Showing posts with label فـكـر. Show all posts
Showing posts with label فـكـر. Show all posts

Sunday, March 2, 2014

باسم يوسف ليس خفيف الظل .. لكنه يعلمنا معنى النقد

 

باسم يوسف ليس خفيف الظل ..

 لكنه يعلمنا معنى النقد





إبراهيم فرغلي
حينما شاهدت باسم يوسف في الحلقة الخاصة بنقد الإعلام، كنت أراقب أداؤه متسائلا عما يجعله أقرب إلى الوقار منه إلى المهرج؟ لأكن أكثر دقة وأقول أنني لم أتعامل مع باسم يوسف بوصفه مهرجا من البداية، حتى حين كان يصر على أن يطلق على نفسه لقب أراجوز. لم أجد في أدائه إجمالا ما يمكن أن يكون مضحكا بالمعنى الكوميدي. لكني أظن أن دلالات ما قدمه من وثائق الصورة حول ما موضوعات وممارسات شخصيات من رموز السلطة والإعلام في مفارقتها الصارخة بين الأصل والصورة، أو الشعار والممارسة الحقيقية، هي المفجر الحقيقي للضحك. الضحك من فُجر الواقع، وفُجر الفساد، وفُجر الكاذبين.
باستثناء الفقرات الأولى لبرنامج "البرنامج" ، حين بدأ كبرنامج ذي إمكانات بسيطة يبث فقط على شاشات الإنترنت، أظن أنها المرات الوحيدة التي لمحت فيها جانب خفة الظل لدى الطبيب، الذي تخلى عن الطب من أجل أن يصبح مقدم البرامج. وربما كان الضحك مع الحلقات الأولى أكثر، بسبب فضول المشاهدة الأولى، وخلفيات مقدم البرنامج كطبيب شاب قادم من ميدان الثورة، كان يعالج الثوار ممن أصيبوا على أيدي قوات الأمن خلال المواجهات التي سبقت تنحي مبارك. إضافة إلى أنه كان يتحلى بالفعل آنذاك بجانب فطري طبيعي، لم تكن قد أصابته شظايا الشهرة والنجومية بشكل أو آخر.
لكني في النهاية لست مشغولا بما إذا كان باسم يوسف خفيف الظل حقا أم لا؟ أو بمدى قدراته الكوميدية، ولن أنتظر أن يظهر يوما كممثل في فيلم أو دراما ليؤدي دورا كوميديا. فما يشغلني حقا، هو فكرة البرنامج منذ ظهورها الأول وحتى اليوم. "الرؤية" التي تقف وراء هذا البرنامج، والتي أظنها تقدم له وقود النجاح منقطع النظير منذ ظهوره. أو على الأقل وقود أن يكون مثار اهتمام كل فرد شاهده أو لم يشاهده تقريبا كما نرى على ساحات الإعلام، وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي.
النجاح هنا لا يتوقف على قدرته على اجتذاب عدد هائل من المشاهدين في مصر وخارجها، ولا على تحويل البرنامج إلى أيقونة السخرية من رموز السياسة والحكم والإعلام في مصر، بمنتهى القسوة. بل يتجاوز ذلك في إصراره على منهجه هو، ورؤيته هو كـ "ناقد" بالمعنى الحرفي والحقيقي.
ناقد مدجج بالرؤية، ولأوضح ما أقصده بالنقد إذن أقتبس مما يقول فوكو عن التنوير والنقد من أنه "إذا كان فن الحكم هو تلك الحركة المتعلقة في حقيقتها بالممارسة الاجتماعية لإخضاع الأفراد بواسطة آليات سلطوية تستند إلى الحقيقة، فإني أقول بأن النقد هو هذه الحركة التي بواسطتها تكون للذات الحق في التساؤل عن الحقيقة وآثارها السلطوية، وعن السلطة وخطاباتها في الحقيقة، وعلى كل حال فالنقد سيكون فن الرفض الإرادي والعناد الواعي، وأن للنقد وظيفة أساسية هي رفض الخضوع في لعبة يمكن تسميتها سياسة الحقيقة".
