Showing posts with label بورتريه. Show all posts
Showing posts with label بورتريه. Show all posts

Sunday, March 2, 2014

باسم يوسف ليس خفيف الظل .. لكنه يعلمنا معنى النقد

 

باسم يوسف ليس خفيف الظل ..

 لكنه يعلمنا معنى النقد





إبراهيم فرغلي
حينما شاهدت باسم يوسف في الحلقة الخاصة بنقد الإعلام، كنت أراقب أداؤه متسائلا عما يجعله أقرب إلى الوقار منه إلى المهرج؟ لأكن أكثر دقة وأقول أنني لم أتعامل مع باسم يوسف بوصفه مهرجا من البداية، حتى حين كان يصر على أن يطلق على نفسه لقب أراجوز. لم أجد في أدائه إجمالا ما يمكن أن يكون مضحكا بالمعنى الكوميدي. لكني أظن أن دلالات ما قدمه من وثائق الصورة حول ما موضوعات وممارسات شخصيات من رموز السلطة والإعلام في مفارقتها الصارخة بين الأصل والصورة، أو الشعار والممارسة الحقيقية، هي المفجر الحقيقي للضحك. الضحك من فُجر الواقع، وفُجر الفساد، وفُجر الكاذبين.
باستثناء الفقرات الأولى لبرنامج "البرنامج" ، حين بدأ كبرنامج ذي إمكانات بسيطة يبث فقط على شاشات الإنترنت، أظن أنها المرات الوحيدة التي لمحت فيها جانب خفة الظل لدى الطبيب، الذي تخلى عن الطب من أجل أن يصبح مقدم البرامج. وربما كان الضحك مع الحلقات الأولى أكثر، بسبب فضول المشاهدة الأولى، وخلفيات مقدم البرنامج كطبيب شاب قادم من ميدان الثورة، كان يعالج الثوار ممن أصيبوا على أيدي قوات الأمن خلال المواجهات التي سبقت تنحي مبارك. إضافة إلى أنه كان يتحلى بالفعل آنذاك بجانب فطري طبيعي، لم تكن قد أصابته شظايا الشهرة والنجومية بشكل أو آخر.
لكني في النهاية لست مشغولا بما إذا كان باسم يوسف خفيف الظل حقا أم لا؟ أو بمدى قدراته الكوميدية، ولن أنتظر أن يظهر يوما كممثل في فيلم أو دراما ليؤدي دورا كوميديا. فما يشغلني حقا، هو فكرة البرنامج منذ ظهورها الأول وحتى اليوم. "الرؤية" التي تقف وراء هذا البرنامج، والتي أظنها تقدم له وقود النجاح منقطع النظير منذ ظهوره. أو على الأقل وقود أن يكون مثار اهتمام كل فرد شاهده أو لم يشاهده تقريبا كما نرى على ساحات الإعلام، وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي.
النجاح هنا لا يتوقف على قدرته على اجتذاب عدد هائل من المشاهدين في مصر وخارجها، ولا على تحويل البرنامج إلى أيقونة السخرية من رموز السياسة والحكم والإعلام في مصر، بمنتهى القسوة. بل يتجاوز ذلك في إصراره على منهجه هو، ورؤيته هو كـ "ناقد" بالمعنى الحرفي والحقيقي.
ناقد مدجج بالرؤية، ولأوضح ما أقصده بالنقد إذن أقتبس مما يقول فوكو عن التنوير والنقد من أنه "إذا كان فن الحكم هو تلك الحركة المتعلقة في حقيقتها بالممارسة الاجتماعية لإخضاع الأفراد بواسطة آليات سلطوية تستند إلى الحقيقة، فإني أقول بأن النقد هو هذه الحركة التي بواسطتها تكون للذات الحق في التساؤل عن الحقيقة وآثارها السلطوية، وعن السلطة وخطاباتها في الحقيقة، وعلى كل حال فالنقد سيكون فن الرفض الإرادي والعناد الواعي، وأن للنقد وظيفة أساسية هي رفض الخضوع في لعبة يمكن تسميتها سياسة الحقيقة".
وفي تقديري أن هذا هو ما يفعله باسم يوسف، ففي المرحلة الأولى للثورة تناول بالرصد، والنقد، كافة رموز حكم مبارك ممن أفسدوا الحياة السياسية في مصر ولا زالوا، واستمر على النهج نفسه حين وصل الإخوان إلى الحكم، لا يبالي بمن يمكن أن يكون الهدف للنقد، طالما أن الشخص موضوع النقد يمثل وضعا يبدو جليا فيه أنه يبتغي الاستفادة من آليات السلطة الجديدة، سواء كان مرشد جماعة الإخوان الأسبق، أو رئيس الدولة المعزول حاليا، محمد مرسي. أو أي من رموز هذه الجماعة، المصنفة اليوم كجماعة إرهابية، أو حتى نماذج إعلاميي تلك المرحلة الذين مارسوا العديد من مناهج التحريض على المجتمع المدني، ولونوه بمسحة دينية كذبا وافتراء، فيما يعلمون ونعلم جميع انهم لم يكونوا يدافعون سوى عن مشروع سلطوي بامتياز.
وهكذا استمر نهج البرنامج أيضا بعد 30 يوينو – حزيران حين استغلت القوى القديمة الممثلة للحرس القديم لنظام مبارك في الإعلام سقوط الإخوان لكي تتسلل للعودة للساحة، ويرتفع صوتها بالصراخ ضد الإخوان، وكأن معاداة الإخوان تعني أنهم بذلك يمثلون صوت الثورة، وكأن شيئا لم يحدث منذ 25 يناير وحتى اليوم.
كذلك أفرد باسم يوسف في برنامجه مساحة كبيرة لانتقاد وزير الدفاع المصري الفريق عبدالفتاح السيسي، تأكيدا لرؤيته النقدية التي ترى في كلا المشروعين الديني أو العسكري استغلال لآليات سلطوية باسم الحقيقة الدينية في الأول والوطنية في الثاني، فيما كان هو يدفع الجمهور للتفكير في هذه الحقيقة موضحا أن الحقيقة شئ يختلف تماما عن سياسة الحقيقة التي تفرضها السلطات اللامدنية.
وبعد عودته بعد فترة المنع، عاد قويا أولا ليؤكد أن منهجه ورؤيته لم تتغير، وتاليا ليثبت أن جانبا كبيرا من التخبط والعشوائية الفكرية والتراوح في المواقف مما يحدث في مصر خلال السنوات  الثلاث الأخيرة ، وقبلها على مدى عقد كامل على الأقل، يعود إلى الفشل الذريع لجهاز الإعلام في مصر. الإعلام الذي أثبت قدرته على التلون القبيح في أسرع وقت ممكن رافعا شعار المنافقين مات الملك عاش الملك، فتحول من الدفاع المستميت عن عصر مبارك حتى تنحيه إلى الهتاف للثورة، ومنها لحكم العسكر ثم للإخوان وأخيرا للعسكر، يتلون في كل مرة وبسرعة مدهشة مثل الحرباء، من دون حياء أو خجل.
برنامج باسم يوسف إذن ليس برنامجا كوميديا على أي نحو، بل هو برنامج ساخر بامتياز، وناقد بامتياز، أو بالأدق هو برنامج ناقد يتوسل السخرية وسيلة لإعلاء شعاره الأساس: تشجع على المعرفة، وامتلك بذاتك حق هذه المعرفة ورؤية ما يقدم لك بوصفه الحقيقة لتتأكد من مدى حقيقيته.
 
نشرت في النهار بيروت في 26 فبراير - شباط 2014 

حتى أتخلى عن فكرة البيوت" لإيمان مرسال


 

"حتى أتخلى عن فكرة البيوت" لإيمان مرسال..

أن تتحول الحياة المعيشة إلى قصيدة !

