Egyptian writer. working as a journalist in the culture sectoin in Al Ahram newspaper. Books issued Betjah al ma'aqy- Kahf al frashat. Ashba7 Al hawas. Ibtisamat Al Qeddisin- Jennya fi qarora------ إبـراهيــم فرغلي كاتب مصري الإصدارات باتجاه المآقي شرقيات 1997 كهف الفراشات دار ميريت 1998، 2003 أشباح الحواس ميريت 2001 ابتسامات القديسين ميريت 2004، 2005، مكتبة الأسرة 2006 جنية في قارورة العين للنشر 2007 مداد الحوار(كتاب رحلات) العين للنشر 2006

Friday, June 27, 2008

ألبير قصيري المصري بامتياز



ألـبـر قـصـيـري عــاش ومــات فـي عـزلــتــه الــفــرنــســيــة... مــصــريــاً بــامــتــيـــاز



على الرغم من أن ألبر قصيري عاش في فرنسا لفترة تزيد على ثلثي عمره، إلا أنه عاش مصرياً ومات مصريا، عن عمر يناهز الخامسة والتسعين، حيث لم تغيّر الأيام الفرنسية موضوعاته وأسئلته وهواجسه، ولم يسع خلال ذلك الى الحصول على الجنسية الفرنسية على مدى ما يناهز 63 عاما أمضاها جميعا في حي سان جرمان بباريس، منذ رحيله عن مصر في عام 1945. مع ذلك، لا يبدو أن المناخ الثقافي المصري تعامل مع الكاتب الراحل بالدرجة نفسها من التقدير للثقافة التي ينتمي إليها، هو الذي تعوّد أن يصف نفسه بـ"الكاتب المصري"، إضافة إلى أن رواياته وأقاصيصه الثماني، باستثناء عمل واحد، تدور حول طبقات المهمشين في المجتمع المصري. حتى الآن لم يترجم من أعماله سوى ثلاث روايات هي "شحاذون ونبلاء"، ثم "منزل الموت الأكيد‏" عن "دار سعاد الصباح"، و"العنف والسخرية" ترجمة محمود قاسم‏، في "سلسلة روايات الهلال"‏، احتفالا ببلوغ قصيري الثمانين من عمره‏، وحصوله على جائزة الأكاديمية الفرنسية عن هذه الرواية‏.
إذا كانت المخرجة السينمائية المصرية أسماء البكري نجحت في لفت الانتباه إلى اسم ألبر قصيري بعدما أخرجت فيلماً مأخوذاً عن روايته "شحاذون ونبلاء"، فإن المترجمة والشاعرة المصرية هدى حسين لعبت دورا لا يقل أهمية، في التركيز على خصوصية أسلوب قصيري الأدبي عندما ترجمت قصة "البنت والحشاش"، التي نشرتها مجلة "أدب ونقد"، في نهاية التسعينات، وأثارت اهتمام الوسط الأدبي والثقافي، ربما أكثر بكثير مما فعلته الروايات التي ترجمها محمود قاسم. السبب أن مستوى الترجمة أدى دورا كبيرا في توجيه الأنظار الى مستوى اللغة التي يكتب بها قصيري، وطبيعة الأجواء التي يعبّر عنها، والتي بدا واضحا توازنها بين اهتماماته بأسئلة وجودية وجمالية معا. فقد عكست ترجمة "البنت والحشاش" الدقة الشديدة التي تتمتع بها جملة ألبر قصيري الأدبية، وهذا ما أوضحه في إحدى المقابلات الصحافية بقوله: "تقريبا لم أكن أقوم بشطب أي كلمة. لكي أكتب كنت أنتظر إلى أن أجد الكلمة المناسبة. كان في وسعي أن أفتش عنها لبضعة أيام. لا توجد عبارات فائضة عن الحاجة في كتبي. لهذا السبب أكتب ببطء شديد".يوضح الشاعر والمترجم بشير السباعي في اتصال هاتفي معه، أنه سمع من الناقد الراحل غالي شكري، نقلا عن ألبر قصيري نفسه عندما التقاه غالي في باريس بعد صدور الترجمة العربية لبعض رواياته، أنه مستاء من الترجمة. وفي عام 2006 كانت فرنسا قد احتفت بإصدار الأعمال الكاملة لقصيري (متضمنة رواياته الست ومجموعة قصصية)، التي تصدرت يومذاك واجهات المكتبات الفرنسية. لكن الأمر في مصر، ظل على حاله. فلم يصدر المجلس الأعلى للثقافة والفنون أي أعمال مترجمة لقصيري. وكان الدكتور جابر عصفور، في خلال فترة توليه أمانة المجلس أوضح أن "المشروع القومي للترجمة" لم يكن لينشر سوى مستوى معين وجيد من الترجمة، وهذا ما تسبب في تأخير صدور أعماله، إذ لم يبادر أحد من المترجمين الجيدين بتقديم ترجمات لأعمال قصيري.يقول بشير السباعي، في ضوء خبرته كمترجم، إن الترجمة لا يمكن أن تتم إلا بمبادرات من مترجم يحب النص الذي يبتغي ترجمته، ويعرف أنه سيضحي بالكثير من الوقت، وسيبذل الكثير من الجهد لكي ينجز الترجمة. وكما فعلت هدى حسين، ولفتت الوسط الأدبي المعاصر الى ألبر قصيري عبر ترجمتها "البنت والحشاش"، لا بد أن يظهر جيل جديد من المترجمين يكون بينهم من يعرف قيمة نصوص قصيري، وخصائصها المميزة، ويتولى ترجمتها على الوجه المأمول. لكن المشكلة أن بعض أعمال قصيري قد سبق ترجمتها، وتالياً فإن إعادة ترجمتها بالدقة والمستوى اللائقين قد تستغرق بعض الوقت. ومع ذلك، فلا بد أن تترجم أعماله بشكل جيد ليتمكن القارئ العربي من التعرف الى الأسلوب الأدبي الخاص لألبر قصيري.لكن هل يكفي تبرير كل من عصفور والسباعي، لتوضيح أسباب تهميش ألبر قصيري في مسيرة الأدب المصري المعاصر؟ وهل اعتبر الوسط الأدبي أن أدب قصيري فرنكوفوني، ولا يدخل في نسيج الأدب العربي، بطيفه المصري على نحو خاص؟ وهل صحيح، كما أشاع بعض الأكاديميين، أن جرأة نص قصيري، ساهمت في عدم إقبال المترجمين على نقل أعماله؟