وفي تقديري أن هذا هو ما يفعله باسم يوسف، ففي المرحلة الأولى للثورة تناول بالرصد، والنقد، كافة رموز حكم مبارك ممن أفسدوا الحياة السياسية في مصر ولا زالوا، واستمر على النهج نفسه حين وصل الإخوان إلى الحكم، لا يبالي بمن يمكن أن يكون الهدف للنقد، طالما أن الشخص موضوع النقد يمثل وضعا يبدو جليا فيه أنه يبتغي الاستفادة من آليات السلطة الجديدة، سواء كان مرشد جماعة الإخوان الأسبق، أو رئيس الدولة المعزول حاليا، محمد مرسي. أو أي من رموز هذه الجماعة، المصنفة اليوم كجماعة إرهابية، أو حتى نماذج إعلاميي تلك المرحلة الذين مارسوا العديد من مناهج التحريض على المجتمع المدني، ولونوه بمسحة دينية كذبا وافتراء، فيما يعلمون ونعلم جميع انهم لم يكونوا يدافعون سوى عن مشروع سلطوي بامتياز.
وهكذا استمر نهج البرنامج أيضا بعد 30 يوينو – حزيران حين استغلت القوى القديمة الممثلة للحرس القديم لنظام مبارك في الإعلام سقوط الإخوان لكي تتسلل للعودة للساحة، ويرتفع صوتها بالصراخ ضد الإخوان، وكأن معاداة الإخوان تعني أنهم بذلك يمثلون صوت الثورة، وكأن شيئا لم يحدث منذ 25 يناير وحتى اليوم.
كذلك أفرد باسم يوسف في برنامجه مساحة كبيرة لانتقاد وزير الدفاع المصري الفريق عبدالفتاح السيسي، تأكيدا لرؤيته النقدية التي ترى في كلا المشروعين الديني أو العسكري استغلال لآليات سلطوية باسم الحقيقة الدينية في الأول والوطنية في الثاني، فيما كان هو يدفع الجمهور للتفكير في هذه الحقيقة موضحا أن الحقيقة شئ يختلف تماما عن سياسة الحقيقة التي تفرضها السلطات اللامدنية.
وبعد عودته بعد فترة المنع، عاد قويا أولا ليؤكد أن منهجه ورؤيته لم تتغير، وتاليا ليثبت أن جانبا كبيرا من التخبط والعشوائية الفكرية والتراوح في المواقف مما يحدث في مصر خلال السنوات  الثلاث الأخيرة ، وقبلها على مدى عقد كامل على الأقل، يعود إلى الفشل الذريع لجهاز الإعلام في مصر. الإعلام الذي أثبت قدرته على التلون القبيح في أسرع وقت ممكن رافعا شعار المنافقين مات الملك عاش الملك، فتحول من الدفاع المستميت عن عصر مبارك حتى تنحيه إلى الهتاف للثورة، ومنها لحكم العسكر ثم للإخوان وأخيرا للعسكر، يتلون في كل مرة وبسرعة مدهشة مثل الحرباء، من دون حياء أو خجل.
برنامج باسم يوسف إذن ليس برنامجا كوميديا على أي نحو، بل هو برنامج ساخر بامتياز، وناقد بامتياز، أو بالأدق هو برنامج ناقد يتوسل السخرية وسيلة لإعلاء شعاره الأساس: تشجع على المعرفة، وامتلك بذاتك حق هذه المعرفة ورؤية ما يقدم لك بوصفه الحقيقة لتتأكد من مدى حقيقيته.
 