 

إبراهيم فرغلي

 نشر في موقع الكتابة وفي صحيفة النهار - بيروت


 

أن تتحول الحياة المعيشة إلى قصيدة، هكذا كنت أهمس لنفسي بينما أقرأ ديوان الشاعرة إيمان مرسال "حتى أتخلى عن فكرة البيوت"، للمرة الأولى. مستسلماً، في الوقت نفسه، لغواية الانطباع الأوليّ الذي تخلقه قراءة أولى قصائد الديوان "لعنة الكائنات الصغيرة"، بأن إيمان وقعت على بئر السرد، وألقت فيه بدلوها الشعري في محاولة  لأن تنهل مما في جُبّ البئر، لتروي به حقول القصيدة.

لكن المُضيّ قُدماً في الديوان سرعان ما خفّف من حدة هذا الانطباع المتسرع، وفي القراءة الثانية واللاحقة، وما بعدها، تبين لي أن ما يبدو نثراً أو سرداً ليس سوى حيلة شعرية جديدة، تحاول بها مرسال الولوج إلى جملة شعرية بالغة التكثيف، لكنها لا تريد أن تقولها دون أن تمهد لها، بخلق لوحة "شبه سردية"؛ بديلاً للجملة أو للصورة الشعرية المجردة، وبحيث تأتي الجملة في النهاية حاسمة وشعرية بامتياز، مثل قولها في نهاية نص (لعنة الكائنات الصغيرة) :"ما أذكره غائب عن الصورة فلماذا أجتهد هكذا لأحافظ عليها من الضياع". أو كما في ختام قصيدة مقالة في (ألعاب الطفولة) حين تقول: "دور العمياء في كل مسرحية لم يكن يريده سواي".

 كنت اتبين مدى كثافة نص (لعنة الكائنات الصغيرة)، وكيف أنه في اعتماده على الذاكرة واللقطات المشهدية العائلية، والصورة، يتكئ على إبراز التناقضات، بحس ساخر حيناً، وبحسرة وألم وجداني حيناً آخر، وأحيانا بلون من الحنان، أو بما يشبه غمزة مرحة مرات.

لكن هذا المرح يبدو كأنه ابتسامة يشوبها شئ من مرارة تكاد لا تُرى، من مثل تصوير التناقض بين فكرة الفقر وبين تحايل الصور العائلية عليه بإظهار الأطفال وهم يمسكون النقود في الصورة، بحيث يتم "تخليد النعمة" التي قد لا تكون حقيقية خارج إطار الصورة، أو غير ذلك من صور التناقض.

النص الذي يتناول ما تسميه الشاعرة "وطني الأم"، تبدأ أولى تجلياته من تناقض اسم هذا الموطن مع واقعه: "ظُلِم هنا أناس كثيرون، وسميت هذه القرية (ميت عَدلان)". ثم تأتي التقاطات الذاكرة أيضا لتومض بتناقضات شخصيات التاريخ العائلي، فيما طائر الموت يطلّ كثيراً على مصائر تلك الشخصيات، ولاحقاً نعرف أن "قرية الأسرار العظيمة ليس بها باب يغلق".

وعلى ذكر الأسرار، فإن مساحة واسعة  من غواية القصيدة الحديثة، عندي، تتحقق من إحساسي بأن القصيدة بناء لغوي يتم تشييده في معبد الأسرار، ليس من السهل فك ما تقصده، إما لشدة كثافتها، أو لاستخدامها لطاقة الرمز والخيال، كما نرى في قصيدة "رسام الملائكة" مثلاً:"تترك الألوان الحقودة خارج اللوحة، تدعي الروحانية فلا تقترح صوتا ولا رائحة. أجساد بيضاء ووجوه هلامية، أجنحة تلتصق بالورقة كوشم ولن تطير أبدا".

وطاقة الرمز والخيال لا تتوقف على لغة مجردة أو مستعارة من المعجم فحسب، بل قد تمتد إلى مساحة الظاهراتي الشائع، حتى لو بدت أنها تستخدم لغة الشارع وتبحث عن مظاهر اليومي العابر، كما هو توجه القصيدة الحديثة في مصر إجمالا،  وكما نرى هنا في هذا الديوان في غير موضع وخصوصا في قصيدة "إيميل من أسامة الدناصوري" على سبيل المثال.

أما السبب الثالث لإحساسي وشغفي بلغزية القصيدة الحديثة فلأنها، في أول الأمر ومنتهاه، محاولة الشاعر لاعتراف سري يحتاج ان يتخلص منه، على ما يقول الشاعر الإنجليزي تيد هيوز. ولعل الحاجة إلى إخفاءه هي التي تجعله شعرياً. أي أن السر الحقيقي هو هذه الحاجة الغريبة الى الإعتراف، "ربما لأنك إن لم تقم بذلك الاعتراف السري فلن تكون عندك قصيدة". وهذا، في تقديري، منهج هذا الديوان كاملاً.

على مستوى طموح الفكرة الشعرية ثمة حس وجودي عميق، يبدو كهالة تتبع هذا الديوان أينما يسير. وعبر مستويات عدة وطرائق مختلفة. الحس الوجودي تخلقه أسئلة وجودية مباشرة في بعض الأحيان عن معنى الحب، أو الحياة، كما في قصيدة النجاة مثلا:"هل هذه هي النجاة؟ هل النجاة أ تكون في صحراء كهذه وتحت قدميك جوهرة لم تكن تعرف أنك تبحث عنها؟".

يتجسد الحس الوجودي أيضاً من سؤال القصائد الرئيس في تأمل الشاعرة لمسارات الحياة "من أنا"؟ كما في قصيدة (حياة) وفيها تقول:"حياتي التي فشلت دائماً في لمسها، في أن أجد صورة لي معها، بجانبي على نفس السرير، تفتح عينيها بعد غيبوبة طويلة، تتمطى كأميرة واثقة أن قصر أبيها محمي من اللصوص". وهي قصيدة وجودية بامتياز من حيث طبيعة السؤال الذي تطرحه والهاجس الذي يسيطر عليها "أمامي حياتي كلها؛ حتى أنه يمكنني ضمها إذا شئت، يمكنني حتى الجلوس على ركبتيها والغناء أو العويل".

كما يخلق هذا الحس الوجودي، في أحيان أخرى، تداخل الذوات الأخرى مع ذات الشاعرة عند استعادة الخبرات الماضية في نطاق خبرات الحاضر.

ثمة عدد من النصوص تتناول هذا الهم منها مثلاً في نص (تصبح على خير) يأتي قول الشاعرة:"اقول بنفس الحنان تصبحين على خير للهندية الواقفة منذ الصباح خلف صندوق النقود فتبتسم بطراوة كأنها لم تكن غاضبة من ثوان على زبائن اللحظة الأخيرة". أو كما في نص (تجارة العبيد) حين تقول مثلاً:"متى يأتي بحار ليفك كرتَي الحديد من قدميّ، أريد أن أتأكد من وجود قلمٍ رصاص وكرّاس ماركة Molesine في حقيبة الظهر، سأسجل ما يحدث لي في لغة مؤثرة".

كما يتمظهر الحس الوجودي في أسئلة الشك، التي تعبّر عنها ذات قلقة متخمة بالأسئلة عن معنى الحياة، عن قيمة الحب، وأوهامه، بل وحتى التعبير عن عمق سؤال الوجودية، الذي يوجه انتباهه لما تعطيه الرؤية الحدسية وما يحتل مكاناً في الشعور عن طريق هذه الرؤية، تأكيداً لأن ما يحياه الفرد هو العالم الذي يراه. تقول مرسال في ختام قصيدة (كأن العالم ينقصه شباك أزرق) :"يروق لي أن أصلّي ولا أعرف لمن". وقبلها وفي القصيدة نفسها تقول:"أما أنا فأشك أن الجبال في أماكنها، وأظن أن أقرب مكان بعيد عن التيه هو الموت".

يسيطر على العديد من قصائد هذا الديوان حس فلسفي يندمج في جدار البناء الشعري ببراعة، ويمنح النص عمقاً إضافياً لرؤيته الشعرية، وعبر نماذج العديد من القصائد بينها ما سبق ذكره في أمثلة آنفة، لكني أظن أن المتح من معين السرد أيضأ منح للشاعرة مفاتيح لصور عديدة جديدة ومختلفة. ومن بين هذه الصور مثلاً ما يأتي في مطلع قصيدة (احتفال) :"وقع خيط القصة على الأرض فنزلت على ركبتي أبحث عنه".

