Egyptian writer. working as a journalist in the culture sectoin in Al Ahram newspaper. Books issued Betjah al ma'aqy- Kahf al frashat. Ashba7 Al hawas. Ibtisamat Al Qeddisin- Jennya fi qarora------ إبـراهيــم فرغلي كاتب مصري الإصدارات باتجاه المآقي شرقيات 1997 كهف الفراشات دار ميريت 1998، 2003 أشباح الحواس ميريت 2001 ابتسامات القديسين ميريت 2004، 2005، مكتبة الأسرة 2006 جنية في قارورة العين للنشر 2007 مداد الحوار(كتاب رحلات) العين للنشر 2006

Wednesday, January 28, 2009

خيانة الرواية



القانون الفرنسي لصنع الله ابراهيم
فن خــيانة الروايـــة




لماذا انفلت عيار السؤال السياسي وتغلب على السؤال الفني؟ هذا سؤال واحد من بين مجموعة اسئلة راودتني في اثناء قراءة رواية "القانون الفرنسي" لصنع الله ابراهيم والصادرة أخيرا عن دار المستقبل العربي في القاهرة.
هذا السؤال في الواقع هو أكثر الصيغ برودا، واقلها استنكارا لما دار بذهني عبر القراءة. فبالنسبة لي كانت نصوص صنع الله ابراهيم منذ "تلك الرائحة" و"نجمة أغسطس"، وعبورا على "اللجنة"، "بيروت بيروت" و"ذات"، ومرورا بـ"وردة"، ووصولا إلى "التلصص"هي تلك النصوص القادرة دائما على صناعة الدهشة، والتي عادة ما تتضمن مفاجاة ما في البناء الروائي، وربما أيضا، مفاجأة ما في الأحداث وتصاعدها.
كان كل نص من نصوص صنع الله ابراهيم، بالنسبة لي، يبدو بمثابة مغامرة فنية، وحدث أدبي، ومحاولة للغوص في أعماق النفس البشرية، وتداعياتها، عبر قراءة غير مباشرة للسياقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تؤثر على مسار شخصيات الحدث، ومساحة لطرح أسئلة غير مطروقة عن المسكوت عنه، فيما يتعلق بالجنس، أو العلاقات بين الجنسين، وعن السيكلوجية العميقة لنفسية الأنثى، بالإضافة إلى أنه تبنى خطابا روائيا إنسانيا، وليس ذكوريا، كما يشيع في النص الأدبي العربي، دون أن يعدم ذلك الحس الذي يعكس شغف الكاتب بتتبع الأجيال الجديدة، وحركيتها، عبر تفاصيل دقيقة تتناثر في ارجاء تلك النصوص.
لكنني منذ رواية "أمريكانلي"، ثم "العمامة والقبعة" شعرت بانحسار طموح صنع الله الفني لصالح أسئلة مباشرة، آنية، تصلح للتقارير الصحفية، والتحليلات السياسية، أكثر بكثير من أن تعبر عن مشروع فني لكاتب عرف بطموحاته الفنية المغايرة بين كتابات أبناء جيله المعروف بجيل الستينات.
والآن، بهذا النص، يبدو صنع الله ابراهيم كأنه يتعمد الارتداد عن طموحاته الحداثية في الإبداع الأدبي، إلى نص كلاسيكي مباشر، كأنه يعبر، أدبيا، عن الردة التي يعيشها المجتمع المصري، والمناخ العربي العام، بتقديم نص يوائم هذا النكوص الذي طال كل شيء، فلماذا سينجو الأدب؟