نشرت في النهار بيروت في 26 فبراير - شباط 2014 

حتى أتخلى عن فكرة البيوت" لإيمان مرسال


 

"حتى أتخلى عن فكرة البيوت" لإيمان مرسال..

أن تتحول الحياة المعيشة إلى قصيدة !

 

إبراهيم فرغلي

 نشر في موقع الكتابة وفي صحيفة النهار - بيروت


 

أن تتحول الحياة المعيشة إلى قصيدة، هكذا كنت أهمس لنفسي بينما أقرأ ديوان الشاعرة إيمان مرسال "حتى أتخلى عن فكرة البيوت"، للمرة الأولى. مستسلماً، في الوقت نفسه، لغواية الانطباع الأوليّ الذي تخلقه قراءة أولى قصائد الديوان "لعنة الكائنات الصغيرة"، بأن إيمان وقعت على بئر السرد، وألقت فيه بدلوها الشعري في محاولة  لأن تنهل مما في جُبّ البئر، لتروي به حقول القصيدة.

لكن المُضيّ قُدماً في الديوان سرعان ما خفّف من حدة هذا الانطباع المتسرع، وفي القراءة الثانية واللاحقة، وما بعدها، تبين لي أن ما يبدو نثراً أو سرداً ليس سوى حيلة شعرية جديدة، تحاول بها مرسال الولوج إلى جملة شعرية بالغة التكثيف، لكنها لا تريد أن تقولها دون أن تمهد لها، بخلق لوحة "شبه سردية"؛ بديلاً للجملة أو للصورة الشعرية المجردة، وبحيث تأتي الجملة في النهاية حاسمة وشعرية بامتياز، مثل قولها في نهاية نص (لعنة الكائنات الصغيرة) :"ما أذكره غائب عن الصورة فلماذا أجتهد هكذا لأحافظ عليها من الضياع". أو كما في ختام قصيدة مقالة في (ألعاب الطفولة) حين تقول: "دور العمياء في كل مسرحية لم يكن يريده سواي".

 كنت اتبين مدى كثافة نص (لعنة الكائنات الصغيرة)، وكيف أنه في اعتماده على الذاكرة واللقطات المشهدية العائلية، والصورة، يتكئ على إبراز التناقضات، بحس ساخر حيناً، وبحسرة وألم وجداني حيناً آخر، وأحيانا بلون من الحنان، أو بما يشبه غمزة مرحة مرات.

لكن هذا المرح يبدو كأنه ابتسامة يشوبها شئ من مرارة تكاد لا تُرى، من مثل تصوير التناقض بين فكرة الفقر وبين تحايل الصور العائلية عليه بإظهار الأطفال وهم يمسكون النقود في الصورة، بحيث يتم "تخليد النعمة" التي قد لا تكون حقيقية خارج إطار الصورة، أو غير ذلك من صور التناقض.

النص الذي يتناول ما تسميه الشاعرة "وطني الأم"، تبدأ أولى تجلياته من تناقض اسم هذا الموطن مع واقعه: "ظُلِم هنا أناس كثيرون، وسميت هذه القرية (ميت عَدلان)". ثم تأتي التقاطات الذاكرة أيضا لتومض بتناقضات شخصيات التاريخ العائلي، فيما طائر الموت يطلّ كثيراً على مصائر تلك الشخصيات، ولاحقاً نعرف أن "قرية الأسرار العظيمة ليس بها باب يغلق".

وعلى ذكر الأسرار، فإن مساحة واسعة  من غواية القصيدة الحديثة، عندي، تتحقق من إحساسي بأن القصيدة بناء لغوي يتم تشييده في معبد الأسرار، ليس من السهل فك ما تقصده، إما لشدة كثافتها، أو لاستخدامها لطاقة الرمز والخيال، كما نرى في قصيدة "رسام الملائكة" مثلاً:"تترك الألوان الحقودة خارج اللوحة، تدعي الروحانية فلا تقترح صوتا ولا رائحة. أجساد بيضاء ووجوه هلامية، أجنحة تلتصق بالورقة كوشم ولن تطير أبدا".

وطاقة الرمز والخيال لا تتوقف على لغة مجردة أو مستعارة من المعجم فحسب، بل قد تمتد إلى مساحة الظاهراتي الشائع، حتى لو بدت أنها تستخدم لغة الشارع وتبحث عن مظاهر اليومي العابر، كما هو توجه القصيدة الحديثة في مصر إجمالا،  وكما نرى هنا في هذا الديوان في غير موضع وخصوصا في قصيدة "إيميل من أسامة الدناصوري" على سبيل المثال.

