Sunday, October 24, 2010

كيف غيرت الإنترنت الكتابة خلال الألفية الجديدة؟

كيف غيرت الإنترنت الكتابة خلال الألفية الجديدة؟




إبراهيم فرغلي



عادة ما نطالع صورة الكاتب كما تقدمه الأفلام الأمريكية والغربية إجمالا، جالسا إلى مكتبه، أمامه الآلة الكاتبة، التي تغلغلت مبكرا في الثقافة الأمريكية، وارتبطت بفعل الكتابة، بحيث أصبحت فكرة الكتابة بالقلم عتيقة وتقليدية، عشرات الأفلام تناولت شخصيات لكتاب حقيقيين، أو لكتاب متخيلين، صاحبتهم وصاحبتنا آلاتهم الكاتبة، ونقراتها التي تلازمت مع وقع لهاث الأفكار في رؤوسهم. كما شاهدنا ايضا بعض الكتاب ممن كانوا يفضلون القلم، في أفلام أخرى عديدة، بينها مثلا فيلم الساعات، الذي قامت فيه النجمة وحشية الموهبة نيكول كيدمان بدور الكاتبة الإنجليزية فيرجينيا وولف. حيث كان الفيلم يستعرض عددا من المشاهد التي تقوم فيها وولف بالكتابة بالقلم.

اليوم أصبحت أجهزة الكومبيوتر، هي البديل، لهذا كله، واصبحت الأجيال الجديدة في أرجاء العالم لا تعرف سوى الكتابة على أجهزة الكمبيوتر، ومع ثورة الحاسبات الشخصية أصبح بإمكان كل شخص أن يكتب في أي مكان ووقتما يشاء، فما هي النتيجة؟

لعل ابرز إفرازات فكرة شيوع الكتابة، بالشكل الذي نجده اليوم، هو نموذج المدونات الشخصية، التي أنتجت عشرات الآلاف من النصوص التي كتبها كتاب متحققون، وشباب يبدأون حلم الكتابة، وفتيات وجدن متنفسا لخواطرهن، وسيدات محبطات وجدن وسيلة للتعبير عن إحباطاتهن النفسية والعاطفية، وشخصيات متمردة وجدت في الكتابة وسيلة جيدة للتعبير عن التمرد بنشر أفكار جريئة، أو تجارب عاطفية، أو حسية، ثم تلى ذلك كله آلاف من التجارب الشخصية في التدوين ما بين التوثيق والخبر السياسي، والتعليق، والرحلات المصورة، والبحث العلمي، وعلوم البرمجة وسوى ذلك الكثير.

فيما يتعلق بالعالم العربي، فهناك عدد من الظواهر التي أفرزها التدوين، بينها ظواهر سياسية، وأخرى إجتماعية، إضافة إلى التراكم الكبير والذي اظنه الأكثر بروزا بين المدونات العربية ممثلا في المدونات ذات الطابع الأدبي.

فالمدونات الأدبية بدأت في التأثير، سلبا أو إيجابا، عقب تحولها لظاهرة إعلامية على الأقل، ثم تحول تأثيرها إلى جانب آخر ملموس ومؤثر حين امتد إلى خارطة النشر، بل وما أبعد من النشر ايضا، ولعل ابرز وأحدث نموذج لهذا التأثير هو مدونة "عاوزة أتجوز" للمصرية غادة عبد العال، التي تحولت أولا إلى كتاب ورقي، حقق نجاحا تجاريا كبيرا، وأعيدت طباعته طبعات عدة، ثم تحول مؤخرا إلى مسلسل تليفزيوني عرض في شهر رمضان الماضي على الشاشات، من بطولة الفنانة هند صبري وإخراج المخرج رامي إمام.

نحن هنا إزاء ظاهرة تستحق التوقف، فاللافت أن هذه المدونة هي واحدة من مدونات عديدة مصرية اتخذت من اللهجة العامية وسيلة للكتابة، وهي الوسيلة التي شاعت متأثرة بثقافة الدردشة أو ما يعرف بالـ "شاتينج" Chatting، فقبل تعرف الجمهور العربي على المدونات كانت اوقات استخدام الإنترنت بعيدا عن التصفح المعرفي عادة ما تستهلك في برامج الدردشة، وفي التواصل بين الأصدقاء عبر هذه الوسيلة غير المكلفة والتي تستخدم فيها لغة الحوار العادي اليومي كما يتحدث به الناس في حياتهم اليومية، واستخدمت رموزا خاصة للاختصار، وشاعت كلمات مما يعد أسلوبا من أسلوب الحديث ميز به الشباب أنفسهم به.