في "القانون الفرنسي" يعود الدكتور شكري، أستاذ التاريخ، الراوي وبطل رواية "امريكانلي"، في رحلة أخرى، إلى فرنسا هذه المرة، لكن شتان الفارق بين شخصية شكري في النصين، فبينما بدا في الأولى حيويا، قادرا على التقاط كل التفاصيل من حوله، بحيث نقل لنا الجو الأمريكي، ووصف الشوارع، وجغرافية المكان، وملامح المارة والعابرين، بشكل دقيق، بالإضافة إلى الشخصيات، فإنه، الدكتور شكري، في هذا النص بدا ذاهلا، إن لم يكن أعمى.
يبدو الدكتور شكري هنا، وهو ينقل تفاصيل دعوته للمحاضرة في مؤتمر فرنسي في مدينة بواتييه، مثل شخص تعرض لأزمة نفسية عميقة، جعلته ذاهلا عما حوله لصالح مونولوج داخلي صاخب، تعتمل بسببه الأفكار والأسئلة واستعادة المواقف والذكريات في عقله، دون أن يملك السيطرة عليها.
الوصف للأماكن والحانات والمطاعم شاحب، بلا تفاصيل، والأهم أنه وصف يتم بلا شغف، كانه واجب ثقيل، يطعمها بذكر أسماء الأماكن ومحطات القطار والفنادقو الوجبات الفرنسية، بلا وصف أو تعليق.
صحيح أن شكري بدا مكتئبا، سواء من مقارنته لنظافة المدينة بالمدينة التي ينتمي إليها، أو بإشارته إلى الأدوية التي يتناولها وبينها مضادات الاكتئاب.
لكني لا أظنه مسؤولا عن ثغرات النص وسلبياته، بقدر ما هي مسؤولية الكاتب، الذي لم يكتف بهذا الاستسهال، وإنما اقترف واحدة من أردأ أنساق الكتابة الأدبية، والتي تعتمد على تلبيس أفكار كبيرة تتضمن تناولا لقضايا كبرى، سياسية وتاريخية لأشخاص، لا مبرر لالتقائهم، أدبيا، سوى التجمع في مؤتمر.
ويبدو أن الكاتب انتبه لذلك، ولقصور اهتمامه ببناء الشخصيات فأحالنا مباشرة إلى "أمريكانلي"، كأنه بذلك يخلص نفسه من مسؤوليته تجاه نصه، بالعودة إلى نص سبق له أن أودع فيه كل الخصائص النفسية للشخصية وتطورها العاطفي والمهني، بحيث يتفرغ هنا لمهمته "السياسية" المحضة، بتناول نقاش مبالغ فيه حول مدى تأثير المستَعمِر في ثقافة المستعمَر، وجدل طويل حول دور الحملة الفرنسية على مصر، وهل كانت دمارا كلها أم أنها أسهمت في التأثير الحضاري على مصر.
التوثيق الذي اعتمده صنع الله ابراهيم كواحد من خصائص عمارته الفنية لأعماله الأدبية، واستخدمه بأشكال عديدة، تراوحت براعة توظيفه فنيا من نص لآخر، يبدو هنا معدوما، أو بالأدق؛ يسير على نهج الاستسهال الذي يعتمده صنع الله في النص، إذ يحيلنا على نص آخر تماما، هو "أمريكانلي"، بالإضافة إلى إحالة القاريء على نص "العمامة والقبعة" باستخدامه كوثيقة هي مخطوط قديم يستخدمه شكري في الندوة ويقول أنه يرغب في ترجمته للفرنسية ، وعنه يقول:"تنبع أهمية المخطوطة من أن مؤلفها يذكر الكثير من تفاصيل الحياة اليومية. ومنها تبرز صورة للبلد مختلفة عن الصورة التقليدية التي نشأنا عليها. فقد أجمع المؤرخون السابقون على ان مصر كانت بلدا يسوده الظلام وجلب اليه بونابرت الحضارة. لكن المخطوطة ترينا كيف كانت مصر في ذلك الحين محتكة بالعالم من خلال التجارة الدولية وأنها كانت تموج بالتيارات وعلى شفا تغيير جذري أحبطته الحملة".