أما السبب الثالث لإحساسي وشغفي بلغزية القصيدة الحديثة فلأنها، في أول الأمر ومنتهاه، محاولة الشاعر لاعتراف سري يحتاج ان يتخلص منه، على ما يقول الشاعر الإنجليزي تيد هيوز. ولعل الحاجة إلى إخفاءه هي التي تجعله شعرياً. أي أن السر الحقيقي هو هذه الحاجة الغريبة الى الإعتراف، "ربما لأنك إن لم تقم بذلك الاعتراف السري فلن تكون عندك قصيدة". وهذا، في تقديري، منهج هذا الديوان كاملاً.

على مستوى طموح الفكرة الشعرية ثمة حس وجودي عميق، يبدو كهالة تتبع هذا الديوان أينما يسير. وعبر مستويات عدة وطرائق مختلفة. الحس الوجودي تخلقه أسئلة وجودية مباشرة في بعض الأحيان عن معنى الحب، أو الحياة، كما في قصيدة النجاة مثلا:"هل هذه هي النجاة؟ هل النجاة أ تكون في صحراء كهذه وتحت قدميك جوهرة لم تكن تعرف أنك تبحث عنها؟".

يتجسد الحس الوجودي أيضاً من سؤال القصائد الرئيس في تأمل الشاعرة لمسارات الحياة "من أنا"؟ كما في قصيدة (حياة) وفيها تقول:"حياتي التي فشلت دائماً في لمسها، في أن أجد صورة لي معها، بجانبي على نفس السرير، تفتح عينيها بعد غيبوبة طويلة، تتمطى كأميرة واثقة أن قصر أبيها محمي من اللصوص". وهي قصيدة وجودية بامتياز من حيث طبيعة السؤال الذي تطرحه والهاجس الذي يسيطر عليها "أمامي حياتي كلها؛ حتى أنه يمكنني ضمها إذا شئت، يمكنني حتى الجلوس على ركبتيها والغناء أو العويل".

كما يخلق هذا الحس الوجودي، في أحيان أخرى، تداخل الذوات الأخرى مع ذات الشاعرة عند استعادة الخبرات الماضية في نطاق خبرات الحاضر.

ثمة عدد من النصوص تتناول هذا الهم منها مثلاً في نص (تصبح على خير) يأتي قول الشاعرة:"اقول بنفس الحنان تصبحين على خير للهندية الواقفة منذ الصباح خلف صندوق النقود فتبتسم بطراوة كأنها لم تكن غاضبة من ثوان على زبائن اللحظة الأخيرة". أو كما في نص (تجارة العبيد) حين تقول مثلاً:"متى يأتي بحار ليفك كرتَي الحديد من قدميّ، أريد أن أتأكد من وجود قلمٍ رصاص وكرّاس ماركة Molesine في حقيبة الظهر، سأسجل ما يحدث لي في لغة مؤثرة".

كما يتمظهر الحس الوجودي في أسئلة الشك، التي تعبّر عنها ذات قلقة متخمة بالأسئلة عن معنى الحياة، عن قيمة الحب، وأوهامه، بل وحتى التعبير عن عمق سؤال الوجودية، الذي يوجه انتباهه لما تعطيه الرؤية الحدسية وما يحتل مكاناً في الشعور عن طريق هذه الرؤية، تأكيداً لأن ما يحياه الفرد هو العالم الذي يراه. تقول مرسال في ختام قصيدة (كأن العالم ينقصه شباك أزرق) :"يروق لي أن أصلّي ولا أعرف لمن". وقبلها وفي القصيدة نفسها تقول:"أما أنا فأشك أن الجبال في أماكنها، وأظن أن أقرب مكان بعيد عن التيه هو الموت".

