Showing posts with label internet. Show all posts
Showing posts with label internet. Show all posts

Thursday, May 8, 2014

المدونات الافريقية

 
المدونات الإفريقية
صورة لقلب إفريقيا البيضاء!
إبراهيم فرغلي
 
 
 
انشغلت مؤخراً بإفريقيا لأسباب عديدة، من بينها قراءة رواية مهمة مثلا للدنماركية كيرستن توروب بعنوان "إله الصدفة"، وفيها قصة سيدة دنماركية تقودها الصدفة إلى جامبيا وتتعلق بفتاة إفريقيا تتضامن مع ظروفها وتنجح في نقلها إلى اوربا. وهناك أسباب اخرى ثقافية وأدبية جعلتني شغوفا بالبحث والقراءة عن إفريقيا. كما أنني وقعت مؤخرا على كتاب بعنوان "إفريقيا والتحدي" من تأليف وانغاري ماثاي، الكينية الحاصلة على نوبل للسلام في العام 2004، والتي توفيت في العام 2011، وصدرت ترجمته العربية من ترجمة أشرف كيلاني عن سلسلة عالم المعرفة في شهر مارس الماضي.
وإزاء اهتمامي بتأمل "الصورة الفريقية" بعيدا عن الكلاشيهات الشائعة قمت بالبحث على شاشة الإنترنت عن صور إفريقيا المتاحة على شبكة المعلومات من جهة، والبحث كذلك عن بعض الوثائق الفنية المصورة مثل التلفزيون، ومن خلال هذا البحث تكشفت مفارقتان لافتتان، فبينما تكشف الصورة التلفزيونية وهي في غالبيتها منتجة بأيدي إفريقية ممثلة في أفلام سينمائية وفنون دراما، تكشف عن تاريخ ليس بالهين من الأفلام السينمائية والمسلسلات بعضها من إثيوبيا أو الجابون أو السنغال، وبعضها من نيجيريا التي تمتلك صناعة سينمائية ضخمة تضعها في مصاف كبريات صناع السينما في العالم بعد كل من هوليود وبوليود، بالمناسبة صناعة السينما النيجيرية تعرف باسم "نوللي وود"، وهي صناعة هائلة تمتلئ بأسماء لمخرجين كبار وممثلين نجوم في بلادهم وفي القارة الإفريقية وقصص وحكايات عديدة تجسد العديد من صور الإشكالات التي يواجهها الفرد وصور الحياة اليومية لشعوب القارة السمراء، بالإضافة لدول إفريقية أخرى طبعا، مثل جنوب إفريقيا. أقول أنه في مقابل هذه الصورة التي تكشف عنها الأفلام والدراما،هناك الصور الفوتوغرافية، على شبكة الإنترنت؛ التي تصور جوانب من إفريقيا وتبدو وكأنها موازييك مفتت، إذا نجحنا في جمعه معا لتكونت لنا صورة ضخمة بائسة، هي الصورة التي يبدو الإعلام الغربي مصرا على بثها باعتبارها الصورة الوحيدة لإفريقيا وهي صورة إفريقيا السوداء الفقيرة التي تعيش مجاعات، ويعاني أطفالها من الجفاف والهزال وسوء الصحة، وتعاني من الحروب الأهلية، ويتفشى فيها المرض، وتمتلئ صحاريها بالهياكل العظمية لضحايا الحروب والمجاعات والهجرات التي تمثلها فرق الهاربين من المآسي والكوارث الإفريقية إلى دول الشمال، أو جنة العالم الغربية.
ولأجل التحقق من هذه الصورة التي تبدو، حتى بالنسبة إلينا نحن العرب، الصورة الوحيدة لإفريقيا، خصوصا في ظل الإفراط في المحلية الذي يعاني منه اليوم العديد من المجتمعات العربية، حاولت تتبع المدونات المهتمة بإفريقيا التي يكتبها أهل الدول الإفريقية المختلفة، أو يسهم فيها بعض الكتاب الغربيين المهتمين بالكشف عن الوجه الحقيقي لإفريقيا وشعوبها، وتراثهم ومعتقداتهم، وبساطة أهلها، وقلوبهم البيضاء.
 
