن نعمان عاشور الذي كان يحب أعماله المسرحية كثيرا، وسعد الله ونوس الذي كان شغوفا بأعماله، بل ومعرفا به بشكل جيد في القاهرة. وطبعا عن المجموعة التي لم يكن يكن لها ودا نقديا على الإطلاق وهم رشاد رشدي وتلامذته وبينهم المرحوم سمير سرحان ومحمد عناني وفوزي فهمي، وهو نقد انبنى على جزء يخص الموهبة، وآخر يختص بفهمه لدور المثقف، وتعارض هذا الدور مع طبيعة الأشخاص الذين يتوسلون بالثقافة المناصب والنفوذ.. وفي كل تلك الحكايات التي غالبا ما كانت تمتليء بالتفاصيل كان يبهرني بحدة ذاكرته التي كنت أحسده عليها أنا الذي أعاني من ألزيهايمر مبكر على ما يبدو.
. وبسببه تعرفت على عدد كبير من اسماء الكتاب العرب الذي كان حريصا على الكتابة عنهم بدأب، وبينهم المسرحي الجميل سعد الله ونوس، الذي كان لكتاباته عنه دورا أساسيا في تشجيعي لقراءة أعمال ونوس المسرحية كافة ومشاهدة بعض ما تيسر لي رؤيته معروضا على الخشبة، وطبعا كان كثير التقدير لأعمال الروائي القدير الراحل عبد الرحمن منيف، والعديد من الكتاب في لبنان وسوريا والعراق ومنطقة الخليج. بل وبينهم كتابا كانوا يكتبون للمرة الأولى

اختلفت معه في قراءته الأخلاقية لقصة نيران صديقة، لكني كنت متفقا معه تماما في صياغته لجملة تدليس أدبي، التي اشار بها للأسواني عند صدور المجموعة لأنها قدمت للجمهور بوصفها عملا جديدا ولم يشر احد إلى كونها عملا قديما أعيدت طباعته، وكان بالغ الاستياء حين تناهى إلى سمعه أن الأسواني بصدد أن يرفع دعوى قضائية عليه، ولكن انتهى الأمر بان قام كاتبان هما حمدي أبو جليل، وحمدي بمهاجمة عبد القادر بضراوة دفاعا عن الأسواني، وهو ما فنده عبد القادرلاحقا مؤثرا ألا يتطرق له كثيرا . وبعد صدور شيكاغو سألته عن رأيه فاجاب بلا اكتراث بما معناه أن الناس يتعلمون الوصفات الجاهزة ويروجون لها، وكانت تلك إضشارة منه لعدم رغبته في التحدث عن الموضوع وصاحبه البتة

. جمعت بيننا علاقة ودود، كشفت لي جانبا من شخصيته لم يكن معتادا أن يكشفه كثيرا كشخص ودود، متعاطف. وفي صباح كل يوم ثلاثاء كنت أتوقع اتصالا منه وغالبا ما كان الهاتف يدق في تمام التاسعة وحين أرفع الهاتف سأجد صوته ودودا محييا "صباح الخير يا بو خليل"، كان هذا الاتصال مرتبط بقرائته لصفحة الكتب في الأهرام التي كنت أعمل فيها بإشراف ماجدة الجندي، وكان حريصا على أن يقرأ الصفحة ويخبرني عن رأيه فيما كتبت. ثم ينتقل للسؤال عن ابنتي ليلى وزوجتي، سعيدا بما أحكيه له عن علاقتي بابنتي وتطورها، مرددا "يمكن يا بو خليل يكون مشروع البنت دا أهم مشروع في حياتك

كان يكرر الكلمة، في كل اتصال، وكنت أؤيده ضاحكا كل مرة، بينما لم أكن على يقين تام بما يقصده. إذ كانت بالنسبة لي جملة حمالة أوجه؛ بينها أنه يقصد ان مشروعي الأدبي لا يرقى، من وجهة نظره، أهمية رعايتي لابنتي. أو أنه باهتمامه بأبوتي لابنتي يعوض جانبا كان يشعر بأهميته ولم يستطع تحقيقه بسبب عزوفه عن الزواج. لم أهتم كثيرا بالمعنى المقصود إذ كانت علاقتي به قائمة على صداقة خالية من المصالح. فهو لم يكتب عني حرفا، وإن كان حريصا على قراءة أعمالي، ويعطيني رأيه فيما أكتب مخطوطا قبل نشره، مؤكدا انزعاجه من أخطاء نحوية كانت تشوب النصوص ويصفها بأنها "عجز القادرين على الكمال". وكان، في الوقت نفسه، حريصا على ان أقرأ ما ينشره، متفرقا في الصحف، أو منشورا ككتاب. وأن يسمع رأيي بالتفصيل. وحتى حين كتبت عن واحد من آخر كتبه، "غروب شمس الحلم" منتقدا ذوقه الذي ينحو للتقليدي بسبب اهتمامه بالموضوع على حساب الأسلوب فلم يراجعني، لأنه كان قد أعلن رأيه لي كثيرا في الكتابة التي تهتم بالأسلوب بالمَثَل الذي كان يكرره، مرارا، عن جدوى مهارة شخص في إدخال خيط رفيع في عين الإبرة ألف مرة


كثيرا ما كان ينتهي من الحديث عمن يرى في ممارستهم في الثثافة استفادة ما من مناصبهم ايا كان ما يذكره ثم يردف بالقول ضاحكا: "اللي له حاجه عندي ييجي ياخدها يا بوخليل" يقصد بذلك أنه لم يقصد يوما في اي نقد بالسلب أو الإيجاب هدفا شخصيا أو منفعة أو مبررا شخصيا .. واشهد أنه كان كذلك، وأننا برحيله فقدنا وجها مضيئا من وجوه النقد العربي وفرسانه المخلصين، مهما اختلفنا مع منهجه، خصوصا في هذا الزمن الرديء الذي يفيض باشباه وانصاف النقاد يمرر الهواة من الكتاب واشباههم بضاعتهم الرديئة عليهم. رحم الله فاروق عبد القادر..، أ

5 comments:

alnadeem said...

موضوع رائع
وكلامك عنه مظبوط مية في المية
الله يرحمه ما كانش عنده حسابات ولا مجاملات نهائيا فيما يكتبه
عارف
انا من وقت للتاني برجع لكتابه نفق معم ومصابيح قليله ، وبعتبره من امتع كتب النقد اللي الواحد قراها
تحياتي يا أستاذ وواحشني جدا

Amal Egypt said...

تسلم إيدك ياأبو خليل، ويا أبو ليلى، فإذا ارتبطت اختياريا باللقب الأول كاتباً، فقد ارتبطت إجباريا باللقب الثاني أباً للأبد، وكلاهما حسب علمي مشروعان أعانك الله عليهما.
آمال عويضة

إبراهيم فرغلي said...

ايها النديم
معاك حق وكتبه فعلا ممتعة خصوصا ما ذكرت
تحياتي

إبراهيم فرغلي said...

آمال الجميلة
اشكرك جدا يا عزيزتي
وبالفعل حياتي تتوزع ما بين المشروعين أعان الله
شكرا لمرورك

Anonymous said...

شكرا على موضوعية عرضك وجدية الحديث عن

فاروق عبد القادرواشكرك على الوقت الممتع الدى قضيتة مع روايتك الرائغة ابناء الجبلاوي