يسيطر على العديد من قصائد هذا الديوان حس فلسفي يندمج في جدار البناء الشعري ببراعة، ويمنح النص عمقاً إضافياً لرؤيته الشعرية، وعبر نماذج العديد من القصائد بينها ما سبق ذكره في أمثلة آنفة، لكني أظن أن المتح من معين السرد أيضأ منح للشاعرة مفاتيح لصور عديدة جديدة ومختلفة. ومن بين هذه الصور مثلاً ما يأتي في مطلع قصيدة (احتفال) :"وقع خيط القصة على الأرض فنزلت على ركبتي أبحث عنه".

لكن اللافت أنه بالرغم من هذا الهم الوجودي فإن الجسد لا يحظى باهتمام كبير، وحتى في قصيدتين تحتفيان بالغرام، وبعلاقة سريّة بين عاشقين، لا يبدو الجسد، إيروتيكياً أو فيزيقياً، له حضور مؤثر، خصوصاً في قصيدة (وكأن العالم ينقصه شباك أزرق)، ربما باستثناء جملة في القصيدة تقول:"يعود كل منا لأهله. قُبلٌ في الرقبة وخدوشٌ في الظهر، رائحةٌ في الجلد وآلام تحته". وربما يأتي ذلك من كون الأنا هنا تتساءل عما إذا كانت تفاصيل ما تورده من رحلة لقاء العاشقين تعبّر عن حب حقيقي أم أنه مجرد رحلة جديدة من رحلات صناعة الوهم حتى إتقانه؟ وتستخدم، في تذكر لحظة العلاقة الحميمة وصف "جثتان جميلتان".

وربما يعود ذلك أيضاً إلى الإحساس الذي تسبغه العديد من القصائد على الحضور الجسدي بكونه وجوداً في ممر معتم وضيّق، عادة لا يتسع لأكثر من واحد. أو بكونه تصور الطفل، في لعبة الاستغماية، كما يرد في قصيدة (مقالة عن ألعاب الطفولة) بأن الآخر لا يوجد حين يغلق الطفل عينيه.

في قصيدة "تجارة العبيد" تتقمص الشاعرة صوت امرأة يفترض أنها كانت واحدة ممن خرجوا من كوّة "باب اللاعودة" الذي كان العبيد يخرجون منها – ولعل الشاعرة هنا تقصد "قلعة المينا" في غانا - إلى العالم الجديد؛ الذي يتحولون فيه من أجساد وذوات حُرّة، إلى عبيد لا يملكون من أمر أنفسهم أو اجسادهم شيئاً. لكنها تقف "حُرّة وقلقة بين الحصن والمحيط"، لأن تفاصيل صغيرة في المكان ستجعلها ترى أن التحرر من العبودية لا يزال، حتى لو بدا اليوم تاريخاً بعيداً، وهماً لم يتحقق، لأنه اتخذ أشكالا جديدة ومختلفة.

في هذا الديوان الفاتن تتقدم مرسال، مرة أخرى، قُدماً، في مسيرة تجربتها الشعرية، وتقدم نصاً كثيفاً وحياً وموحياً، يفيض بالأسئلة الوجودية، عن الذات والآخر. ولا يبدو فيها السؤال في هذه المرة كمن يراجع نفسه من عالم "الآخر"؛ كما كان شأن ديوانها الأخير "جغرافيا بديلة"، وإنما من موقع وجودي أكثر توازناً، وثقة بالذات، رغم القلق الوجودي والإنساني، وهو سمة أساسية لكل شعر حقيقي على أي حال. بل يصدر السؤال هنا عبر حسٍ عولمي متصالح مع موقع الشاعرة الراهن ؛"هناك"، رغم أنها تنتمي إلى "هنا".

 

 

"أماكن خاطئة" لأحمد يماني



قصائد منفتحة على ثقافات العالم تستبدل اللغة بالصورة

إبراهيم فرغلي

 


حيرني هذا الديوان منذ قرأته لأول مرة، واستمرت حيرتي في كل قراءة تالية، إذ أنه بقدر ما سلبني، مستدعيا إعجابي بنصوصه، لكني لم استطع تعيين أسباب هذا الإعجاب بسهولة.