شخصياً، لا أظن أن جرأة نصوص قصيري قد تكون سببا من أسباب تجاهل ترجمته، لأن هناك أعمالا ترجمت بالفعل من دون أن تثير شيئا من هذا، لكن ربما يمكن النظر الى المسألة من زاوية مختلفة، ومنها وضع ألبر قصيري في سلة واحدة مع مجموعة السورياليين المصريين الذين ذاع صيتهم في أربعينات مصر من أعضاء "جماعة الفن والحرية"، أمثال جورج حنين، وكامل التلمساني، ورمسيس يونان‏، وأنور كامل‏،‏ وفؤاد كامل‏.فغالبية هؤلاء، كما يرى الشاعر المصري مهاب نصر، ينتمون الى طبقة أريستوقراطية معزولة مرتين: مرة لرفضها المجتمع وقيمه التقليدية، وتاليا لعزلتها في اللغة الأجنبية التي يكتبون بها، على الرغم من الجانب الإيجابي المتمثل في صلتها بالمتغيرات والقيم الفنية الغربية، وموقعها من الحوادث التي تدور في المناخ العالمي إجمالا. لكن هنا تجدر الإشارة إلى أن ألبر قصيري تمتع بخصوصية كونه معبّرا عن الهامش المصري، والطبقات الاجتماعية الفقيرة في أدنى فئات الطبقة الوسطى، والطبقات الشعبية إجمالا. أما المستوى الثاني فيتمثل في عزلة ذلك الجيل من الكتّاب الفرنكوفونيين والسورياليين، وبينهم قصيري، لأسباب لها علاقة بمركزية سؤال الهمّ الوطني وتغليبه على السؤال الإنساني في الوسط الثقافي المصري. وهذا ما يذهب إليه مهاب نصر أيضا؛ إذ يلفت الى فكرة مهمة مفادها أن المسار الذي حافظت عليه الثقافة المصرية، لفترة طويلة، وكان له دور كبير في إقصاء هؤلاء الكتّاب من المشهد الثقافي المصري، هو مسار كان يضع الدائرة الوطنية في صلب أولويات الثقافة، وليس الدائرة الإنسانية. وتالياً، كان هذا المسار مسؤولا عن تهميش أي أسئلة أخرى بعيدة عن سؤال الوطنية، سواء أكانت أسئلة وجودية مما طرحها ألبر قصيري في أعماله، أم أسئلة فنية وجمالية مما طرحها مجمل إنتاج "جماعة الفن والحرية" في نصوصهم التي انتمت في غالبيتها الى تيارات السوريالية، شعرا ونثرا وفنا على السواء. وهو ما كانت له شواهد عديدة تمثلت في ظهور اتجاهات نادت بالتحرر من ثقل الإيديولوجيا والانحياز الى مقولة الفن للفن، عقب أزمات أو انكسارات وطنية وسياسية مثل هزيمة 67، التي تبلورت في إثرها محاولات في هذا المنحى لعدد من الكتّاب أبرزهم إدوار الخراط.الحقيقة أن البر قصيري، من بين كتّاب تلك المرحلة، كثيرا ما تم تمييزه بين أقرانه، بأقلام النقاد المصريين والمثقفين من دارسي الأدب الفرنسي، والفرنكوفونيين إجمالا. من هؤلاء الدكتورة أمينة رشيد، أستاذة الأدب الفرنسي، التي أشارت في معرض تناول جماعة السورياليين، إلى تميز ألبر قصيري بينهم، لأنه "استطاع بحق أن يمس الحياة المصرية الصميمة".