لكن اللافت أنه بالرغم من هذا الهم الوجودي فإن الجسد لا يحظى باهتمام كبير، وحتى في قصيدتين تحتفيان بالغرام، وبعلاقة سريّة بين عاشقين، لا يبدو الجسد، إيروتيكياً أو فيزيقياً، له حضور مؤثر، خصوصاً في قصيدة (وكأن العالم ينقصه شباك أزرق)، ربما باستثناء جملة في القصيدة تقول:"يعود كل منا لأهله. قُبلٌ في الرقبة وخدوشٌ في الظهر، رائحةٌ في الجلد وآلام تحته". وربما يأتي ذلك من كون الأنا هنا تتساءل عما إذا كانت تفاصيل ما تورده من رحلة لقاء العاشقين تعبّر عن حب حقيقي أم أنه مجرد رحلة جديدة من رحلات صناعة الوهم حتى إتقانه؟ وتستخدم، في تذكر لحظة العلاقة الحميمة وصف "جثتان جميلتان".

وربما يعود ذلك أيضاً إلى الإحساس الذي تسبغه العديد من القصائد على الحضور الجسدي بكونه وجوداً في ممر معتم وضيّق، عادة لا يتسع لأكثر من واحد. أو بكونه تصور الطفل، في لعبة الاستغماية، كما يرد في قصيدة (مقالة عن ألعاب الطفولة) بأن الآخر لا يوجد حين يغلق الطفل عينيه.

في قصيدة "تجارة العبيد" تتقمص الشاعرة صوت امرأة يفترض أنها كانت واحدة ممن خرجوا من كوّة "باب اللاعودة" الذي كان العبيد يخرجون منها – ولعل الشاعرة هنا تقصد "قلعة المينا" في غانا - إلى العالم الجديد؛ الذي يتحولون فيه من أجساد وذوات حُرّة، إلى عبيد لا يملكون من أمر أنفسهم أو اجسادهم شيئاً. لكنها تقف "حُرّة وقلقة بين الحصن والمحيط"، لأن تفاصيل صغيرة في المكان ستجعلها ترى أن التحرر من العبودية لا يزال، حتى لو بدا اليوم تاريخاً بعيداً، وهماً لم يتحقق، لأنه اتخذ أشكالا جديدة ومختلفة.

في هذا الديوان الفاتن تتقدم مرسال، مرة أخرى، قُدماً، في مسيرة تجربتها الشعرية، وتقدم نصاً كثيفاً وحياً وموحياً، يفيض بالأسئلة الوجودية، عن الذات والآخر. ولا يبدو فيها السؤال في هذه المرة كمن يراجع نفسه من عالم "الآخر"؛ كما كان شأن ديوانها الأخير "جغرافيا بديلة"، وإنما من موقع وجودي أكثر توازناً، وثقة بالذات، رغم القلق الوجودي والإنساني، وهو سمة أساسية لكل شعر حقيقي على أي حال. بل يصدر السؤال هنا عبر حسٍ عولمي متصالح مع موقع الشاعرة الراهن ؛"هناك"، رغم أنها تنتمي إلى "هنا".

 

 

Sunday, December 29, 2013

"هناك عراك في الخارج" لسمر دياب

 
"هناك عراك في الخارج".. لـسمر دياب
 قصيدة تواجه نفسها بالخيال
 



الكاتب: إبراهيم فرغلي
 تفتح صفحات ديوان"هناك عراك في الخارج"للشاعرة سمر دياب على بستان من ثمار لم ترها قبلاً، وبينما تتأملها مندهشاً إذا بها تنهمر على رأسك، فتبقى محاصراً بين أن تتأمل الثمرة وأن تتلافى ما قد يرتطم منها بك أو يرتمي عليك. في هذا الديوان دار"الغاوون" ثمة مخيلة استثنائية، تتوالد فيها ومنها الصور بلا انقطاع، تلهث في تتابعها، وتتشكل متخلقة بعضها من بعض، فيها خلخال شجرة يعاتب كاحل الهواء، وناب يقف على نهد العتمة"يمسك بسلة الغبار، وعماء يظن نفسه بلون البنفسج، ونساء زرق بأهداب بيض يزرعن حبالاً صوتية، وجثث تقرع الكؤوس في حانة الموت، وذكريات بأسنان بيض، والقائمة طويلة.
طاقة شعرية تبرز صوتاً له نبرة خاصة تتمايز كثيراً عن صوت قصيدة النثر العربية الراهنة، تتوسل الصور الخيالية المركبة، تنهل من السريالية، الأسطورة، الأحلام، الغرائبية. سخط شعري لا يرى العالم إلا بمثل هذا الجنون. ولا يمكن التعبير عنه سوى بنمط من العبث، حيث تتشوش الأشياء، وتختلط القيم، ويتساوى الغث ونقيضه".
كانت من بين دوافع السوريالية، حين بزغت مطلع القرن الماضي في فرنسا، محاولة السورياليين أن يقدموا صرخة فنية بدفع الخيال إلى ذراه"في مواجهة الواقع البائس الذي مهد للحرب العالمية الثانية، وفي هجاء ما نجم عنها من كوارث. وقد يكون الواقع العربي الذي تنتمي إليه الشاعرة الآن وهنا، ونحن جميعاً معها، على المستويات كافة، أكثر بؤساً من ذلك الزمن الغربي، بكل مآسيه التي كانت سبباً في تفجّر السوريالية. ولعل الشاعرة، لمثل هذه الأسباب تتوسل الغرائبية السوريالية وطاقة الخيال التي تجمع كل ما لا يجتمع في تلك الصور المدهشة:"أني أكتب عن العالم/ الناب الواقف على نهد العتمة بيده سلة الغبار/ الذئب الليلكي الذي يقرمش الصرخة/ يحدث أن الليل ترسانة اللذة/ وأن الضوء شاعر أبرص مات ولم يزل ميتاً/ طرية كباطن القدم/ نمامة كسائر النساء/ ولا حول لي../ لكن بعض قطع توليب أحمر يرش اللغة على الخرافات لتصحو حد الطيش/ وجهي طاحونة لفراخ الروح او ربما اكثر...".
ومع أن الصور المنبثقة على امتداد الديوان تبدو تارة وليدة الصنعة والتفكير، وأحياناً وليدة عبثية فطرية، مبذولة بلا تصنّع، لكنها، في الحالتين، تكشف عن طاقة خيال مدهشة تتمتع بها الكاتبة، كأنها تصنع جملتها الشعرية بالتراكيب المتدفقة والصور المتعاقبة ما بين المنطق وأضداده في متواليات لا تنتهي، وتشكل بها لغتها الخاصة.

 
هذه الجزئيات الغرائبية تبدو في بعض القصائد كتفصيلات تتموضع بعضها إثر بعض مولدة خيطاً شعرياً يتتالى، بحيث يسلّم كل مشهد شعري الراية للاحقة، وأحياناً تبدو كمشاهد منفصلة تماماً بعضها عن بعض، لا رابط بينها سوى العبث.
ديوان مرهق بالتأكيد، فالصور محملة بالرمز، والتراكيب البلاغية تحتاج أحياناً الى فك شفراتها، والمعنى قد يظل غائماً أو كامناً في قلب الشاعرة، أو مبتوراً بسكين العبث، لا يقصد سوى العدم خصوصاً حين تتكاثف الصور وتتعاقب في عبثية مفرطة حتى التطرف.
لكن الشعر في الوقت نفسه يحقق لوناً من الدهشة، على اعتبار أن جزءاً أساسياً من أبرز سمات إبداعنا العربي المعاصر هو فقر الخيال والصورة، وهو ما ينجو منه هذا الديوان بامتياز بفضل طاقة الخيال المبثوثة في كل القصائد وعلى امتداده.
يطرح الديوان عدداً من الأسئلة التي تخص اللحظة الشعرية الراهنة من حيث اقتراح السوريالية في وقت تميل القصيدة الجديدة نحو اليومي، والوضوح، بديلاً لعتمة النص وغموضه. فهل يصلح الغموض اليوم لاستعادة مكانة القصيدة، أو بالأحرى جماهيريتها بين جمهور عازف عنها لأسباب ليس هنا موضع تفصيلها؟
 