قبل الإشارة إلى بعض ما يتضمنه محتوى شبكة الإنترنت مما يبث من قبل الأفارقة أنفسهم، ويعبر عن واقعهم الفكري والاجتماعي والثقافي والفني أود الإشارة إلى مقتطف من كتاب "إفريقيا والتحدي"، تقول فيه مؤلفته وانغاري ماثاي: "على مدى خمسة قرون ظل العالم الخارجي يخبر الأفارقة من يكونون، بطريقة تشبه ما حدث لسكان البلاد الأصليين في أستراليا، وسكان أمريكا الشمالية المحليين، وسكان الأمازون الأصليين، فقد قيل للأفارقة أن مجتمعاتهم متخلفة، وعاداتهم الدينية آثمة، وممارساتهم الزراعية بدائية، وانظمتهم في الحكم غير مناسبة، ومعاييرهم الثقافية همجية. ولم يحدث إلا في وقت قريب نسبيا فقط أن أخذ عمل علماء الآثار والمؤرخين يحل ببطء محل التصورات الأوربية المسبقة التي طال عليها الأمد عن إفريقيا باعتبارها "القارة السوداء". واكتشف هؤلاء الدارسون أن القارة كانت لديها حضارات متطورة في القرون التي سبقت وصول الأوروبييين، وهياكل حكم أساسية، وإبداعات ثقافية تضارع أيا من مثيلاتها في في أوربا في ذلك الوقت.على سبيل المثال فمملكة الكونغو في وسط إفريقيا التي امتدت لمسافة 130 ألف ميل مربع وكانت تضم ما يزيد على نصف مليون نسمة، عاشت قرونا حتى حولتها تجارة الرقيق البرتغالية إلى دولة تابعة فعليا. وخلال القرن الرابع عشر كانت الإمبراطورية مالي أكبر من أوربا الغربية، وكانت ، طبقا لما ذكره بعض المعاصرين- واحدة من أغنى دول العالم. وفي عصر خلفائها، امبراطورية السونغاي في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، بلغت جامعة سنكوري الشهيرة في تمبكتو، وهي أحد أقدم مراكز التعليم في العالم، ذروة إنجازاتها".
إن ما أوجزته وانغاري ماثاي في هذه الفقرة يختزل المفارقة التي أشرت إليها حول التناقض بين الصورة التي يصورها الأفارقة بأنفسهم لأنفسهم وتبدو صورا حية تفيض بالحيوية والمرح والحزن والثقافة والتراث والفنون، مثل أي مجتمع إنساني طبيعي، وبين الصورة التي يصر الغرب على إشاعتها عن إفريقيا كقارة كئيبة لا يوجد بها إلا الجوع والفقر والمجاعات والموت والخراب. أو كأنها ليست سوى قفار الموت.



 
وأظن أن دورنا كعرب أن نحاول التعرف على صورة موضوعية عن إفريقيا، باعتبار أننا كدول تعرضت لنفس ظروف الاستعمار الإمبريالي، وتعرضت كذلك لظروف التأطير في صور كلاشيهية صدّرها الغرب الاستشراقي عنا ولا تزال تتداول حتى اليوم بوصفنا مجتمعات الحريم والبداوة والتخلف ووأد الإناث واستغلال النساء والحروب الأهلية الطائفية وفقط، من دون أي اعتبار لمظاهر الثراء الثقافي الذي تتمتع بها ثقافاتنا وحضاراتنا القديمة العربية وغير العربية.
تجدر الإشارة هنا أن مجلة "العربي" لعبت في الحقيقة دورا مهما، في حقبة من حقب صدورها في الكشف عن جوهر روح إفريقيا عبر عدد من الاستطلاعات المصورة التي تناولت بعض المدن الإفريقية أو جوانب من ثقافات إفريقيا، مثل السنغال في أكثر من استطلاع، والعفر في القرن الإفريقي، وجنوب إفريقيا، التي استطلعتها المجلة أكثر من مرة أيضا، بسبب تعدد ثقافاتها وكبر مساحتها، ومالي وبالتحديد تومبوكتو، والصومال وزنجبار وناميبيا والسودان، وتنزانيا وزيمبابوي، وموريتانيا وجيبوتي.
 