تقول الفنانة والصحافية والناقدة المسرحية منحة البطراوي: "قرأت ثلاثة أعمال لقصيرى لا أتذكر منها سوى "تنابل الوادي الخصيب"، حيث يكتب عن مصر والمصريين بدراية فائقة، بما يجعل من غير الممكن اعتباره استشراقيا. هو كاتب ذو أسلوب، على عكس بعض الفرنكوفونيين الذين أبدوا اهتماما بمصر أو الشرق مثل روبير سوليه الذي يعتمد على الأفكار والموضوعات فلا تجد له أسلوبا أدبيا خاصا". وتؤكد البطراوي ضرورة ترجمته الى العربية بشكل جيد، "فهو كاتب مصري يكتب بالفرنسية وعلى القراء العرب التعرف اليه".يجمع قراء ألبر قصيري على أنه كاتب مصري يكتب بالفرنسية، وهذا صحيح، إذ أنه على رغم طول إقامته في فرنسا لم يكتب شيئا عن المجتمع الفرنسي أو الفرنسيين. "لم أغادر القاهرة لكي أهجر مصر. جئت إلى باريس لأن الأدباء المعتبرين كانوا يعيشون فيها. فرنسا بالنسبة اليَّ هي ستاندال، سيلين، مالرو، وأيضا لويس غويو، جان جينيه، جوليان غراك". المفارقة أن قصيري الذي كتب عن مصر والمصريين لم يأته التقدير من هناك بل جاءه من القراء الفرنسيين، وهذا بديهي طالما أنه يكتب بلغة هذا الجمهور، مع الأخذ في الاعتبار الطابع الخاص للغته التي أضفى عليها تأثيرا خاصا يناسب الثقافة التي يعبر عنها وهي الثقافة العربية. لكنه يعرف جيدا أن القراء في النهاية يتماثلون: "كتبي تتموقع في القاهرة، في الإسكندرية، في دمياط أو داخل إمارة صحراوية. غير أن ما أكتبه يخص كل الناس. فضلا عن ذلك، كلما مررت بشارع السين أجد قراء يحيّونني، يتحلقون حولي، يشرحون لي إلى أي درجة يتملكهم الإحساس بأنهم معنيون ومتأثرون بكتبي. الناس هم الناس سواء أكانوا في مصر أم في سان جرمان، الاختلاف يكمن في اللغة، إضافة إلى الموقف الشرقي الذي ينتمي بعمق إلى شخوصي: أنهم يشاطرونني أسلوبي في التفكير".


أخيرا، تجدر الإشارة إلى أن نمط حياة ألبر قصيري نفسه لعب دورا حيال تهميشه في الثقافة المصرية، إذ لم يبد اهتماما بالإعلام، وعاش مدى حياته في فندقه الباريسي "لا لويزيان" في حي سان جرمان، يتنقل بينه وبين مقهى "لو فلور" حيث أمضى سنوات مديدة يتناول فيه قهوته ويلتقي صحبته، ويرقب الصبايا والجميلات، ويتأمل ويفكر في ما يكتبه، عازفا عن الشهرة والأضواء والثرثرة.الثقافة الفرنسية هي التي أعادت الاعتبار الى ألبر قصيري بنشر أعماله الكاملة وتكريمه في الأكاديمية الفرنسية، كما منحته الثقافة الغربية ألقابا عدة منها "فولتير النيل". أما مصر، ومثلما يشيع في الثقافة العربية إجمالا، فإنها غالبا لن تنتبه إليه إلا بعد رحيله، وتضفي عليه هالة التقدير التي لا تمنحها سوى للأموات. لكن، لا بأس في ذلك، ما دامت الفائدة ستعود الى القارئ وإن متأخرة. لكن هذه المفارقة ربما تكشف الاختلاف الجوهري بين ثقافتهم الغربية وثقافتنا