السؤال هنا موضع طرح وليس موضع إجابة، فتلك قد تأتي أو لا تأتي وفقاً لما تقترحه سمر دياب في تجربتها، بهذا التلقيح المستمر للاستعارات، والصور، بكل ما ينتجه من توتر، وما يعبر عنه من تفجير لحالات شعرية مختلفة وصور تفتح باباً واسعاً للتأويل، قد يفضي مرة إلى متاهة، وقد ينفتح على زقاق ضيق.
ثمة استبدال لليومي بالعلاقة بين الطبيعة والكائن البشري، ثمة عبث بصفات كل منهما بحيث تمنح الشاعرة لكل منها صفات الآخر، إذ نرى أشجاراً تتنفس، وتموت، وغيوماً ترقص، ونجوماً تتحدث، وبحراً يتحول الى هرٍّ أزرق، والبكاء يمر على عكازين، وهي عناصر مستمدة من ثقافة غربية نرى فيها الغابة، بكل خصوبتها ومفرداتها المتشابكة الملتفة بعضها على بعض، المركبة، كما نرى الكثير من تراث الأساطير والحكايات الغرائبية والمسوخ
 
 
من أعمال سمر دياب الفنية
وهي في سياق الخلخلة ما بعد الحداثية التي يتسم بها الديوان، تعبث في ثوابت الصفات ذاتها بأن تؤنث القمر"القمر تمشي، القمر ترقص"، أو أن تحل ذاتها محل الجرار التي تملأ الشاعرة بالماء، أو تحيل الرائحة بحيرة حين يسقط فيها حجر، وتوجه دعوتها للقارئ لأن يعد معها دوائر المياه الافتراضية في بحيرة من الرائحة!
ثمة سخرية، باطنية، تستبدل بها الشاعرة سخطها أحياناً في مواضع الأسئلة الوجودية:"يداي على العبوات، من سينفجر الآن سيضحكني"، أو منطقة العواطف"ظلك المدهش/ المدهش جداً/ الذي وجدوه هذا الصباح في سريري مبتسماً ميتاً/ ترى من أطبق على خناقه يديه؟". وهناك كذلك اختزالات جيدة من مثل:"العين قديسة وهي مغلقة، عاهرة وهي مفتوحة"أو:"أنا فقط أحدق في عينيك/ وعيناك تحدقان في الشيطان/ والشيطان يحدق فيّ". ثمة كثير من الصور، نعم، والكثير من الشعر منزوعة منه لوعة اللغة ولوعة المشاعر والغنائية.
هذا ديوان أول يمتلك نغمة خاصة جداً، بها تؤكد صاحبته امتلاكها صوتاً مختلفاً، ويقترح في نزعة الخيال الجامح التي يتسم بها أفقاً جديداً لقصيدة النثر، ويعد بدفقات شعرية لا ريب آتية في الطريق.
نشر في صحيفة الحياة اللندنية - العدد: 17214 -  في 22-05-2010
 
 
 
 
 
 
 
 

Sunday, November 10, 2013

فهد العسكر ومعصيته


فهد العسكر ومعصيته
ظنوا أنهم صلبوه.. لكن هيؤ لهم!

 

إبراهيم فرغلي

 



لا يمكن لمن يسمع أو يعرف شيئا عن سيرة فهد العسكر إلا ويدرك أنه إزاء سيرة  شاعر فريد، من أصحاب الموهبة، ممن عاشوا حياتهم في العتمة، لكنهم تمتعوا في المقابل بوهج بصيرة باطنية.  البصيرة التي أصبح بفضلها فهد العسكر، الكفيف النحيل، رشيق الروح والوجدان، شاعر القرن العشرين في بلاده.

في كتابه الجديد "معصية فهد العسكر"، الصادر عن دار العين في القاهرة، يقدم الباحث الكويتي عقيل يوسف العيدان إعادة قراءة لسيرة العسكر بوصفه "الوجودي" الكويتي الرائد، السابق لزمنه بحثا عن حقيقة بعيدة عن وعي أهل زمنه ومكانه، والمثير للتساؤلات أبدا.

وأظن أن سيرة فهد العسكر ملهمة ، بوصفها سيرة شاعر مختلف سابق لزمانه، رفض الكثير من القيم السائدة وانتقد السلطة الأبوية والسياسية، ووصفت قصائده  بالغرائزية وبالإثارة، من قبل جمهور واسع على رأسه مجايليه من أهله وأقرانه، كما تعرض لتهم أخرى حاولت إقصائه من المجتمع ووأد قصائده، فعاش وحيداً معتزلاً أغلب سنوات عمره القصير، ثم تعرضت قصائده للحرق لاحقاً وبعد وفاته ، وهي السيرة التي صنعت من وجوده كله فكرة شديدة الإلهام.

العيدان في كتابه المهم هذا، تجاوز التناول التقليدي لفهد العسكر من قبل بعض الكتاب والباحثين الكويتيين والذي تراوح بين سرد سيرته الدرامية حينا، أو العكوف على شعره – أو بالأحرى ما تبقى من قصائده التي أحرقت على يد بعض أفراد عائلته- حينا آخر. وهناك كتابان مهمان عن الشاعر الراحل أحدهما للدكتور عبدالله زكريا الأنصاري بعنوان "فهد العسكر، حياته وشعره"، وآخر للدكتورة نورية النوري بعنوان "شعر فهد العسكر، دراسة تحليلية ونقدية"،  يتناولان حياة فهد العسكر وشعره.

لكن العيدان في تقديري آثر أن يرصد جانباً مختلفاً يخص سيرة هذا الرجل المتفرد؛ والتي تمثلت في كونه صاحب موقف وجودي إنساني.. إضافة إلى توثيق الكتاب بكافة المقابلات الإذاعية وبعض الحوارات مع الشخصيات الكويتية ممن عايشوا العسكر وتناولوه في تلك الحوارات لرسم صورة شخصية عنه كشخص وعن موهبته الشعرية.

يقول عقيل العيدان في تقديم الكتاب:"لقد حققت الوجودية خلال تاريخها ومحطاتها كثيراً من الإنجازات المهمة، يقتضي الاحتفاء بها وبطاقتها الثورية في الإنصات إلى الحكايات الصغرى، التي تشكل أحد روافدها الإبداعية، وبينها حكاية فهد العسكر المثيرة للاهتمام". مضيفا أن العسكر كان على غرار الوجوديين العظام، مقيدا بمنطق الإنسان الحي، وأن الوجودية ضخت حيوية قصوى في أفكار وأشعار فهد العسكر "الكفيف"، صاحب النظارة السوداء والنحيل حد الاختفاء، والذي أعلن في قصائده حبه لأكثر من امرأة، والإنسان الذي حلم أن يتنقل بين الحيوات برشاقة.

وقبل أن يقوم عقيل العيدان ببحث وتحليل مظاهر "الوجودية" في فكر وفلسفة حياة فهد العسكر، ثم إرهاصات تلك الفلسفة في شعره، فإنه يقدم جولة واسعة في تاريخ الفلسفة الوجودية، متتبعا جذور المفهوم، والاجتهادات الفكرية التي صاحبت محاولات تعريف المصطلح.

 يشير العيدان أنه حين يستخدم عبارة "فلسفة وجودية" فإنه يذكر ذلك تجاوزا:"فالوجودية حينما قامت إنما جاءت مناقضة من ناحية، وعاملة من ناحية أخرى في اتجاه مضاد لتلك الفلسفات/ المذاهب/ الإديولوجيات/ التيارات الجماعية التي تدعو إلى صبّ الناس في قوالب معينة من ناحية الاعتقاد والتفكير واسلوب الحياة ونوع السلوك".  