 
مع التأكيد أن العربي كان لها السبق في إطلاع القارئ العربي على بعض دول إفريقيا التي ربما لم تتناولها قبلها أي مطبوعة عربية وبينها مثلا ناميبيا التي تقع في الجنوب في شمال غرب جنوب إفريقيا والتي قدمها الكاتب الدكتور محمد المخزنجي في مطلع الاستطلاع الذي كتبه عنها قائلا:" خلجان شفافة لجحافل من طيور الفيلامينجو، وبرار لأسراب الغزلان الطليقة، صحارى تنبثق منها واحات النخيل الاستوائي، وغابات تربتها حمراء تلامس السحب، مدن تحتفظ بعمارة القرن التاسع عشر الأوربية، وأرصفة تعج بمنحوتات العاج والأبانوس الإفريقي، حكومة سوداء بها وزراء بيض، ونموذج ديمقراطي يحترم التنوع، تراث غائر من القهر العنصري، ونزوع طيب لتجاوز الماضي نحو حاضر لا يعرف التفرقة، جامعة وليدة تتحدث بلغة العصر، وطلاب لم ينسوا جذورهم الإفريقية. هذه بعض من وجوه ناميبيا التي تشبه جوهرة يأتلق فيها مائة سطح وسطح، لكنها جوهرة منسية لقارة منسية، نسيناها نحن الذين تعودنا أن تكون مواسم هجرتنا نحو الشمال ومهاوي أفئدتنا نحو الشمال، بينما الجنوب الودود يزخر بألف بهجة وبهجة للبصر وللبصائر، وألف ألف نداء دافئ خجول. ولقد لبت العربي النداء، رغم خفوت الصوت وحياء المنادي، لتكون أول مطبوعة عربية تقبس لقرائها بعضا من هذا الألق الحميم البعيد".
ومن المؤكد أن هذه الاستطلاعات لو جمعت في كتاب واحد، لكونت سفرا مهما عن الثقافة الإفريقية، ومع ذلك فهناك الكثير من الدول الإفريقية التي تحتاج للتعرف عليها، وربما لم تتح الفرصة للعربي أن تزورها بعد مثل كينيا ونيجيريا وإثيوبيا والعديد من دول وسط إفريقيا مثل ساحل العاج ومالي وغيرها.
كما أن أغلب الاستطلاعات التي تناولت إفريقيا في الحقيقة إما مر عليها وقت طويل جدا، او أن بعضها تمت زيارته مرة واحدة فقط بما لا يكفي بالتأكيد لتكوين صورة معرفية شاملة لهذه القارة اللغز، والثرية بالفن والتراث والحضارات والتعددية الإثنية والعرقية واللغوية.
لهذا كله كان من المهم الاطلاع على إفريقيا الإفتراضية، أو إفريقيا التي تقدمها شبكة الإنترنت، وخصوصا المدونات التي أنشأها أفراد من المثقفين الأفارقة الذين يجيدون اللغات الأجنبية، أو تلك التي أنشأتها مجموعات او مؤسسات إفريقية من أجل تقديم صورة ما، حقيقية ووافية عن بلادهم وثقافتهم. وفيما يلي نماذج لبعض من المدونات.


 
·       مدونة إفرقيتنا
www.ourafricablog.com
 
في هذه المدونة المصورة تبث المدونة عددا من الصور وتذيل كل صورة بتعليق مكثف عن الصورة التي قد تكون تمثيلا لزي شعبي لأحد البلدان الإفريقية، أو لوحة فنية تعبر عن ثقافة ما من ثقافات إفريقيا، أو طابع معماري في إحدى المدن الإفريقية، وهي مدونة فنية ثقافية.
·       أفريكا أون ذا بلوج
www.africaontheblog.com
هذه المدونة تعد واحدة من المدونات المثالية لمن يريد أن يتعرف على إفريقيا بقلم أهلها، وأن يرى صورة حقيقية للثقافة والمجتمع والحياة اليومية والآراء السياسية والفنون وأنواع الطعام وغير ذلك من وجهة نظر الأفارقة أنفسهم، ومن دون تحيزات الإعلام الغربي التي تستضيف الأفارقة على شاشاتها لكي يؤكدوا صورة ما يود الغرب تثبيته عن إفريقيا.
ومن بين ما تتناوله هذه المدونة على سبيل المثال عرض كتاب "عشاء مع موجابي" من تأليف هايدي هولاند، وهي صحفية من جنوب إفريقيا كانت تعيش في زيمبابوي، وتوفيت في عام 2012، وفي الكتاب تستعرض سيرة حياة موجابي الذي يعد أطول حكام إفريقيا عمرا، فهو يكمل هذا العام عامه التسعين، إذ ولد روبرت موجابي في زيمبابوي في العام 1924، ويعد أول رئيس حكومة في زيمبابوي وثاني رئيس للبلاد بعد الاستقلال، وكان قد تولى الحكم بعد الرئيس كنعان سوديندو بانانا، في العام 1987، وكان موجابي عضوا في حركة زابو التي أسسها جوشوا نكومو كحركة سياسية نضالية أفريقية وصفت باتحاد شعب زيمبابوي الأفريقي (زابو) "ZAPU" عام 1961، رفعت شعار المساواة في الحقوق الانتخابية بين السود والمستوطنين البيض في روديسيا (سابقا). وكانت السلطات البريطانية الاستعمارية حركة زابو في عام 1962 وتعرضت لانشقاق تمخض عن ولادة حركة زانو "ZANU" بقيادة (سيشولي وروبرت موغابي) وقد عمل جوشوا نكومو على التفاوض مع البريطانيين من أجل إقامة اتحاد أفريقيا الوسطى دون نتيجة.