العربية: فتلك ثقافة للحياة، وهذه ثقافة لا تمجد سوى الموتى، ونبش القبور


إبراهيم فرغلي

نشر المقال في (صحيفة النهار) اللبنانية -27 يونية 2008!

Saturday, June 21, 2008

هدوء القتلة


"هــدوء الــقــتــلــة" لــطـــارق إمـــام
!كتابة حديثة بدماء جثة السرد التقليدي



بـ"هدوء القتلة" ضرب طارق إمام نصلا عميقا في جثة النص السردي التقليدي، بيده اليمنى على ما

أتصور، وباليسرى كتب، بدم بارد، على جثة القتيل نصاً سردياً حديثاً، ومبتكراً، بامتياز. تماما كما يفعل بطل روايته سالم؛ القاتل المتسلسل الغائب في رؤاه، الذي يقتل ضحاياه بيده اليمنى، ليكتب باليسرى قصيدة جديدة مع كل ضحية، تاركاً سطوراً من الدماء تحيا بامتداد المدينة، بعد أن يعثر على مخطوط قديم لناسك كهل مجهول، يقود روحه، ويتخذ من مخطوطه كتاباً مقدسا يدير له حياته الخاوية.على الرغم من الطابع التأملي الذي تتسم به الرواية، فإن طارق إمام غلّف هذه التأملية والأفكار الذهنية، والفلسفية أحيانا، بحالة من المشهدية عبر صور ومشاهد تعطي هذا النص وجها من أبرز وجوه قوته، وتتكامل لتصوغ معا، حالة خاصة؛ تضفي تأثيرا يشبه مشاهدة فيلم، يدور في أجواء غامضة، ضبابية، في مدينة شاسعة، لكن أفرادها معزولون، أو تكاد تكون خالية.هذا النص مشغول بالتفاصيل، لكن كل تفصيل، يحيل على حكاية أخرى في الخلفية، وكل مشهد يتولد من تلك التفاصيل يؤدي بالراوي إلى مجموعة من التداعيات تتأرجح، على امتداد النص كله، عند الحد الفاصل بين الواقع والخيال.لو شئنا الدقة، فإن النص إجمالا ينتمي تماما الى الخيال، وهذا وجه آخر من وجوه تميزه، بينما الواقع ليس سوى محاولات مبتسرة للإيهام بوجوده، إذ ليس سوى واقع افتراضي أو خيالي. فقد يتطلع الراوي إلى واجهة محل زجاجي، يحدق الى المانيكانات، أو نماذج الدمى التي تعرض الملابس. سرعان ما نجد هذه المانيكانات تتحول جزءاً من نسيج السرد، فتتولد فيها طاقة تحركها في مسيرات ثورية، وتطوف حولها أساطير تقول بهرب فرد منها من قبضة الشرطة، حيث يشاهد، بين آن وآخر، يتأمل أقرانه بعدما تمّ وضعهم جميعا خلف واجهات زجاجية، بينما تثور داخله أسئلة عن فكرة القيد والسجن، لدى مقارنة حال هذا المانيكان بحال الجيل الثاني من المانيكانات المسجونة خلف الزجاج.تبدأ التداعيات بمشهد لطائرات ورقية تحلق في فضاء المدينة، ثم تحيلنا الطائرات المعدنية، بضوضائها، وصخبها العنيف، على الغرباء الذين يغفون فيها متعبين، يرقبون خرائط العالم من نوافذها، بينما ترقبها في الطريق، إضافة الى الراوي، مجموعة من المقعدين على كراسيهم المتحركة، ينطلقون في أسراب، يشاهدون الطائرات، وينتظرون أن يتسببوا، باندفاعاتهم العنيفة، في سقوط ضحية جديدة، تنضم إلى سربهم في اليوم التالي. ومنها إلى مشهد لأماكن يستقر فيها المعتقلون، بينما تغطي أصوات الطائرات على أصواتهم فلا يسمعها أحد.في كل مشاهد الرواية تتداعى مثل هذه الصور وغيرها، لكن اللافت تلك العلاقات الثنائية التي يفيض بها النص عبر تداعيات الراوي: فعندما يتحدث عن بيوت جديدة يشير إلى أن كل بيت جديد مكتمل يعني مقبرة جديدة مكتملة في مكان ما. وعندما يتحدث عن إحدى ضحاياه من أصحاب العاهات، بساق واحدة، يجري مقارنة بين الساق الخشبية والأخرى السليمة. وعندما يستقل سيارة أجرة يجري مقارنة بين المشهد الضبابي الممطر للمدينة من نافذته المغلقة والمدينة الحية كما تظهر من نافذة السائق المفتوحة، انطلاقا ربما، من الثنائية الجوهرية التي يتأسس عليها النص بين يدي هذا القاتل الذي يقاوم عراك يده اليمنى التي يستخدمها في القتل، مع يده اليسرى التي يكتب بها الشعر.