يخصص العيدان فصلاً كاملاً يورد فيه تاريخ الوجودية في الفكر الأوروبي الحديث، ويتجول في ملاعب الفكر والفلسفة متتبعا بداية المفهوم التي يرى أن لها إرهاصات تعود إلى حقبة الإغريق وخصوصا مع سقراط ومرورا بكتابات القديس اوغسطين (430م) ونصوص الفيلسوف الفرنسي باسكال 1623-1663  لبعض اعمال فلاسفة التنوير الفرنسيين وبينهم فولتير. مرورا بالفيلسوف الدنماركي كيركجارد بوصفه المرجع الأساس لكل الوجوديين من حيث هو أول فلاسفة الوجودية الحديثة في تقديم الوجود على الماهية والذات على الموضوع. إلى نيتشة ومنه إلى أصداء الفينومينولوجي في وجودية الألماني إدموند هوسرل ووصولا لسارتر الذي ارتبط اسمه بالفلسفة الوجودية بشكل كبير.

  ثم ينتقل الكتاب إلى حركة الفكر في الكويت، إذ يرصد العيدان نشأة التعليم في الكتاتيب ثم التعليم النظامي عقب إنشاء المدرسة المباركية، ويتوقف عند تاريخ الفكر المتشدد في الكويت، أولا لارتباط هذا التشدد ببداية احتكاك التعليم في الكويت ببعض رموز الفكر العرب وبينهم من يرى المؤلف أنهم كانوا سببا في بث بذور التشدد في الفكر الكويتي،  وبينهما اسمين مركزيين هما محمد رشيد رضا والسيد محمود شكري الألوسي الذي عد "في طليعة الذين كنوا الولاء للخطاب الوهابي".

 وقد "خيم على التعليم في الكويت بدءا من الكتاتيب وانتهاء بالمدارس النظامية كلها شبح ما يمكن أن نطلق عليه الاعتقاد القادري بشكل صريح أو ضمني. فقد ترسخت في العقول منذ زهاء ألف سنة فكر هذا الاعتقاد الذي أنهى التعددية العقائدية والمذهبية السابقة عليه وفرض على الجميع اعتناق عقيدة واحدة او مذهب واحد هو التأويل الحنبلي الأصولوي للإسلام". ويذكر العيدان أن نص الاعتقاد القادري يمثل انقلابا كاملا على الخليفة العباسي عبدالله المأمون (786-833). الذي تميز برعايته ىتشجيعه ليس فقط لعلم الكلام العقلاني وانما ايضا للفلسفة والترجمات وبيت الحكمة.

ويورد فقرة دالة عن سياسات التعليم في الكويت نفهم منها ضمنيا ان استمرار الموقف المحافظ المنغلق ضد فهد العسكر واشعاره الى اليوم من بعض مجايليه يعني ضمنيا ان الأسباب الثقافية والفكرية، الرجعية والمحافظة واللاعقلانية والأصولوية، التي جيشت لكل ألوان نبذ العسكر ووصفه بأبشع الصفات في زمانه، لا تزال لها إرهاصاتها اليوم. 

يقول العيدان:"إن الموقف الحنبلي الأصولوي الدوغمائي التقليدي الذي ظهر جليا في نص الاعتقاد القادري هو الذي تبنته مناهج التعليم في الكويت خلال النصف الأول من القرن العشرين – على الأقل إن لم أقل حتى الآن- والذي كان أحد نتائج "سياسات التوهيب" في الكويت، إذ نرصد الموقف المضاد للانفتاح  والتعدد الفكري نفسه ما زال متواصلا ومستمرا ".

 في هذه البيئة نشأ فهد العسكر الذي ولد وفقا لتقديرات العديد من الكتاب في العام1917، ودرس في الكتاتيب، ثم انتقل الى المدرسة المباركية التي كان لها أثر كبير في تعلقه بالشعر العربي، ولكن أغلب دراسته كانت دينية، ولكنه بعد أن سافر إلى البصرة، وهناك تفتحت آفاق تفكيره، فأقبل بكل قوة على منابع الأفكار الجديدة، وبعد عودته للكويت أقبل على قراءة كل ما يقع تحت يديه في الأدب والفكر والثقافة العامة، وهو ما تسبب في أن يتخفف من أفكاره الدينية المتشددة.

 وبعد التكون الثقافي والانفتاح الفكري الإنساني بدأ فهد العسكر، كما يشير الكتاب، العمل على تحويل الواقع "العيني" المعيش إلى شعر "وجودي"، فكان سعيه الحثيث لتحرير فكر المجتمع الكويتي، آنذاك، من ربقة الأفكار المفروضة عليه من خارجه، بما هي خرافات ومواضعات وثوابت أصولوية لا تمت إلى حياتهم اليومية المباشرة بصلة، والسعي إلى منحه حريته الحقيقية.

أما عن طبيعة حياته، فيشير العيدان بناء على شهادات مجايليه وبينهم ما ذكره الأنتصاري ففي كتابه، أو نقلا عن صديقه المثقف الراحل عبدالرازق البصير، أنه لم يتزوج، ليس لقلة المال، فقد ورث عن أبيه المال، ولكن لأنه رفض الارتباط بما يتعارض مع قناعاته الوجودية وبينها الاختيار الحر المتجدد للإنسان في الحياة، وزهد في القيود بكافة أشكالها وبينها الالتزام بوظيفة إذ عمل فقط لفترة معلما لأبناء أحد أمراء السعودية ثم انقطع. وأقام في بيته ما يشبه منتدى أدبيا للمثقفين وشباب الشعراء الذين كانوا يستمعون لأشعاره ويلقون عليه قصائدهم ويحتكمون لذائقته وآرائه.

لكن المجتمع الكويتي بأوساطه السياسية والاجتماتعية والدينية انقسمت حوله وحول أشعاره التي رأى الكثيرين أنها تفوح بالفسوق والوقاحة والزندقة وبدأت بشائر حملة التشهير والتكفير ضده.

ويناقش المؤلف كل التفاصيل المتعلقة بما تعرض له العسكر من إيذاء من مجتمعه آنذاك، مفندا كل التهم التي نالت منه وبينها حتى الاتهام بالتكفير، مستدلا على عكس ذلك من أبيات شعره ومواقف حياتية نشرت أو ذكرها المقربون من أصدقائه وسوى ذلك.

كما يشير إلى جانب مهم يتعلق بالنقد السياسي الحاد واللاذع الذي عرف به العسكر تجاه السلطة السياسية آنذاك، وكانت سببا بين أسباب أخرى في تأليب المجتمع عليه.

وبالرغم من محاولاته للتماسك إلا أنه عانى في أيامه الأخيرة، واضطربت حياته حتى قيل انه الذي أوصى بحرق قصائده لما تسببت فيه له من ضرر. وعاش وحيدا منعزلا في غرفة رطبة مظلمة تسببت في إصابة رئتيه بالتدرن ولم يكن يزوره سوى نفر قليل ونقل الى المستشفى الأميري قبل وفاته بأسابيع قليلة عن عمر لا يتجاوز 34 عاما، في 15 أغسطس 1951.

  ويحسب للباحث عكوفه في مواضع عديدة من الكتاب على اشعار العسكر وقصائده، وقد خصص فصلا  من الكتاب لرصد وتقصي آثار الوجودية في قصائده التي اتسم الكثير منها بالجرأة، والتنوع في الموضوعات، ما بين الحب والخمر والنقد الاجتماعي والسياسي.

هذا الكتاب هو بمثابة تحية تليق بذكرى هذا الشاعر النبيل والإنسان الذي واجه النفاق الاجتماعي والثقافي والتخلف في مجتمعه على طريقته، عارفا أن مصيره الصلب، كما يعبر المؤلف، وقد قبل مصيره بشجاعة، لكن عزاؤه أن شعره وفكره وسيرة حياته أصبحت فكرة نبيلة ملهمة لكل أعداء النفاق الفكري، وكل أنصار حرية الفكر والإبداع والتعبير ليس في الكويت وحدها بل في كل مكان.