 
تتناول المدونة أيضا على سبيل المثال طبيعة الوجود المسيحي في كينيا من خلال موضوع موسع يبحث تعداد وظروف المسيحيين في كينيا.
ويمكن لمن يطلع على هذه المدونة المهمة أيضا أن يقرأ موضوعا مهما عن مدى تأثر إفريقيا بما يعرف بالربيع العربي، وما أسفر عنه في كل من مصر وليبيا وتونس، وكيف يمكن أن تستلهم إفريقيا هذه الحركات من أجل التغيير السلمي ورفع الصوت أمام الحكام الديكتاتوريين في إفريقيا ممن يتعاملون مع بلادهم كأنها محميات خاصة بهم، كما يسلط المقال الضوء على بعض الوقفات الاحتجاجية التي قام بها المهاجرون النيجيريون في لندن إما تعاطفا مع موجات التغيير الديمقراطي في العالم العربي أو شجبا للجماعات المتطرفة الإفريقية مثل بوكو حرام وغيرها.
كما كتبت الناشطة الزيمبابوية دورين جورا  Doreen Gaura مقالا موسعا عن الدور الذي قامت به ويني مانديلا زوجة الزعيم الجنوب إفريقي الراحل نيلسون مانديلا في دعم زوجها ونشاطها السياسي.
كما تنشر المدونة كذلك موضوعا عن "معايير الجمال" وكيف سجن البشر الجمال "الأسمر" في سجن القبح موليا وجهه للبشرة البيضاء معتبرا إياها مقياس الجمال الوحيد أو الأول. وكيف يعاد النظر في هذه الكلاشيه القاصر والمحدود.
هذه مدونة مهمة ووافية في إضاءة الكثير عن القارة السمراء، بأقلام أهلها، وبصدق واحترافية وموسوعية.
·       يوميات الرحالة
www.rangerdiaries.com
هذه المدونة تضم تدوينات مختلفة مصحوبة بالصور بأقلام الرحالة الغربيين في رحلات السفاري التي يقومون بها في إفريقيا ويصفون ما يشاهدونه من الطبيعة أو البشر، ومغامراتهم في مواجهة الحيوانات المختلفة في صحاري أو غابات أو أحراش دول إفريقية مختلفة.
·       سجلات تمبكتو
·       timbuktuchronicles.blogspot.com
 
هذه المدونة المنوعة أيضا تلقي الضوء على العديد من شؤون الثقافة والحياة الاجتماعية واليومية لعدد من الدول الإفريقية، كما تجد بها تقارير مصورة عن بعض إبداعات فتيان إفريقيين يصنعون سيارات خشبية تشبه السيارات الجيب الخاصة بالسفاري، وألوان من الأطعمة التي تختص بها بعض الثقافات الإفريقية، إضافة إلى بعض التقارير حول مشاكل تمويل الاستثمارات في دول إفريقية مختلفة. وما يشبه ذلك من موضوعات.
·       افريقي أبيض whiteafrican.com
إريك هارسمان منشئ هذه المدونة نشأ في كل من السودان وكينيا وهو الآن متزوج ويعيش في كينيا، وقد أنشأ المدونة لتسجيل كل التطورات التقنية المتعلقة بوسائط الاتصال الحديثة في كينيا وإفريقيا بشكل عام، والتعريف بمجتمع التقنيين الكينيين وإنجازاتهم في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
إن عالم القارة السوداء، في الحقيقة هو عالم كامل من الثقافة والفكر والأدب والطبيعة والتراث والعلم، لكننا للأسف لا نعرف شيئا عنه، ولعل العالم الافتراضي يكون مدخلا أوليا لفهم ومعرفة هذا العالم الثري.
نشرت في مجلة العربي العدد 666، مايو 2014