ثم يحيلنا لاحقا على كتاب آخر هو "الحملة الفرنسية تنوير أم تزوير" للدكتورة ليلى عنان. وهي اشارة تتخلل تلخيص الدكتور شكري لمحاضرات ندوة يشير اليها المؤلف باعتبارها تخييلية لم تحدث واعطاها اسم "بونابرت في مصر، اضواء عربية جديدة".
لكن الطابع التقريري للمحاضرات بدا أنه مقتبس من نقاشات أو كتابات حول الموضوع، وهو ما اشارت إليه الدكتورة ليلى عنان في توضيح نشرته صحيفة البديل المصرية قالت فيه أن الأفكار بين المحاضرين هي من لب الكتاب، لم يبذل فيها المؤلف جهدا، بينما هي نتيجة استغراقها هي في البحث لمدة 15 عاما.
اما صنع الله ابراهيم فقد عقب على اتهام ليلى عنان بأنه رد الأشياء لأصحابها بذكر كتابها كمرجع في الكتاب.
وأيا كان الأمر فهو دليل على الدرك الذي يسير فيه هذا النص بالسقوط في بحيرة الواقعية التسجيلية، بدون أي مبررات فنية أو روائية، خاصة وأن النص يفيض بوقائع عديدة بينها أرقام عن أعداد المعتقلين في السجون المصرية، وحجم الديون والتلوث والمرض وغيرها، في حوار عابر يجمع الدكتور شكري بمثقف عراقي على مقهى.
أكد صنع الله ابراهيم في أكثر من موضع وبينها حوار نشر في ملحق النهار أجريته معه قبل سنوات، أنه لا يهتم بان تعيش رواياته خمسين عاما أخرى، وأنه لا يهتم سوى بالواقع الراهن والجمهور الراهن، وهذا شانه على أي حال.
لكن منطق الأمور لا يسير على هذا النحو، لأن تاريخ الرواية الذي نهل منه صنع الله نفسه وقاده إلى دروب التجريب والمغامرة والتخييل، كانت جميعا نصوصا حداثية سباقة بمنطق عصرها، من دون كيشوت، مرورا بكتاب المغامرات البوليسية الذين عشقهم صنع الله نفسه، ووصولا لكتاب العصر الراهن من كبار الروائيين في الغرب والشرق على السواء.
أما ما فعله صنع الله بهذا النص فهو خيانة الرواية بامتياز من حيث هي نص ادبي تخييلي فلسفي، يرسم واقعا موازيا، إن لم يرغب في أن يعلو على الواقع بالخيال، لا أن ينقله، أو أن يسجله كما هو.
يختار صنع الله عام 2005 زمنا لوقائع روايته، لتزامن تلك الفترة مع ثورة الضواحي في باريس ثم في ارجاء فرنسا، وهو اختيار آخر لافت لمباشرته، خاصة وأن تناوله أيضا تم بشكل تقريري عابر بلا تفاصيل تبرر أن تكون أحداث هذا النص كلها قد تمت في فرنسا من الأساس، وكأن اختيار هذا المبرر يكفي.
المدهش أن الفكرة الختامية لهذا التقرير الروائي هو مفارقة أن القانون الفرنسي يتضمن بين بنوده أن يتم نقل الثقافة الفرنسية إلى المناطق التي كانت تحتلها فرنسا، وان ذلك اقسى أنواع الاحتلال لأنها تهدف لطمس هوية الشعوب التي تتعرض للاحتلال.
لكن النص لا يتعرض على الاطلاق لفكرة جوهرية حول مدى استخدام السلطة للمثقفين في هذا الغرض، وعلاقة المثقفين الفرنسيين بالسلطة كجانب مهم في مناقشة فكرة هذا القانون، كما أن الفكرة نفسها تمت بالمباشرة ذاتها، حتى أنه أورد نص القانون في هامش.
ما الذي يضيفه هذا النص إلى النص الروائي العربي المعاصر؟ إجابتي هي لا شيء، هذا ضجيج بلا طحن، وتقرير روائي حمل تعريفا خاطئا بكونه رواية.