 المقال كاملا.. ونشر مختصرا في النهار اللبنانية في 10 أكتوبر - تشرين ثاني 2013

Thursday, September 27, 2012

البحث عن المخزنجي


قصة البحث عن المخزنجي



إبراهيم فرغلي

لا زلت أذكر اللحظة التي كنت أقرأ فيها كتابا، أوراقه مصفرة قليلا، مأخوذا ومبهورا بحساسية كاتب الكتاب ونصوصه المعنونة بـ"الموت يضحك"، وعندما انتهيت من قصة بعنوان "البلاد البعيدة" ، منتشيا بتفاصيل علاقة بطل القصة؛ الرواي الصغير والفتاة نوارة في رحلتهما التي تتنقل بين الواقع الأحلام وتنتهي بكابوس، وهتفت لنفسي "هذا الكاتب يكتب روحي".
كان ذلك في أواخر ثمانينات القرن الماضي، أما الكاتب فهو محمد المخزنجي، وبالرغم من أنها لم تكن المرة الأولى التي أقرأ فيها للمخزنجي، إلا أنها المرة الأولى التي أقرأ له فيها كتابا مكتملا.
كنت تعرفت على كتابة المخزنجي من أعداد مجلة "القاهرة" في عهد الناقد الراحل الدكتور عبدالقادر القط، حين كانت آنذاك منبرا حرا للإبداع الشاب، وفيها تعرفت، إضافة للمخزنجي، على كتابات قصصية لفاروق خورشيد وإدوار الخراط، ورضا البهات وربيع الصبروت، ومنتصر القفاش وسواهم.
لكن المخزنجي بدا لافتا منذ أولى القصص التي قرأتها له؛ بداية لأن توقيعه على القصص كانت تجاوره كلمة "المنصورة"، التي كانت تعني اشتراكنا في الانتماء لنفس المدينة، بالإضافة، بل وبالأساس، لأن تلك النصوص المكثفة الباهرة تعبر عن موهبة لافتة، ومهارة سردية، وحساسية خاصة في التوغل في باطن النفس البشرية برهافة، وبانحياز إنساني وروحي، وإحكام لغوي ودقة لافتة في اختيار المفردات اللغوية، كان مدار حوارات ونقاشات مطولة بيني وبين اصدقاء ممن اجتمعوا على الإعجاب بالمخزنجي.

ولا زلت أذكر نقاشا حول إحكام الجملة الختامية لقصة "هذه المزرعة" التي كان المخزنجي فيها يبدي رصدا واستنكارا فنيا من حالة الانصياع للقهر في المجتمع، فيما أذكر حتى هذه اللحظة جملة "يفتح يفتح يفتح.. ويهتز بجنون وهو يفتح.. ابدا لم تقفز خارجة من قفصها، ولا تقلقلت دجاجة". ورحنا بانبهار نبحث عن مرادفة كلمة "تقلقلت" في المعجم، وكيفية استخدامه للكلمة في الجملة.

كما أذكر نقاشا آخر حول التحول الدرامي الرهيب في حال الفتية المراهقين الذين اجتمعوا على قتل الفتاة "زمزم" التي كانت تسقي الرجال "أمام بوابات القمح"، في القصة التي تحمل ذلك العنوان، فإذا بتعطشهم للقتل يكشف عن رغبتهم جميعا فيها ويمسي جوهر جسدها بالنسبة إليهم، في لحظة تحول مبهرة، مركز السحر والافتتان والرغبات المكبوتة والأحلام بديلا لكونه هدفا للانتقام.

كنت آنذاك أصدر مجلة دورية باسم أسرة من أسر كلية التجارة بجامعة المنصورة "صوت الكرنك"، مع مجموعة من الأصدقاء أذكر منهم أشرف بلاط وخالد المرسي وخالد بكر، كانت لهم تجارب شعرية ومهتمون بالأدب، لكن لم يبد منهم لاحقا اهتماما مستمرا بالأدب سوى الأخير الذي نشر ديوانا جميلا بعنوان "كرحم غابة"، بالإضافة إلى أحمد وفيق الذي كان يرسم لنا الكاريكاتير، ولاحقا تحول للمسرح والآن احترف التمثيل الدرامي والسينمائي.

اقترحت عليهم أن نجري حوارا مع المخزنجي طالما أنه من أبناء المنصورة، وأبدى الجميع ترحيبا بالاقتراح، ومن اليوم التالي بدأت رحلة البحث عن المخزنجي.
ولم يكن الأمر هينا كما تصورت، ففي المحيط القريب لم يكن هناك من يعرف عنه شيئا، انقطعت أخباره، وانشغل كلٍ فيما أخذته إليه الحياة. وفكرت أن أذهب إلى القسم النفسي بمستشفى جيهان في المنصورة، حيث سمعت أنه يعمل هناك، وبالفعل ذهبت إلى هناك صباح احد الأيام وسألت عنه، لكنهم أخبروني انهم لا يعرفون أحدا على قوة الأطباء بهذا الاسم.
سألت في دائرة المهتمين بالأدب، وعرفت أن منزل العائلة الذي يعيش فيه يقع في حي "الثلاجة" المتفرع من شارع بورسعيد، وهو أحد الشوارع الشهيرة في المنصورة، ليس فقط لأنه يضم دار ابن لقمان الشهيرة التي أسر بها من قبل لويس التاسع عشر قبل ان ينتصر المصريون على قوات الحملة الفرنسية، بل أيضا بوصفه امتداد الجسر الذي يصل بين ضفتي المنصورة المتواجهين حول نهر النيل والمعروفين باسم "طلخا" و"المنصورة".
لكن المعلومات الشحيحة عن موقع منزل المخزنجي في النهاية لم تكن دقيقة وكافية للوصول إليه بطبيعة الحال. وفي النهاية أكد بعض المقربين منهم وبينهم الطبيب الكاتب رضا البهات، الذي تعرفت إليه آنذاك وكنا نسهر في بيته سهرات ثقافية مطولة، أن المخزنجي لا يعيش في مصر بل في روسيا.

وهكذا أجلنا فكرة الحوار، وقررنا أن ننشر بديلا له موضوعا خاصا عن أعمال المخزنجي القصصية، والتي تتبعتها لاحقا حيث نشرت هيئة الكتاب له خلال تلك الفترة كتاب "سفر" الذي ضمنه قصصا عن تجربته الروسية. كما وجدت بالصدفة كتابا لمجموعة من مجموعاته الأولى وهي "رشق السكين"، وبعد كل قراءة لعمل من أعماله كان تعلقي به يشتد، وأتأكد من شعوري بأنه الكاتب الذي يكتب روحي.
وبصدفة غريبة كنت قررت أن أعمل في الصحافة في القاهرة، ولم تكن لدي أي فكرة عن كيفية البدء في مشروع كهذا خصوصا وأنني لا زلت أدرس في جامعة المنصورة، ولما كنت أعرف أن أحد اخوالي واسمه ثروت أبو سعدة لديه مجموعة من العلاقات الواسعة بالوسط الصحافي والأدبي فقد استشرته في الموضوع واقترح أن يعرفني إلى أيمن نور.

 في الوقت نفسه، ذكرت اسم المخزنجي أمامه صدفة فوجدته يبتسم بسعادة ويقول "المُخّ"؟ ده حبيبي.  ثم حكى لي انه كان قد تعرض للاعتقال معه عقب مظاهرات 1977 في المنصورة، وحكى لي عن شخصيته في المعتقل كيساري يحظى بحب كافة المعتقلين من الاتجاهات السياسية الأخرى، وبالشخصيات الأخرى ممن كانوا يقضون فترة عقوبتهم في السجن في جرائم مختلفة. وكيف انه كان يجمع بين الرقة والحلم وبين القوة والشراسة لو اقتضى الأمر. كما أخبرني، بسعادة، أن "المُخ" استلهم شخصيته في إحدى قصصه التي كتبها عن فترة السجن وأنه وصفه فيها بطالب الحقوق ذو الشعر الثقيل الناعم أو شيئا من هذا القبيل. وكنت قرأت القصة بالفعل في مجموعة "الموت يضحك" فادركت أن خالي لا يدّعي كما كنت أتصور في البداية، لأسباب تتعلق بأن أغلب شعره كان قد تساقط!

في تلك الفترة قررت أن أبدأ بالعمل في الصحافة والانتقال للقاهرة رغم أنني لم اكن تحصلت على شهادتي الجامعية بعد، وقررت ان أعمل في الصحافة على أن أحضر للمنصورة قبل شهرواحد فقط  من امتحانات نهاية العام.