الإنترنت في الفضاء الخارجي

هل يمكن التغريد على تويتر من المريخ؟
الإنترنت في الفضاء الخارجي
 
إبراهيم فرغلي
 

حين وصلت الأمريكية الإيرانية الأصل، آنوشي آنصاري إلى الفضاء الخارجي في رحلتها التي قامت بها في العام 2006، كانت بذلك أول سائحة تقوم بجولة في الفضاء الخارجي، والمثير في الأمر أن أنصاري كانت تقوم بكتابة يومياتها في الفضاء وتبث في مدونة إلكترونية سجلت فيها هذه التجربة الخاصة، بكل ما فيها من مشاعر فياضة ومتاعب بدنية وجسدية، خصوصا وأن رحلة التأهيل للخروج للفضاء اقتضت منها شهورا عديدة. فهل كانت تدون هذه اليوميات في المركبة الفضائية عبر شبكة الإنترنت؟ وإذا كانت هناك شبكة إنترنت في الفضاء الخارجي فكيف تعمل، وهل تختلف عن شبكة الإنترنت الموجودة هنا على الأرض؟
في ذلك الوقت، أي خلال جولة أنصاري في الفضاء، غالبا لم يكن من الممكن أن يقوم رواد الفضاء بالاتصال الإلكتروني مباشرة بشبكة الإنترنت، بل كان بإمكانهم فقط الاتصال بالمحطة الأرضية عن طريق بريد الكتروني، فحتى العام 2010، لم يكن ممكنا لرواد الفضاء، على سبيل المثال، أن يقوموا بالتغريد على وسيلة التواصل الاجتماعي "تويتر"، إلا عبر الاتصال بالمحطة الأرضية عن طريق البريد الإلكتروني، ومنه يتم بث التغريدات على تويتر من قبل طاقم الاتصال على الأرض.
تعرف شبكة الإنترنت الداخلية في المركبة الفضائية onboard internet access ، المخصصة لاستخدام طاقم المركبة بـ Crew Support LAN، وهي تسمح للشبكة بالاتصال بأحد أجهزة الكمبيوتر الأرضية عن طريق جهاز الكمبيوتر المحمول في المركبة.
وفي يوم 22 يناير من العام 2010 بدأ بث أول تغريدة من رائد فضاء من موقعه في الفضاء الخارجي على موقع "تويتر" من الحساب الخاص برائد الفضاء Astro_TJ@:
 وقال فيها :"مرحبا بكون تويتر، نحن الآن نغرد مباشرة من محطة الفضاء الخارجية الدولية".
الإنترنت الكوكبي
لكن العلماء عملوا على تصميم شبكة إنترنت تصل ليس فقط بين الأرض وبين المركبات الفضائية، بل وبين المركبات الفضائية في الفضاء الخارجي. وهذا النوع من الشبكات يعرف باسم الإنترنت الكوكبي أو The Interplanetary Internet ، وهي شبكة إنترنت مصممة في الفضاء تتكون من مجموعة من العقد الشبكية التي يمكنها أن تتصل ببعضها البعض.
لكن بسبب المسافات الشاسعة في الفضاء الخارجي، فإن هذه الشبكة لا تمتلك سرعة الاتصال التي نعرفها في شبكات الإنترنت الأرضية، بل تتأخر، كثيرا لذلك تحتاج هذه الشبكات إلى بروتوكولات (لغة تخاطب بين الحواسيب على الشبكة)  وتقنيات خاصة تتعامل مع نسب الخطأ، والتأخير بشكل مرن.    
وللمزيد من التوضيح نقول ان شبكة الحاسوب هي نظام لربط جهازين أو أكثر باستخدام إحدى تقنيات نظم الاتصالات من أجل تبادل المعلومات والموارد والبيانات بينها المتاحة للشبكة مثل الآلة الطابعة أو البرامج التطبيقية أياً كان نوعها وكذلك تسمح بالتواصل المباشر بين المستخدمين. من الممكن أن تكون أجهزة الحاسوب في الشبكة قريبة جداً من بعضها وذلك مثل أن تكون في غرفة واحدة وتسمى الشبكة في هذه الحالة شبكة محلية LAN. ومن الممكن أن تكون الشبكة مكونة من مجموعة أجهزة في أماكن بعيدة مثل الشبكات بين المدن أو الدول وحتى القارات ويتم وصل مثل هذه الشبكات في كثير من الأحيان بالانترنت أو بالسواتل (Satellite)و تسمى الشبكة عندها شبكة عريضة WAN،هناك أيضاً في مقابل ذلك الشبكة الشخصية PAN والتي تربط مجموعة أجهزة قريبة من المستخدم. واشهر شبكة كمبيوتر أو حاسوب هي شبكة الإنترنت
وبينما شبكة الإنترنت الأرضية كما هي معروفة عبارة عن  شبكة اتصال تتضمن شبكات كثيفة مزدحمة، تتصل ببعضها البعض بكفاءة ووفق نسبة تكاد لا تذكر من الخطأ أو التأخير، فإن شبكة الإنترنت الكوكبية أو الفضائية هي مخزن وشبكة إنترنت غير متصلة عادة، تعمل بالاتصال اللاسلكي wireless ، وهذه الشبكة مشحونة بروابط  أو وصلات عرضة للخطأ وللتأخير في نطاق يتراوح ما بين عشرات الدقائق إلى بضعة ساعات حتى، وذلك حتى لو كانت الشبكة متصلة.
سباق المسافات الطويلة
فهنا على الأرض تعمل شبكة الإنترنت بشكل بسيط، هناك مجموعة من أجهزة الحاسوب، تود ان تقوم بالاتصال ببعضها البعض وتكون شبكة اتصال. جهاز الحاسوب يقوم بإرسال رسالة الى حاسوب آخر، وهذا الأخير يرسل رسالة يقول فيها انه تلقى الرسالة، وهذه العملية، اي الإرسال والاستقبال لا تتجاوز عادة زمن ثانية واحدة، وبالتالي يتم الأمر بشكل رائع، لكنك لو أردت ان ترسل هذه الرسالة الى جهاز كمبيوتر أو حاسوب موجود على كوكب المريخ فإن الرسالة سوف تستغرق عشر دقائق حتى تصل الى الجهاز، وسوف تستغرق الإشارة أو الرسالة الواردة عشر دقائق أخرى، وبالتالي فهذا يعني أن علينا ان نجري تغييرا تاما في الطريقة التي تتحدث أو تتواصل بها أجهزة الحاسوب بين الكواكب المختلفة. وهذا هو ما يعمل عليه المختصون الآن.
مرت عملية تطوير الاتصالات الفضائية بمراحل بدأت بتقنيات باهظة التكاليف، تعتمد على الاتصال بين نقطتي اتصال وحيدتين، ثم بمرحلة إعادة استخدام التقنيات المتاحة في عمليات ناجحة، وصولا الى مرحلة تأسيس بروتوكولات جديدة خاصة بالاتصالات الفضائية والتي تعود الى عام ١٩٨٢، مع تأسيس الهيئة الاستشارية من اجل نظم المعلومات الفضائية CCDS والتي تشكلت من عضوية ١١ وكالة فضاء من أرجاء العالم، و٢٢ محطة مراقبة فضائية بالتعاون مع مائة مؤسسة صناعية في مجال تكنولوجيا الاتصالات.
وسارت تقريبا عملية تطور تقنيات نظم المعلومات والاتصالات الفضائية بالتوازي مع تطور تقنيات شبكة الإنترنت، وبنوع من التلاقح في المفاهيم بين المجالين الذي أثمر في عملية تطوير كل منهما، ومع ذلك فإن مجال الإنترنت الفضائي يعد حقلا منفصلا نسبيا في تطوره.
اختلاف في المفهوم