كأنها مقابلات فنية، على مستويات عدة، بين الفن والوحشية، بين الموت والحياة، بين القبح والجمال، وفي الأساس بين تناقضات الكائن البشري وازدواجياته التي لا تحصى. وايضا كأنها ثنائيات فلسفية، ومقاربات فكرية، مرسومة بعناية، وحرفية في لوحات فنية سردية.يتعدد ضحايا القاتل، من مصور فوتوغرافي إلى جابر صاحب الساق الوحيدة، وبائعة الورد المحجبة، وإحدى مريدات الأولياء في مولد من الموالد، وصولا الى الإسكافي، وجارته العجوز، وعشيقته سلمى التي قتلها مرتين!يبدو القتل الثنائي لسلمى كأنه تأكيد لمنطق الرواية التي تقول بكل الوسائل الفنية، أنه لا توجد حقيقة واحدة، وأن منطق الأشياء قد يختلف بين كائنين متلاصقين، وأحيانا بين عضوين متماثلين لكائن واحد! وهو من جانب آخر تأكيد للطابع الفردي، كسمة حديثة في مجتمع يفقد واحدة من صفاته الأساسية العتيقة، وهي قيمة الجماعة لمصلحة الفرد. وللعزلة التي يعيشها هذا الفرد في الوقت الراهن بشكل عام.أخيرا تظهر شخصية هناء التي تبدو، حتى اللحظة الأخيرة، مشروعا لضحية من ضحاياه، لكنها، وبعد أن تتعرى له، تفاجئه بما لا يمكن أن يتوقعه.تتخلص الرواية من ميراث ثقيل من الإيديولوجيا، والتحليلات الاجتماعية، وحتى من خلق مجتمع طبقي وفقا للتراتبات الاجتماعية. ولعل مشهد المقعدين في مقارناتهم لأسباب عجزهم، يوضح الطريقة الفنية التي يتأمل بها النص فكرة التراتبية: "فمن فقد ساقيه في حرب مجيدة لا يمكنه أن يستوعب أنه يتساوى وذلك الذي فقدهما في حادث طريق عارض. لا يمكن من سقط من منطاد بينما يطارد سموات غير مرئية أن يكون أخا لعابر التهم القطار ساقيه أثناء سهوه". هذه الرواية لا تؤمن بسوى الفن، يدعمها الحس الساخر الباطني للنص، فكأنه نموذج للتعبير عن الهم الحقيقي للرواية بوصفها بحثا عميقا عن الهم الإنساني، على ما يقول ميلان كونديرا. وبينما شاع أن من فضائل النص الحديث الاختزال والتكثيف، اللذين برع فيهما طارق إمام مسيطرا على لغته الخاصة والجميلة، إلا أن الكاتب، في الوقت نفسه، لا بد أن يمتلك إحساسا داخليا، وميزانا ذاتيا، يتيحان له أن يضرب بعرض الحائط، إذا اقتضى الفن، كل مقولة لا تتفق وروح النص. فبسبب الإيجاز والاختزال افتقر النص الى مساحات كبيرة من التداعي كان في الإمكان أن تتاح بسهولة في نص مثل هذا قوامه الخيال؛ الذي لا يبدو الكاتب مفتقرا إليه على أي نحو. بل كأنه بذلك بدّد قماشة رائعة وأصيلة مجانا وبلا مبرر تحت ضغط مقولات نظرية لم تُختبر بشكل كامل. هذا الهدر المجاني لانسيال النص وتدفقه، والامتناع عن الاستمرار في غزله، على الرغم من توافر خام النسيج، أعطى الرواية طابعا تجزيئيا، إلى حد أنها بدت، في غير موضع، كأنها فصول لا علاقة في ما بينها، أو كأنها مشاهد تنتمي الى فكرة واحدة، لكنها تفتقر الى عناصر توحدها. لماذا يخشى كتّاب الأجيال الجديدة من طول النَفَس؟ ولماذا يقتّرون على قرّائهم باكتمال المتعة؟ سؤالان يجب ان يواجههما الكتّاب من التسعينات ومن اللاحقين، وإلا فالنتيجة غالبا ما ستكون ركاما من نصوص مبتسرة
إبراهيم فرغلي