هذه الظاهرة واكبها ظاهرة صحافية بدأتها صحيفة الدستور المصرية في تخريب اللغة العربية عبر تبسيط اللغة المستخدمة في الكتابة الصحفية، بتطعيم المقالات بكلمات من اللهجة العامية، واستخدام طريقة الكلام الشفاهي في الكتابة، وهو النهج الذي انتقلت عدواه لصحف عديدة أخرى، ومنها إلى التليفزيون، حيث بادرت إحدى القنوات الفضائية المصرية لاستخدام اللهجة العامية المصرية في إذاعة نشرات الأخبار.

وفي مثل هذه الأجواء بدأت المدونات في الانتشار وراح عدد كبير ممن شرعوا في التدوين من الهواة، يدونون ما يعن لهم بهذه اللغة الهجين ما بين الفصحى والعامية.

والنتيجة هي نصوص شفاهية تماما لكنها مكتوبة، أو مدونة، وبالتالي لا تخضع لقوانين الكتابة، بل لقوانين "الحكي"، أي لا تعتني باللغة أو الأسلوب في فصاحته، وفي التزود من باب البلاغة العربية، وقواعد النحو، وجماليات اللغة الفصحى بالغة الثراء، بل في كيفية "الحكي" باسلوب يعتمد على خفة الظل، وبراعة الحكي مما قد نسمعه من أخواتنا أو في اللقاءات العائلية، وقد يصبح اكثر تأثيرا وتواصلا إذا ما كانت تلك النصوص تمس قضية لها خصوصيتها مثل قضية الزواج في المجتمع بكل ما تعترضه اليوم من صعوبات، وما تحيل عليه هذه الصعوبات من عوامل نفسية واجتماعية.

وتزامن مع صدور كتاب عاوزة اتجوز، صدور كتابان آخران عن نفس دار النشر، هما "ارز باللبن لشخصين" لرحاب بسام، و"إسكندرية – بيروت" لنيرمين نزار، والأخير في ظني أكثرهما بلاغة وفصاحة، وحساسية، وانتماء للكتابة.

حقق أرز باللبن ايضا نجاحا كبيرا، وطبع عدة طبعات، لكن اللافت هنا أن كتابي غادة عبد العال ورحاب بسام، وإن أحرزا نجاحا تجاريا، لكنهما لم يؤثرا في تطور "الشكل الكتابي" لكلا الكاتبتين، وهو ما يمكن ملاحظته بسهولة عبر ما تم تدوينه في المدونتين(عاوزة اتجوز، حواديت رحاب بسام) عقب هذا النجاح الكبير، إذ يبدو أن النجاح المبالغ فيه قد جعلهما تدوران في المنطقة نفسها التي بدأت كل منهما فيها، وانتهت إليها.

هذان ربما نموذجان صارخان من نماذج المدونات الأدبية، لكن هناك ايضا آلاف أخرى من المدونات التي كان بينها محاولة تقديم نماذج متمردة على اللغة والقيم الأدبية السائدة بل والقيم الأخلاقية أيضا بينها مثلا مدونة "وسع خيالك" لأحمد ناجي، لكن ما يعيب هذه المدونة ميل كاتبها للاستعراض، والمبالغات سواء في التطرف المبالغ فيه في طرح الأفكار، أو في محاولة الاستفزاز لقاريء المدونة بالصورة او النصوص، والظهور بمظهر الناقد لكل القيم السائدة بدون أن يوجد قيمة بديلة سوى العبث.

وخلال السنوات الخمس الماضية تتبعت عشرات المدونات ممن بدأت لشخصيات حقيقية أو لشخصيات وهمية يكتبون فيها خواطرهم، أو لشخصيات يستعرضون قدرتهم على تقمص أكثر من شخص والكتابة بطريقة مختلفة في كل مدونة، وكلها كانت تميل إلى العامية أو تنحو نحوها بشكل من الأشكال.

ولا يوجد تطور حقيقي لاي من هذه المدونات اثمر عن لغة جديدة، أوعن تلاقح فني بين العامية والفصحى تمكن من تخليق لغة جديدة، ولا شيء من هذا، بالعكس فقد توقفت الكثير من تلك المدونات.

من جهة أخرى هناك مدونات تجمع بين الاهتمام الأدبي بسواه ولكن تحافظ على لغة متماسكة مثل "مدونة حكاوي آخر الليل" لأحمد شقير، وهي مدونة شيقة، ومعرفية، يمتلك صاحبها آراءه التي يعللها، سواء اتفقت او اختلفت معه.

هناك ايضا مدونات تحافظ على الطابع الأدبي لها، مثل "تايترو صاحب السعادة" لأحمد الفخراني، وغيرها الكثير.