نعم خطفني ديوان "أماكن خاطئة" للشاعر أحمد يماني، الصادر أخيرا عن "دار ميريت" بالقاهرة، بعوالمه ولغته، ومزيجه المبهر بين الخيال والاسطورة والواقع، كما أدهشني بكونه مخاتلا، يبدو نثرا بينما لايفيض سوى بالشعر، كما يبدو بسيطا وقريبا لكنه سرعان ما يكشف أن بساطته الخادعة ليست سوى تعبير فني عن موهبة أحمد يماني الذي يبدو أنه يلمح لحالة وجدانية أو لمعنى بعينه، لكن، سرعان ما يبدو المعنى عصيا؛ يتراكم لدلالات عدة خلف كل صورة شعرية مما يختلقها الشاعر بكل التأويلات المحتملة.

أدركت بعد قراءات عدة أن سر الديوان في انه متخلص من أية تأثيرات أخرى، وبينها تجربة يماني الشعرية السابقة نفسها، ومن تجارب أي من الشعراء المجايلين. كما قدّمَ لي دليلا حيا على ما كنت أفكر فيه منذ فترة حول فكرة علاقة النص الذي يكتبه الكاتب بالبيئة التي تحيط به، بالطبيعة، بالمناخ العام. ونعم يبدو هذ الديوان "متحررا" من قيود المكان، وتراث الكلاشيهات التي تشيع بين أبناء الجيل الواحد، ومستفيدا من عناصر الحياة الجديدة في اوربا حيث يعيش يماني في إسبانيا منذ فترة.

لم يعد يماني في هذا الديوان مهموما باليومي، فقط، وإنما امتد الهم لأسئلة وجودية كبيرة، عن معنى الاغتراب، وعن المشتركات الإنسانية، وعن العنصرية التي تمارس في العالم ضد الملونين، وعن الحنين، بل وحتى وصولا لبعض المشاعر التي تعكس شفقة الشاعر على نماذج مهزومة أو مجروحة من البشر، وسواها من التيمات، يعبر عنها بإيحاءات ميلودرامية، لكنه مع ذلك يبدو بعيدا عن فخ الميلودراما.

ثمة شيء خاص في هذا الديوان يتمثل في أن نصوصه جميعا تقطر شعرا، حتى لو بدت بعض المفردات عادية أحيانا. وبقدر ما تبدو القصائد مشهدية، تبتعد عن التجريد والذهنية، لكنها في المقابل، تعكس قدرة الشاعر على تركيب الصور والمشاهد، بوجوه البشر ولفتات شاردة من حياتهم، وبصرخات قد يرددونها، وبهمسات تنفلت منهم، أو بعواء ذئبة، أو رفيف طيور غامضة، وغيرها من عناصر الكائنات التي تبدو مصائرها معلقة مثل مصائر البشر.

 وبإحكام يضفر يماني الصور والتراكيب اللغوية والروائح والأصوات وحركة القطارات ولوحات الفن التشكيلي، والتماثيل والأقنعة الإفريقية والخرائط والأحلام وصور الوجوه، وسواها، لكي تعبر هي عن المعنى العميق، التجريدي أحيانا، والمركب، في أحيان أخرى، والعصي عن التدليل في مرات ثالثة.

تتجلى قدرات يماني في صوغ الشعر من تركيب المشاهد وتطويع اللغة واللعب مع خيال القاريء، كما تتجلى من تلك الشظيات الحادة المباغتة التي يفتتح بها العديد من القصائد؛ فتسترعي انتباهنا بحيث لا يمكن لوهلة أن نفكر بأن شيئا آخر يحدث في العالم، في هذه اللحظة، سوى ما يدعونا الشاعر للإنصات له أو رؤيته أو الالتفات إليه.