نشرت في صحيفة (النهار) اللبنانية في يونية 2008...................................

Friday, June 13, 2008

الـوطــــن ســـــجـــن الإيــــديـــــولـــوجـــــيـــا



نـــــيــران الـمــخـــــيـم" لـلألـمـــــانـــــيــة يـــــولــيـــــا فـــــرانـــك فـي الـعـــــربـــــيــة




الـوطــــن ســـــجـــن الإيــــديـــــولـــوجـــــيـــا


ما هي قيمة الحرية الموجودة في الغرب إذا ما ارتدينا أحذية مستعملة لغرباء، وإذا ما سكنّا في غرف نقتسمها مع الآخرين، غرف استُعْمِلت أسِرّتها من آلاف السكان قبلنا بمفارش يمتلكها المخيم؟ لكنني لن أرتدي أبدا حياة لآخرين قد تم استهلاكها من قبل". هذا ما تقوله إحدى شخصيات "نيران المخيم" للكاتبة الألمانية يوليا فرانك، في فصل من فصول الرواية التي صدرت ترجمتها العربية أخيرا عن "دار شرقيات" في القاهرة، بالتعاون مع "مشروع ليتركس" الألماني للترجمة، وترجمها خالد طوبار. الفقرة نفسها تعبّر في ظني عن جوهر التجربة التي تتناولها الكاتبة في هذا الكتاب. تدور أجواء الرواية في أحد مخيمات اللاجئين الألمان في برلين (مخيم إيواء مارينفيلد) النازحين هربا من جحيم الفقر الموزع بالعدل عليهم في ألمانيا الشرقية آنذاك، إلى جنة الغرب الموعودة، أو المزعومة. لكنهم لا يصلون سوى إلى ذلك المخيم؛ حيث يعيش الأفراد والعائلات معا في غرف صغيرة يتقاسمون أسرّتها، في أجواء لا تذكّرهم إلا بالسجون، يعانون الفقر وقلة الطعام، وغياب الحرية، في مناخ يطغى عليه الخوف وتحقيقات أمن الدولة والمخابرات الألمانية والأميركية معا، وشيوع الإحساس بأن كل شخص هو جاسوس لجهة من تلك الجهات، مما يجعل الحلم الغربي كابوسا آخر، لا تقل مراراته في شيء عن مرارة المعسكر الشرقي الذي ينتمون إليه.تلقي يوليا فرانك الضوء على جوانب الحياة في ذلك المعسكر الكئيب، بمواصفات سكّانه شكلاً وموضوعاً، وتصف لنا أجواءه الكابية والكئيبة، والروائح البشعة، والبرد القارس، وتفاصيل الحياة المشتركة بين سكان المخيم، على اختلافاتهم الشخصية والاجتماعية والثقافية، بلا خصوصية من أي نوع، والانطباعات التي يرددها الغربيون عن القادمين من الشرق، وغيرها من التفاصيل بدقة، وبوعي فلسفي، تؤكد هذه السمة كخاصية أساسية من خصوصيات النص الألماني المعاصر كما لاحظناه في عدد من الأعمال الأدبية المترجمة حديثا الى العربية، مثل كتابات إنجو شولسه، توماس بروسيج، فريدون زايموغلو، ميشائيل كليبرغ وغيرهم.يتناوب على السرد عدد من سكان المعسكر: نيلي زنف، أم طفلين من علاقة غير شرعية، حيث كانت تعيش مع والد الطفلين في برلين الشرقية حتى توفى وتحملت مسؤوليتهما الكاملة. كريستينا يبتونوفسكا، عازفة التشيللو، بولونية الأصل نزحت الى المخيم مع أبيها المريض وشقيقها. هانز بيشنكة، العصابي الغريب الأطوار الذي يقع في حب نيللي في حين أنه لا يستطيع ممارسة الحب. ثم جون بيرد، محقق المخابرات الأميركية الذي يعمل في جهاز التحقيقات الخاص بالمعسكر، وهي التحقيقات التي يخضع لها كل لاجئ من اللاجئين، بمن فيهم الأطفال، وتمارس فيها كل الحيل اللازمة لمعرفة كل شيء من اللاجئ قد تجعل منه خطرا على المعسكر الغربي الذي يرغب في الانتقال إليه.