 
 
وبينما تناسب بروتوكولات الإنترنت، وتلائم المسافات المحدودة كتلك التي تكون بين المحطة الأرضية والمسبار مثلا، أو بين مركبة الهبوط على كوكب والمسبار، وما شابه ذلك من قفزات صغيرة نسبيا. فإن نظام شبكات الفضاء الخارجي، أو الشبكات الكوكبية، يحتاج إلى أن يتم تلقي المعلومات من منطقة ما إلى الأخرى في النظام الشمسي. وبالتالي يتضح أن مفهوم "منطقة"  يعني وجود مساحة ما تتماثل فيها ظروف الاتصال.
وتشمل خصائص "منطقة" معينة كل من الاتصالات، والأمن، والحفاظ على الموارد، وربما الملكية، وغيرها من العوامل. وبصوغ آخر يمكن القول أن الإنترنت الكوكبي هو شبكة تضم مجموعة من شبكات "المناطق".  
ومن أمثلة "المناطق" في حالة شبكة الإنترنت الكوكبي أن تتواجد منطقة اتصال على سطح القمر مثلا، أو على سطح المريخ ، وتكون المنطقة الأخرى هي المسبار أوة المركبة الفضائية.
لذلك فمع ضغطة الزر Send  التي أطلقها رائد الفضاء تيموثي ج، لكي يرسل أول تغريدة على تويتر من الفضاء إلى الأرض، فإن ما فعله ليس مجرد إطلاق تغريدة من الفضاء الخارجي فقط، بل وإثبات بالدليل الدامغ على الخطوة العملاقة التي خطاها مجال تطوير الإنترنت الكوكبي، بعد سنوات شاقة من الدراسة والاختبارات.
وهذه التجارب المستمرة على تطوير شبكة الإنترنت الكوكبية لها العديد من الأهداف أهمها تسهيل استخدام مركبات يتم التحكم فيها عن بعد في الكواكب المختلفة، كما حدث مع العربة "كيروسيتي" على المريخ، وضمان المزيد من الأمن لرواد الفضاء في الرحلات الطويلة، وتقليل تكلفة الرحلات بسبب سرعة الاتصال بين المركبة الفضائية، وكذلك لأسباب أخرى من بينها مثلاً أن بعض الذين سؤلوا عن رغبتهم في التطوع بين المتطوعين لرحلة المريخ أنهم رفضوا الفكرة في البداية، لكن البعض أعلن عن استعداده لتلك المغامرة إذا كانت الرحلة تضمن وجود شبكة إنترنت.
رحلة المريخ
 