عملت مع أيمن نور في مكتب جريدة "المدينة" السعودية لفترة قبل أن انتقل، بفضل إبراهيم عيسى، إلى روزاليوسف، في عهدها الذهبي بقيادة عادل حمودة. وفي أحدى إجازات نهاية الأسبوع التي عادة ما كنت أقضيها في المنصورة، اقترح عليَّ خالي ان يصطحبني إلى بيت عائلة المخزنجي لنسأل عنه، وبالفعل ذهبنا إلى منزل صغير، في زقاق مترب وضيق في حي الثلاجة، يتفرع من نهاية شارع بورسعيد، ووصلنا للشقة التي تقع في الطابق العلوي الأول، وطرقنا الباب فخرج إلينا شاب أسمر عرفت أنه شقيق المخزنجي الصغير "علي"، طبيب الأسنان، الذي اتخذ من غرفته في الشقة عيادة للأسنان وجهزها.

رحب بنا مبتسما وتبادل حديثا وديا مع خالي، وأخبرنا أن شقيقه قد عاد بالفعل إلى مصر وانه قرر أن يستقر في القاهرة وأنه التحق بمستشفى الطب النفسي بالعباسية.

في الأسبوع اللاحق في القاهرة ذهبت لعمل تغطية صحفية للقاء مفتوح مع الكاتب الراحل يوسف إدريس، في الجامعة الأمريكية في القاهرة، ولما كنت أعرف أن المخزنجي من الشخصيات المقربة من إدريس، فقد وجهت له سؤالا عن المخزنجي ورأيه في أعماله القصصية.
كان يوسف إدريس قد قرر كسر القواعد وبدأ يدخن في قاعة إيوارت، بعد ان أعلن اعتذارا متكلفا مؤكدا أنه، بالتدخين في قاعة محاضرات جامعية، يعلم أنه يكسر القواعد لكنه، كعادته كشخص يحمل شيئا، وربما كثيرا، من تمرد المبدعين، ويعلم في قرارة نفسه أن رصيده لدى محبيه يسمح لهم بالغفران، تدلل وهو يفرض امرا واقعا، قبل ان يشرع في قراءة الأسئلة من الأوراق التي قدمت له من الحضور.

عندما قرأ إدريس سؤالي له عن المخزنجي ابتسم بسعادة ثم قال: "المخزنجي ده بالنسبة لي لوحده في كوم وباقي الكتّاب في كوم آخر". . وأضاف: "أنا بصراحة لا اعرف كيف خلق الله المخزنجي؟ فهو شخص بالغ الحساسية بشكل مدهش". وأضاف انه موهوب بشكل لافت جدا، وأنه يشعر بالأسف لأنه لم يسبق ان قدمه أو كتب عنه حتى الآن لكنه سيفعل.
ولا أظنه قد فعل، فقد توفي يوسف إدريس في أغسطس من نفس ذلك العام على ما أذكر.
عندما أخبرت المخزنجي عن هذا الحوار في أول لقاءاتي به ابتسم بسعادة وهدوء، وقال لي أنه ظل على علاقة وثيقة جدا بيوسف إدريس، ولسنوات، دون أن يخطر له أن يخبره أنه يكتب القصة، وأضاف: كنت أشعر أنه من الصعب إن لم يكن مستحيلا أن أجتمع مع عملاق مثل يوسف إدريس في الكتابة.

والحقيقة انني ضمنيا أشعر أن كلا من المخزنجي ويوسف إدريس قد تواطآ على ذلك، فالمخزنجي ككاتب موهوب كان يعرف في دواخله انه لا يحتاج، أو ربما يفضل، ان يقدم نفسه لعالم السرد بنفسه وبموهبته دون استعانة بأحد، وهو بالفعل لم يكن يحتاج تقديما من أحد. واظن أيضا أن إدريس من جهته كان يعلم ان شخصا حساسا وموهوبا مثل المخزنجي أكبر من أن يقدمه أحد، حتى لو كان يوسف إدريس نفسه.

المهم أنني منذ سمعت ما قاله إدريس عن المخزنجي اصابتني حالة لا أعرف كيف اصفها؛ أصبحت ممتلئا بفكرة لقاء المخزنجي بأي ثمن، وأي وسيلة، اعود إلى المتاح من أعماله لدي أقرأها وأتأكد مرة بعد أخرى، من جمال القصص، وأتأمل لغتها وغرابتها وكثافتها وإنسانيتها. وهكذا وفي صباح اليوم التالي اتجهت من فوري إلى العباسية.

وصلت إلى بوابة المستشفى الشهير، وتوقفت أرقب المكان في حذر. كانت تلك زيارتي الأولى إلى أي مستشفى نفسي، فما بالك وهذه قلعة قلاع المشافي النفسية في مصر!
 على الأقل هذا ما كان قد استقر في وجداني من الإعلام الذي اعتاد التكريس للكلاشيهات بلا تمحيص أو اقتراب من الواقعية، وكانت الكلاشيهات التي قدمت لنا في الدراما والسينما المصرية عن نماذج المرضى النفسي قد جعلتني أشعر بالوجل، إضافة إلى إحساس غامض كان يناوشني بأنه قد يكون مكانا من تلك الأماكن التي تدخلها بالصدفة وقد لا تخرج منها بالصدفة أيضا!

تشجعت حين رأيت طريقا طويلة مسفلتة بالأسفلت تفيض على جانبيها الأشجار الفارهة، ودلفت للمستشفى، وسرت بحذر ارقب المارة من زوار المستشفى الداخلين إليها معي أو الخارجين.

كانت الطريق الملتوية تنتهي بمبنى صغير متهالك مطلي باللون الأصفر، دخلته مترددا فوجدت ممرضة قلت لها أنني أسأل عن طبيب يدعى محمد المخزنجي، فأشارت باتجاه شخص يجلس على مكتب صغير. تأملت شخصا خفيف الشعر يضع نظارة طبية موضوعة على طرف أنفه، حدق في وجهي بعينيه الرماديتين من أعلى النظارة دون ان يقول شيئا. أعدت عليه سؤالي فنظر لي بطريقة أوقعت الوجل في قلبي، إذ اوحى لي أنه "صائد المجانين" الذي اشتبه بي منذ أن رآني. ولم يرد فأعدت سؤالي مرتبكا، فهز رأسه نفيا وهو ينظر لي كأنه غاضب من شيء ما، فاعتبرتها إشارة الفرار من المكان بسرعة. وقبل خروجي أوقفتني الممرضة ثم قالت: ممكن تسأل عنه في سكن الأطباء وأشارت بيدها إلى مبنى كنت مررت عليه في أثناء دخولي ولم أنتبه له. شكرتها وتوجهت إلى حيث أشارت.

كنت أقاوم رغبتي في الفرار من المكان، لكني تعلقت بالأمل، واتجهت إلى المبنى الصغير العتيق الكابي الواقع قريبا من بوابة الخروج. دلفت من بوابة خشبية فوجدت نفسي في بهو خال إضاءته شاحبة لا يوجد به أحد أو شيء.

أطلقت تحية "سلامو عليكم" أكثر من مرة بلا مجيب، لكني سمعت صوتا في الطابق العلوي لم استطع تحديد هوية صاحبه، ووجدت سلما عتيقا يقود للأعلى فاتجهت إليه. لا اذكر الآن إلا غرفة صغيرة استبدلت الباب بستارة رمادية غيرت لونها السنين والاهمال، أزحتها لأجد سيدة عجوز نحيفة ترتدي جلابية سوداء، شمرت كميها، جالسة على الأرض وأمامها "طشت" أو وعاء غسيل ضخم ممتليء بمياه منقوع بها ما بدا ثيابا.

سددت لي نظرة تشبه نظرة الطبيب "صائد المجانين" الذي كنت التقيته، فقلت لها أنني أسأل عن طبيب اسمه "محمد المخزنجي". نظرت لي فوجدت عينيها تلتمعان ببريق غريب وهي تسألني:"مين؟! محمد فرغلي؟". لم أجب عليها، بل انطلقت أعدو على السلم ركضا خارجا من المكان وأنا أهذي في نفسي بما لا يسمعه غيري عن المجانين والجنون ولعنة هذا المكان.