كل صوت من أصوات تلك الشخصيات يصطحبنا معه في رحلته، بكل مواصفاته الخاصة، ونبرة صوته المميزة، وطريقته في التفكير، من دون أن يتشابه صوت مع الآخر، وإن في مشهد واحد.تمسك يوليا فرانك بشخصياتها وأصواتهم ببراعة، وتنقل أدق تفاصيل هواجسهم الخاصة، وإحساسهم بالخوف غير المبرر الذي تسببت به الأجواء البوليسية التي كانوا يعيشون فيها، والتي لم تفلتهم حتى في أثناء وجودهم في ذلك المخيم على الحدود الفاصلة بين المعسكرين. تنقل مظاهر التشتت النفسي والرهاب والقلق التي يعيشونها، وخضوعهم لإرهاب الدولة البوليسية من جهة، ولإرهاب المجتمع الذي يطمعون في الانتقال إليه، من جهة أخرى، ذلك المجتمع – الحلم، الذي لا يبدو أن اندماجهم فيه سيكون سهلا أو مقبولا. أدت فكرة انقسام الدولة الألمانية قسمين الى حدوث حالة من العداء الثقافي المتبادل، يماثل الكراهية التاريخية الموجودة بين الشعوب المتناحرة. المأساة أن أول ضحايا القادمين من الشرق هم الأطفال؛ إذ كانوا يتعرضون لبشاعات نفسية تفوق قدراتهم على الاحتمال؛ حيث يشيع عنهم أطفال الغرب شائعات عدة توارثوها عن آبائهم، لتأكيد فكرة نبذهم للوافدين الجدد، وأسهل تلك الشائعات وصفهم بأنهم يعانون أمراضاً معدية يسمّون أشهرها "جدري الشرق". وقد يصل الأمر إلى الإيذاء البدني الذي تولّده نوازع الاختلاف التي أذكاها الانفصال المرعب بين شعب تم تقسيمه شرقاً وغرباً من دون أن يسأله أحد عن رغبته في هذا التقسيم. يصل الإيذاء البدني إلى حد إصابة أليكسي، إبن نيللي زنف، بارتجاج في المخ، فكيف يتعايش هؤلاء الأطفال في المستقبل؟ سؤال من اسئلة تطرحها هذه الرواية.من بين التفاصيل التي يتسم بها هذا العمل، أيضا، دقة وصف الكاتبة للإجراءات التعسفية التي كان الكل معرّضا لها، آنذاك، على أيدي ضباط الحدود؛ وبينها إجراءات التفتيش الدقيقة التي تلزم الجميع التجرد الكامل من ملابسه، وإن يكن عجوزا في الثمانين. فهم لا يكتفون بتجريد هذه العجوز من ملابسها فقط، بل ويدقّقون في أجزاءها الداخلية، وحتى طاقم الأسنان يخلعونه من فمها، خشية أن يكون جسمها استخدم كأداة للتجسس في العالم الجديد الذي ترغب في الانتقال إليه. لكن حتى من يبدو جلادا مثل المحقق الأميركي، فليست حياته حياة جلاد، قدر ما هي حياة ضحية. فهو أسير الشكوك التي تحيط بكل تفاصيل حياته، وتنتقل من صميم عمله إلى كل من يتعامل معهم في حياته الخاصة. يعرف أن مهنته صارت جزءا من يومه، وتغلغلت داخل نسيج حياته، فمهمته لا تتوقف على التعامل مع المواطنين النازحين من الشرق، وإنما تمتد لمراقبة عمل المحققين الألمان في أثناء عملهم، والتأكد من أدائهم عملهم على وجه الدقة. إنها دائرة الشك والارتياب التي كان الجميع يعيش فيها، أسيرا ومنتجا لها، أراد أم لم يرد.