ابراهيم فرغلي

عن النهارفي 26 يناير 2009






Wednesday, January 21, 2009

غياب المثقف النموذج


محمود أمين العالم..غياب المثقف النموذج


بالرغم من إحساسي بالغبن للطريقة التي تحدث بها الرائد الراحل طه حسين مع نجيب محفوظ في الحلقة الحوارية الشهيرة التي جمعت طه حسين بعدد من الكتاب والأدباء وأدارتها المذيعة ليلى رستم وبثها التلفاز المصري مطلع الستينات، تعبيرا عن رفضه لكتابات الادباء الشباب وبينهم محفوظ، فإنني امتلأت بالفضول للتعرف على الشاب النبيه الذي بدا واضحا إعجاب طه حسين به وتشجيعه له، والذي عرفت ان اسمه هو محمود امين العالم.
قرأت له "في الثقافة المصرية"، و"معارك فكرية"، وتابعت مقالاته النقدية في "إبداع" بعد صدورها في عهد حجازي مطلع التسعينات، ثم شاهدته لأول مرة في إحدى ندوات المجلس الأعلى للثقافة في مقره القديم بحي الزمالك. تأملته بشغف، وذهلت بحيويته، وتدفق أفكاره، وبالطريقة التي يتحدث بها، التي تعبر عن دماثة لافتة، تعلو وجهه ابتسامة آسرة، لا تغيب عن وجهه، لا في ذلك اليوم، ولا في المرات العديدة اللاحقة التي شاهدته خلالها في ندوات مثيلة، مهما ووجه بأفكار تختلف مع رؤاه أو ما يتبناه، أو خلال حوارين صحفيين أجريتهما معه في مقر المجلة التي أصدر منها عشرين عددا لافتة "قضايا فكرية"، وفي غيرها من مناسبات اقتضاها العمل الصحفي، أغلبها في مناقشة قضايا تخص الواقع الثقافي الراهن، كما كان كعادته حريصا على التشجيع كلما اتصلت به هاتفيا، والثناء، وأظنه جزءا من شخصيته الدمثة، المتفائلة، المتعلقة بالمستقبل، وبالشباب، وما ينجزون، ومحاولة فهم ذلك ما أمكن.
وكلما تقدم في العمر فاجأني ببنطاله الجينز، وحيويته، وابتسامته الدمثة، وأكد لي قناعتي باعتباره نموذجا فريدا للمثقف المصري النبيل، العلمي، المتابع للشباب، المؤمن بحق الاختلاف حد اليقين الكامل، المؤمن بضرورة تحقق الشيوعية كنظام يحقق للإنسان تحرره من كل صور الاستغلال والقهر.
عندما علمت بخبر وفاته أصابني الحزن لهذا السبب، وهو افتقاد الثقافة العربية لوجه مضيء من أبرز وجوهها الفكرية والفلسفية والنقدية، لكنني لم أستطع أن أتخيل وجهه ميتا إلا وقد علته تلك الابتسامة التي ميزته في جل حياته، وهو الرجل الذي واجه السجن مبكرا في عهدي عبد الناصر والسادات، كما واجه المنفى، وتلقى من صنوف التعذيب ما وصفه أنه لا يليق سوى بالإبل، ومنع عن عمله، وتعرضت عائلته للمضايقات، وبالرغم من ذلك فقد مضى في طريقه، دون أن يستسلم لمرارات وعذابات وقع كثير من مجايليه في حبائلها واختنقوا بها كمدا وقهرا ويأسا واكتئابا وموتا.
بالرغم من أن اغلب كتبه التي أعقبت كتبه الأولى كانت تجميعا لمقالات أو اطروحات نقدية موزعة على العديد من القضايا، لكن اللافت أنها في مجملها عبرت عن قناعاته، وكأنها في النهاية تجسد مشروعا فكريا، نقديا، فلسفيا، واحدا، شواهده فيما كان يفضل ان يكتب عنه، إن فكرا ونقدا، أو تأريخا، أو إثارة لقضايا جدلية في الراهن المعاصر سياسيا واقتصاديا وثقافيا.
في كتابه "الوعي والوعي الزائف" تناول بالنقد والعرض مشروع المفكر المغربي عابد الجابري حول نقد العقل العربي، كما تناول مشروع أدونيس المشابه في الثابت والمتحول، وبدا لافتا أنه قبل ان ينطلق في عرضه النقدي يهتم أولا بعرض أفكار من يتناول أفكارهم بشكل واضح يعطي للقاريء فكرة جيدة عما يتحدث عنه قبل أن يتناول نقده هو، وابرزه إشارته إلى تجريد الجابري للعقل العربي عن تاريخيته، وكأن العقل العربي تكون خارج التاريخ.