الاسم الذي نطقَتْ به السيدة هو اسم والدي، وكنت أنا قد تركت لتوي أهلي وبيت العائلة رغما عنهم، رغم مباركة أبي في النهاية، طلبا للاستقلال، فإذا بي أجد نفسي في مواجهة اسم أبي مرة اخرى مطاردِا لي هنا في معقل الجنون!
قلت لنفسي: إنسى المخزنجي..انتهى الأمر..إطو هذه الصفحة للأبد..تكفيك علاقتك بكتاباته.


****
لكن ربما بعد اسابيع قليلة من تلك الواقعة كنت كالعادة اقضي إجازة نهاية الأسبوع في المنصورة، وبينما كنت جالسا في "مقهى أندريا"؛ الذي كان مكانا معتادا للقراءة والكتابة، خطر المخزنجي في بالي، وألحّت عليّ فكرة المرور على منزله مرة اخرى لأُطلع شقيقه "علي المخزنجي" على تفاصيل زيارتي لمستشفى العباسية وافهم منه مدى صحة انتقاله للعمل هناك.

بعد سنوات عديدة حين ذكرت اسم المخزنجي وحكيت هذه القصة لطبيبة نفسية لازمت المخزنجي في العمل بالعباسية قالت مبتسمة أنها أحست أنه لن يستمر طويلا في المستشفى. ووضحت قائلة أنه في تلك الفترة بدا غير قادر على مواجهة عيون المرضى. كان نظره معلقا بالأشجار طول الوقت!

انطلقت إلى المنزل وطرقت الباب، لكن لم يفتح لي "علي" الباب هذه المرة، بل فوجئت بشخص آخر: رُبعة، كان ابرز ما لفتني منه العينان طيبتان اللتين أطلتا من الوجه المربع دقيق الملامح ، وأدركت فورا أنه المخزنجي رغم أنني لم أكن رأيته من قبل. ابتسمت بانشداه، ومددت له يدي أسلم عليه بحرارة شديدة "حضرتك الدكتور المخزنجي؟".
"أيوه أهلا"..
فعدت أسلم عليه بشدة، ومودة وسعادة، أكثر من ذي قبل حتى أنه شك في سلامة ذاكرته وقال لي:"أنا آسف جدا، بس الذاكرة مش مساعداني، إحنا اتقابلنا فين قبل كده؟".
"لا يا دكتور الحقيقة إحنا ماتقابلناش قبل كده..بس أنا بقالي زمن بادور عليك".
رحب بي المخزنجي واستقبلني في غرفة علي أو عيادته المؤقتة، ورحت أحكي له حكاية بحثي عنه وظل هو ينصت لي بابتسامة وهدوء وصفاء روح جعلني اردد وحتى اليوم أن المخزنجي هو الكاتب الوحيد بين كتاب العالم الذين تتطابق كتابته مع روحه وشخصيته.
حكيت له عن خالي وابتسم لتذكره، وذكره بلون من الحبور، وبدا يسأل عني وعن اهتماماتي، وشجعني عندما عرف أنني انتقلت للقاهرة للعمل في الصحافة مؤكدا ان القاهرة قاتلة صحيح، لكن طالما هي رغبتك فلا بد أن تستجيب لها وأن تنتبه لكي لا تلتهم الصحافة وقت الكتابة او موهبتها.
تنقل الحوار من الصحافة إلى يوسف إدريس وعلاقته به، وعن رؤيته هو لإدريس ككاتب عملاق وكشخص، توقف طويلا، فيما أذكر ليحكي رؤاه حول كتابة إدريس وقدراته في التقاط ملامح الشخصيات الإنسانية. ثم امتد الحوار إلى رحلته في روسيا كيف بدأت وطبيعة حياته فيها، وكيف انه كان ينتوي الزواج من روسية، واظنه ذكر لي انه اصطحبها في مرة إلى مصر بالفعل، ولكني لم اعد أذكر الأسباب التي ذكرها لي لعدم اكتمال العلاقة، ولم يكن قد تزوج آنذاك. حدثني أيضا عن روسيا والحياة فيها وعن الأدب الروسي وتعلقه بقصص تشيكوف.

سألني عن اسمي وردده قائلا انه اسم يناسب كاتبا، ثم ضحك قائلا ان أسماء بعض الكتاب أحيانا تبدو غريبة ومتناقضة مع هوياتهم. ثم أضاف "انت بتفكرني بشخص لطيف، ابن اخت صلاح جاهين"، واظنه كان ناسيا الاسم أو انني نسيته، ولم أعرف من يقصد المخزنجي إلا حين تعرفت، بعد سنوات طويلة في القاهرة، على الكاتب المقيم في نيويورك؛ وكبير المترجمين الفوريين في الأمم المتحدة الآن "حسام فخر" ، ولم انتبه لأنه الشخص الذي كان المخزنجي يقصده، إلا عندما عرفت أنه ابن أخت صلاح جاهين.

في ذلك اليوم إنتهت حكاية "قصة البحث عن المخزنجي" نهاية سعيدة، فقد كان هذا اللقاء، ولا يزال، أحد أحلام حياتي، وكلما استعدته أشعر بالحبور والسعادة بشكل لا يمكنني وصفه. لكن في نفس الوقت بدأت قصة جديدة هي قصة علاقتي بالمخزنجي.

في ذلك الوقت كان المخزنجي بالفعل قد بدا يفكر في أن يترك الطب النفسي لأجل العمل في الصحافة، كما أظنها الفترة التي سبقت سفره إلى سوريا لفترة حيث تعرف إلى السيدة زوجته وزواجه منها. وكنت التقيت بهما صدفة في فترة خطبتهما أو أول زواجهما في ليلة باردة في المنصورة حيث سمعت صوتا ، كالحلم،  يناديني قريبا من الميدان المجاور للهابي لاند، والتفت لأجد المخزنجي وفي صحبته السيدة زوجته، التي عرفني إليها.

التقيته بصدف عديدة لاحقا بينها مرة في معرض الكتاب وكان مدعوا ليقول محاضرة، وكان آنذاك، ولعله بالطبع لا يزال، كارها للضوء والظهور، ورأيته قريبا من المقهى الثقافي فاقترب مني ثم دعاني للهروب من تلك الأجواء، فقد كان مضطربا من فكرة وجوده على المنصة.

على اي حال انتقل المخزنجي بالفعل لاحقا من العمل في الطب النفسي إلى العمل الصحفي في مجلة "العربي" في مكتبها في القاهرة، ثم انتقل في فترة لاحقة، أظنها عقب التحرير إلى الكويت وأظن إسهاماته في استطلاعات "العربي" من أبدع ما كتب في العربي في أدب الرحلة، وحين بدأت العمل في العربي كنت أقرأ استطلاعاته بتأمل لفهم طبيعة فكرة الاستطلاع كفن أدبي رفيع، يمزج الريبورتاج بالأدب، والتاريخ بالتفاصيل اليومية المعاشة، والانتباه إلى كل تفصيلة في الثقافة التي يتم زيارتها لأنها ستقود إلى معلومة مهمة أو فكرة ما يمكن أن تقدم جديدا للقاريء، وتكشف للمستطلع سرا قد لا يجد له تفسيرا في الكثير حتى مما قد يقرأه عن الثقافة التي يستطلعها.
وبعد عودته من الكويت عدت لألتقي به بين الفينة والأخرى إما في مكتب العربي بالقاهرة أو في نادي القاهرة حيث يقضي وقت فراغه متفرغا لعائلته أو لكتابته.

صحيح أن الزمن تغير، وأخذت المخزنجي الحياة كما أخذتني، لكن خيط الود والعلاقة الإنسانية لم ينقطع أبدا، ولا زلت أ}من أن المخزنجي هو الكاتب الذي تتسق كتابته مع روحه، وأنه تشيخوف القصة المصرية، وأنه واحد من أخلص كتاب القصة العربية في مصر بعد يوسف إدريس، وبلا منازع، وأن رحلة البحث عنه كانت تستحق، ولعلها من أبدع ما مررت به من خبرات حياتي.

 نشرت في مجلة (العربي) الكويت- عدد سبتمبر2012