وبتتبع الكثير من المدونات سنجد أنها تعاني من الكثير مما قد يعتري اي عمل هاو وغير محترف، سواء بالافتقار للدقة، أو عدم اكتمال الفكرة لنهايتها، أو الاستخفاف باللغة، او جعل المدونة مكانا للهلاوس، بدلا من الانضباط في صياغة الأفكار لمنتهاها، مع بعض الاستثناءات بطبيعة الحال
وهنا بيت القصيد، فهناك مئات المدونات التي لا يدعي أصحابها شيئا يفوق إمكاناتهم، ولا يعتبرون مدوناتهم سوى مساحات للتجريب والفضفضة، واكتشاف افكارهم عن العالم وأنفسهم والآخرين،
استثمار تجاري

لكن المشكلة التي اتصور أنها تتفاقم إذا استمرت، تتمثل في حرص بعض دور النشر الآن على استثمار أي تجربة تمثل "ضربة" أو موضة، أو شكلا جديدا يجتذب الانتباه ويمكن الدعاية له، مع الاستثمار المبطن لدعاية المدون لنفسه عبر مدونته، بغض النظر عن المحتوى أو القيمة التي تتضمنها هذه الكتب.
ومع غياب النقد بمعناه العميق، بل وحتى على مستوى قدرة النقاد على المتابعة في ظل ندرة النقاد، وقلة عددهم، وقلة الدوريات النقدية المتخصصة، فإن مثل هذه الظواهر التجارية قد تتحول غلى كرة الثلج التي تغذيها رغبة المستثمرين في الربح وعدم  معرفة المدونين، أو غالبيتهم، بمفهوم القيمة أو بتاريخ الأدب العربي، في مصر على نحو خاص، وهو ما نلاحظ اليوم الكثير من إرهاصاته أو تأثيراته وبينها الإعجاب بكل ما هو "مضحك" خفيف الظل، ساخر، بعيدا عن المضمون في ذاته، وهذا بالتأكيد ليس فيه ما يعيب، لكن المهم أن يوضع في مكانه الطبيعي، فالكتابة الساخرة يجب أن تقيم في إطار الكتابة الساخرة وتاريخهان وكذلك الأدب، يجب أن يخضع للقيم التي ينتمي لها تاريخ السرد، وما أنتجته الأجيال المتعاقبة في هذا المجال، وغير ذلك من الأنواع السردية التي نشهد توالدها تباعا مثل القصص البوليسية أو قصص الرعب أو أدب الخيال العلمي وأدب الجريمة، وسواها، يجب أن تقيم في إطار تاريخ هذ االمنجز في الأدبيات الغربية وهكذا.

فحين يشيع اليوم القول بأن المجتمعات العربية في حال من انعدام الوزن حيث تشيع فيها الكثير من السلبيات، وبينها غياب القيم الصيلة، وانعدام قيمة العمل وغياب الحرص على الوقت وعدم معرفة قيمته، بالإضافة إلى غياب قيمتي التجويد وما يتبعها من حرص على الإتقان، فإن الثقافة والأدب، قبل غيرهما، يجب عليهما
والانتباه لما قد يؤدي إليه رأس المال الأعمى حين يبحث عن الربح على حساب القيم والتقاليد الأدبية تحت شعارات تبدو مثل أغلب الشعارات الدعائية، حسنة النية، بينما هي تدس السم في العسل، عن عمد أو عن جهل، فرأس المال ليس بالضرورة أن يكون مثقفا، حتى لو حاول أو تظاهر بأنه يبدو كذلك. 

جزء من مقالي في باب "ثقافة إليكترونية" المنشور في مجلة العربي العدد 624- نوفمبر 2010


7 comments:

ميشيل حنا said...

مقال جميل يا أستاذ إبراهيم

ميشيل حنا said...

تصحيح بسيط، الكتاب الثالث الذي صدر مع عايزة أتجوز وأرز باللبن هو أما هذه فرقصتي أنا لغادة محمد محمود
كتاب اسكندرية بيروت صدر في العام التالي مع كتاب آخر هو قهوة المصريين

Ahmed Shokeir said...

شهادة أعتز بها من أديب ومبدع لها مني كل التقدير والإحترام

أسعدت مسائي

Mahmoud Kefaya Punk said...

مالها اللغة المصرية المحكية؟
مش عارف أفهم ايه اللى فيها يعيب البلوجرز او الادبا او على ثقافتهم؟

إذا كان ع اللغة, ده معناه إن اللى بيكتبو بالإنجليزى أثقف و أقيم من اللى مايعرفوش اى لغة فى حياتهم غير العربى الكلاسيكى

إبراهيم فرغلي said...

يا دكتور ميشيل انا اللي أشكرك
وعندك حق
أنا كتبت موضوع قبل كده عن تحول المدونات لكتب وأشرت لكتاب غادة فعلا

إبراهيم فرغلي said...

الشكر لك يا شقير
أسعدت مساء

إبراهيم فرغلي said...

Punk
ههههههههه