وهي قراءة ماركسية بامتياز، لكنها رؤية تخصه أيضا، وهو القائل:" نرى ان الماركسية بمصادرها المادية الجدلية بالنسبة للطبيعة والتاريخ، ترفض التجريدات المطلقة، كما ترفض القول بالجزئيات المنعزلة، وتقول بالوقائع المادية في علاقتها المتشابكة المتفاعلة المتحركة المتغيرة المتصارعة. ولهذا فمنهجها يتسلح بهذه الرؤية نفسها".
في تناوله النقدي لأعمال الكاتب الروائي صنع الله إبراهيم في كتابه"ثلاثية الرفض والهزيمة" قد أفسح مساحة لنفسه للتخلي عن أدوات النقد الماركسي، واشتبك بالبنيوية، بغض النظر عن اتفاقنا او اختلافنا على المنهج، كأنه بذلك يؤكد يقينه بحتمية التطور وضرورة الجدلية، من جهة أخرى، وهي الرؤية التي تبناها في تأكيده لأن المشروع الماركسي رغم فشل تطبيقه يتضمن في جوهره عوامل استمراريته التي لم يتمكن المنفذون لها من استيعابها، إذ يرى أن الفكر الماركسي هو حيوي وضد البيروقراطية بامتياز، وهذا بالضبط كان معقل مواتها في النموذج السوفييتي.
كان يرى أن ذلك أيضا يعود إلى"ان معرفتنا الحقيقية بالماركسية معرفة محدودة مسطحة هشة" على اعتبار ان ذلك امتداد "امتداد لمعرفتنا النظرية العامة التي تتسم بالمحدودية والتسطيح والهشاشة".
ولعل أحد أبرز وجوه محمود العالم هو ليبراليته المتجردة، ويقينه بالحرية، وفي حرية التعبير كجزء أساسي من أسس تكوين الإنسان، وأحد حقوقه الأساسية، وخاض معارك عديدة في هذا الاتجاه، وشارك برأيه، وجهده، تقريبا في أغلب قضايا المصادرات وحرية التعبير التي مرت على الثقافة المصرية، خاصة بعد عودته من المنفى للقاهرة منذ العام 1984.
ومن بين ما يوثق ذلك مشاركته في التضامن مع الفنان الراحل يوسف شاهين خلال القضية التي واجهها بسبب فيلم "المصير"، حيث توجه العالم، بين جموع من الفنانين والمثقفين المصريين آنذاك، ليحضر المحاكمة، وأدلى برأيه في لقطة توثيقية في فيلم تناول القضية، وبدا شجاعا في إعلانه عن حق الفن في التعبير وتناول أي قضية من القضايا.
فقد أعلن أيضا في مقالة نقدية لتناول الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل للحركة الشيوعية في مصر أن "إن الماركسية كمذهب اجتماعي فكري ليست ضد الدين وإنما ضد استخدام الدين استخداما سلطويا مصلحيا ضيقا، ولعل الحروب الصليبية في المسيحية، وسياسات بعض الدول الإسلامية قديما وحديثا، وخاصة أثناء الحكم الأموي، وضرب الكعبة بالمنجنيق وغير ذلك أن تكون من أبرز معالم استخدام الدين استخداما متناقضا مع قيمه الروحية وما أكثر الأمثلة وفي تقديري أن موقف السلطة السوفيتية من الكنيسة الروسية كان خطأ، وإن كان يفسر بالعلاقة الحميمة التي كانت قائمة بين هذه الكنيسة والسلطة القيصرية".
وهذا وجه آخر من وجوه محمود العالم الذي لم ينف ماركسيته، ولا إيمانه بالعلمانية، كما لم يعتبر استخدام كلمة شيوعية من المسميات التي يتعامل معها المثقفون بحذر بوصفها كلمة ذات سمعة سيئة لدى قطاع واسع من الجماهير العربية التي ترى فيها مكافئا للكفر والإلحاد، وتختزلها في هذا الإطار الضيق المحدود.
رحل محمود امين العالم عن عالمنا في وقت نحتاج إليه فيه بشكل قد يفوق اي وقت آخر، في ظل ساحة ثقافية هشة، تسودها صراعات المصالح، وغياب الجدية، وشوائب القيم التقليدية الريفية والقبلية، كما تشيع فيها الضحالة، وغياب النقد بمعناه الشامل الذي يتطلب نقادا موسوعيين من أمثال العالم، وانحدار مستوى تعليم العلوم الإنسانية، لكن الأمل، سيظل قائما فيما أورثه لأجيال جديدة، بما أنتجه، من جهة، وبنموذج الإنسان المثقف النبيل، الذي ستفتقده الثقافة العربية بحق الآن وهنا.

إبراهيم فرغلي
عن (النهار) 18 يناير 2008