من أجمل مشاهد الرواية تلك التي تتناول التحقيقات، والطريقة التي يتم فيها التحقيق، والأسئلة، وانعكاساتها النفسية على الشخصيات موضوع التحقيق. تتألق يوليا فرانك حين تمتلك قوة المزج الدقيق بين سرد الوقائع، وانتقالها إلى انعكاس تلك التفاصيل سيكولوجياً على الشخصيات جميعا في المشهد الواحد، بينما الحوار هو القشرة الخارجية التي تكوّن كتلة المشاهد الأساسية. وبقدر ما تتمكن يوليا فرانك من استعراض موهبتها في كتابة هذه المشاهد التي يبدو أنها قد عايشتها عن قرب، أو أجرت تحقيقات ودراسات حولها، وفي ترتيب الأسئلة، وخصوصاً تلك غير المتوقعة التي كان المحققون يفجرونها، فإنها تكشف مأساة جيل كامل عاش أسيرا لهواجس الارتياب والشكوك، وهوس التخابر والتجسس، والشعارات التي كانت تتناقض مع الواقع المؤلم. وهذا هو سجن الإيديولوجيا، الذي تسبب بفقدان نزلائه جميعا كل قيم الحرية، والفردية. وهذا دليل آخر على أن الإيديولوجيا التي تستعين بها الديكتاتوريات، ليست سوى ذرائع سياسية لإحكام قبضتها على السلطة التي تغذي شهوتهم لها، بينما يتحول الوطن كله إلى سجن كبير. يبدو أسلوب يوليا فرانك بالغ الحساسية، ولها قدرة فريدة على التعبير عن المشاهد الحسية، بمزيج مبهر من اللغة الشعرية، والمباشرة معا، وبحساسية تناسب التناقضات المبهرة في العلاقات الجنسية التي تجمع بين طرفي نقيض (لاجئة ومحقق مثلا)، وهي سمة ميزت العديد من أعمالها السابقة، في تقويم النقاد الألمان.تحتاج ترجمة الرواية، وعدم دقتها، وأخطاء المترجم اللغوية والنحوية الفادحة، إلى وقفة. فإذا كان الناشر قد يسأل عن الأخطاء المطبعية التي يمتلئ بها الكتاب، فإن المترجم مسؤول مسؤولية كاملة عن الأخطاء النحوية الفادحة، التي يفيض بها النص، كما يسأل عن أخطاء الترجمة، التي تضيق المساحة عن حصرها، سواء على مستوى التراكيب اللغوية غير الموفقة، أو على مستوى الخلط المنفر. المأساة أن النص يأتي في إطار "مشروع ليتركس" لترجمة الأدب الألماني المعاصر الى اللغة العربية والتعريف به. والحقيقة أن عدم تدقيق القائمين على المشروع في مستوى المترجمين قد يؤتى نتائج عكسية تماما، لا تليق بالأدب الألماني، ولا بالكتّاب الذين يمتلكون مواهب كبيرة بالفعل.يُذكر ان يوليا فرانك ولدت في شرق برلين عام 1970، وانتقلت مع أسرتها إلى ألمانيا الغربية عام 1978. درست الأدب الأميركي القديم، والأدب الألماني المعاصر في برلين بعدما عاشت لفترة طويلة في الولايات المتحدة، وأميركا الوسطى. وعملت في أثناء دراستها، كنادلة، وسكرتيرة، ومفرغة للتسجيلات، ومساعدة مخرج في برامج إذاعية، ثم صحافية في عدد من الصحف الألمانية. حصلت على عدد من الجوائز منها جائزة الميكروفون المفتوح عام 1995، ومنحة ألفرد دوبلن عام 1998، وجائزة ماريا لويزا كاشنتس. صدر لها، الى هذه الرواية، "الطباخ الجديد" (1997)، و"هبوط فاشل" (2000). وكانت حصلت على جائزة "الكتاب الألماني" في الدورة الفائتة لمعرض فرنكفورت الدولي عن أحدث أعمالها "إمرأة الظهيرة".




إبراهيم فرغلي




مقالة نشرت في ( صحيفة النهار اللبنانية) في 12 يناير 2008


الصورة المنشورة نسخة مرفقة بمقال منشور بصحيفة "فرانكفورتر ألجاماين*
وحقوق التصويرلـ
© F.A.Z.-Helmut Fricke