 
ورحلة المريخ هذه هي الرحلة التي أعلنت عنها قبل عدة أشهر شركة "مارس وان" الهولندية لإطلاق مركبة غير مأهولة بحلول العام 2018، لتمهيد الطريق لرواد فضاء متطوعين باختبار التكنولوجيا التي سيحتاجونها إذا وصلوا إلى المريخ سالمين، لإقامة اول مستوطنة بشرية في الفضاء الخارجي.
ووفقا لما نشرته تقارير صحفية عدة عربية وعالمية أبدت شركة لوكهيد مارتن للصناعات الجوية الفضائية، التي تعاونت مع وكالة الفضاء الاميركية – ناسا في اطلاق العديد من المركبات، استعدادها لإطلاق مركبة مماثلة للمسبار "فينكس"، الذي اطلقته ناسا وهبط على سطح المريخ في العام 2008. وستُطلق المركبة مع قمر اصطناعي للاتصالات يوضع في مدار حول المريخ، حيث سيوفر وسيلة لارسال أفلام فيديو ومعلومات من سطح المريخ إلى الأرض.
كما وقعت الشركة الهولندية عقدًا مع شركة سري ساتيلايتس البريطانية للعمل على بناء قمر الاتصالات.
إذا نُفذت الخطة كما هو مرسوم لها، فإنها ستكون أول رحلة ممولة من القطاع الخاص لاستكشاف كوكب آخر. وقال ايد سيديفي، كبير مهندسي لوكهيد مارتن ومدير رحلة المسبار فينكس الذي اطلقته ناسا: "المشروع يمثل فجر حقبة جديدة في استكشاف الفضاء".
وأعلن باس لانسدورب، المدير التنفيذي لشركة "مارس وان" في واشنطن، أن المركبة غير المأهولة التي ستُطلق في العام 2018 هي الخطوة الأولى في خطة الشركة لاقامة مستوطنة دائمة على المريخ.
إذا تكللت الرحلة المأهولة الأولى بالنجاح، تخطط الشركة الهولندية لإرسال أطقم أخرى، مرة كل عامين. ولا يتوقع أحد من افراد هذه الأطقم أن يعود إلى الأرض، بل سيبقون على المريخ بوصفهم سكان أول مستوطنة فضائية. وقال لانسدورب إن شركته تلقت أكثر من 200 ألف طلب من متطوعين يريدون أن يكونوا أول المحلقين إلى المريخ. ويكلف الطلب الواحد 75 دولارًا ومن يتقدمون إلى المرحلة الثانية من التقييم سيُبلغون بالخطوة التالية في نهاية العام.
 وستختبر المركبة غير المأهولة كاميرات الفيديو وتصور افلامًا على مدار الساعة، فيما ستُجرى تجربة على متنها لإنتاج الماء على سطح المريخ. وتختبر تجربة أخرى لعمل الألواح الخفيفة لتوليد الطاقة الشمسية.
 ستكون الرحلة المأهولة إلى المريخ محفوفة بالمخاطر لأسباب عديدة بينها  مستويات الإشعاع المرتفعة على سطح الكوكب الأحمر. وضعف مجال الجاذبية على المريخ وهو ما سيتطلب عملية تكيف جذرية  كما أن التأثير النفسي يمكن أن يكون عميقًا. فحتى رواد فضاء متمرسون واجهوا مشاكل في صحتهم العقلية وعدم النوم والتوتر النفسي بعد بقائهم معزولين خلال تجارب على سطح الأرض لاختبار قدرتهم على التحمل.
ومع ذلك فقد زاد عدد المتطوعين بشكل كبير، ومن المتوقع أن تزداد قدرات شبكات الإنترنت الكوكبية وكفاءتها خلال السنوات المقبلة لكي تواكب هذا الحدث، ولكي تزيد من كفاءة عمليات التواصل بين الأفراد على متن المركبات الفضائية وبين الآخرين على الأرض، وهذا الحدث الخاص برحلة المريخ ليس الحدث الوحيد بطبيعة الحال الذي سيسهم رفع كفاءة شبكة الإنترنت في زيادة نسب نجاحه، إذ أنه حدث بين أحداث أخرى تتعلق بالتجارب الفضائية العديدة التي تقوم بها وكالات الفضاء الأمريكية والروسية والأوربية، إضافة لتجارب الصين التي تزمع الوصول للقمر لإجراء المزيد من الاختبارات على سطح القمر قريبا.
وبشكل عام فإن المدار الخاص بالأرض لا يحتاج إلى إنترنت كوكبي إذ أنه يخضع لبروتوكولات الإنترنت الأرضية، ومع ذلك فهناك بعض التجارب التابعة لوكالة الفضاء الأوربية التي استخدمت شبكة إنترنت كوكبية بشكل تجريبي على عربة استكشاف يفترض أن تصل إلى كوكب آخر من أجل أغراض تعليمية لبرنامج تابع لأحد معاهد الدراسات الفضائية في ألمانيا، من أجل اختبار فكرة استخدام الإنترنت الكوكبي في تجارب أخرى في المستقبل.
أبو الإنترنت
 


 
أخيرا تبقى الإشارة إلى أن الأبحاث الخاصة بتطوير الإنترنت في الفضاء الخارجي قد تمت تحت قيادة أحد أبرز الأسماء في مجال الإنترنت وهو  فينت سيرف (Vint Cerf) هو عالم كمبيوتر أمريكي من رواد علوم الإنترنت ونائب رئيس شركة جوجل، يطلق عليه "أبو الإنترنت"لإسهاماته في تطوير الإنترنت، وكانت هذه الزاوية قد تناولت سيرته في عدد سابق قبل بضعة سنوات.
 في بداية حياته كان سيرف مدير برنامج في وكالة مشاريع أبحاث الدفاع المتقدمة (داربا) ومول العديد من المجموعات لتطوير تكنولوجيا حزمة بروتوكولات الإنترنت، وعندما بدأ الإنترنت للانتقال إلى الأعمال التجارية في أواخر الثمانينات انتقل سيرف إلى شركة إم سي أي حيث كان له دور فعال في تطوير أول نظام بريد إلكتروني التجاري الأول (بريد إم سي أي) متصل بشبكة الإنترنت.
 وكان قد كشف في العام 2009 عن التطوير الهائل الذي يقوم به مع فريق العلماء في مشروع الإنترنت الكوكبي، أو إنترنت ما بين الكواكب، في إحدى المحاضرات التي ألقاها في مكتبة الإسكندرية في مصر.
حيث أوضح آنذاك إنه يعمل على هذا المشروع منذ 10 سنوات، وهو مشروع له علاقة باكتشاف الفضاء ويهدف لتدعيم أجهزة الروبوت لاكتشاف الفضاء وهو يحمل آمالا بتغييرات في تكنولوجيا المعلومات في المستقبل. وقال «إن الفكرة بدأت حينما توقفت الإشارات اللاسلكية التي ترسلها سفينة فضاء على المريخ في مايو 2008، وجلسنا مترقبين لا نعرف ماذا حدث لها، وفكرنا في خلق شبكة انترنت لعلماء الفضاء عن طريق البروتوكولات القديمة للانترنت، ووجدنا أن ذلك لن يفلح، لأنه سيأخذ 20 إلى 30 دقيقة لوصول البريد الالكتروني، بسبب المسافات البعيدة جدا بين الكواكب وعدم ثباتها، فالانترنت يتعامل مع دول ثابتة، وقد يكون ناجحا داخل السفينة أو المعمل، لكنه لن يكون كذلك بين الكواكب، وقد عثرنا على بروتوكول جديد يتعامل مع هذه المشكلة TDRSS، وسنحدد معايير الاتصال من خلال النظام الجديد IPN أو Inter PlaNet». وأشار إلى أن هذا البرتوكول سيسمح بالاتصال بين المريخ والأرض وكذلك الكواكب الأخرى، ونـأمل في تحقيق ذلك من خلال السفينة EPOXY بعد موافقة ناسا على تطبيق ذلك البرتوكول في عدة محطات فضاء، وبنهاية 2009 سيتم عرض هذا البروتوكول على الهيئة الاستشارية للفضاء لتعميم هذا البروتوكول».
واليوم أصبحت الأحلام أكثر من حقيقة.
نشرت في مجلة العربي في العدد 665- إبريل 2014