وفي تركيبه لتلك العلاقات التي تعكس هما حقيقيا بالآخر، أيا كان لونه أو جنسه أو طبقته، ينطلق الشاعر دائما من لمسته الذاتية، وفكرته، وإحساسه، مكونا علاقة تناغم مدهشة بين الآنا والاخر، باستمرار، وتقريبا على مدى نصوص هذا الديوان؛ الذي لا يمكن أن تغني عن قراءته أية محاولات للتفسير أو التوضيح؛ بسبب التعدد الدلالي الواسع للقصائد، الذي يمكن أن يختلف من قاريء لآخر وفقا لثقافته وذوقه.

تستجيب الذات الفردية هنا للأسئلة الإنسانية، عن مأساة الأخت –الأنثى في مجتمع ذكوري قامع وقاتل، وعن تواصل الأجيال، وعلاقة المعرفة الذهنية بالمعرفة الحياتية في علاقة الإبن بالأم وما يتضمنه ذلك من أسئلة وجودية عمن يمنح الوجود ومن يحاول إدراك معناه، وعن حياة البسطاء، والمعوقين، وغير ذلك، لكنها كلها لا تتوقف عند المستوى العاطفي الدرامي، وإنما تنسجه بحليات شعرية قوامها الصور الجديدة، واللعب، كما يفعل مثلا في قصيدة "حقل".

أما الذاتية فليست مغلقة على نفسها كما شان أغلب ما دونه الشعراء في القصيدة الحديثة العربية، بل يستبدلها يماني بذاتية مستندة على الآخر، في تلمسها لعزلتها او حتى في رثائها لعلاقة حب ضاع واصبح رمادا.

في قصيدة الحبال يقول الشاعر:"في قاع النهر/ الجاف/ تحت جسر العذراء/ أجلس وحيدا/ بالأعلى يقف أصدقائي/ يلقون إلي حبلا مجدولا/ اصدقائي يتماسكون/ ويلقون الحبل/ اتشبث جيدا واصعد/ في ربع المسافة يطفر الدم/ من اصابعي / فالوث الحبال/ اصدقائي لا يحبون الدماء/ اصدقائي يفلتون الحبل/ ويمضون آسفين/ يدي اليمنى / تلطخ الدرابزين الحجري/ في طريقي من قاع النهر الى الجسر/ حيث لا اعرف احدا في هذا الليل".

اما قصيدة "سماد" ففيها يقول:"في برطمان زجاجي علقته بداخل خزانة المطبخ كنت قد حرقت حبي وجمعت رماده. في نهاية الأسبوع أرّشُ منه على نباتاتي فأراها تهتز. في اليوم التالي تنتعش قليلا ثم ما تلبث أن تموت تاركة صفارا محروقا في كل إصيص. آخذ الصفار وألقيه بعيدا وأوشوش للنباتات أن تنسى الأمر برمته".

تتحرك القصائد بين مشاهد اليومي في ثقافة غربية يعايشها الشاعر وبين ذكريات بعيدة، تلتقط لحظات من الماضي البعيد: لحظات الحب المسروقة، صورة الأب، أو أيام المراهقة المشبوبة بالشبق والرغبة، لكنه يغزل الصور جميعا، بالصور الشعرية المدهشة التي يبرع في مزج فطريتها بثقافته، وبلمحة الأسطورة التي تبدو كإطار شفاف في خلفية القصائد كلها، مبديا قدرة كبيرة على التكثيف، وعلى بث تلك الروح الإنسانية المتعاطفة مع شخوص اللحظات الشعرية جميعا، وعلى تثبيت اللحظة على ذروة تألقها بالشعر كما يفعل في العديد من القصائد وبينها هذه القصيدة بائعة الزيت :"بينما تدخل حاملة عبواتها كنت ألحق بها على العتبة كي اضع عنها حملها رافعا العبوة الثقيلة. كنا نتقدم نحن الاثنان كتفا بكتف في اللحظة نفسها انفلتت نقطة من عبوتها الصغيرة. النقطة سقطت في منتصف المسافة بين اقدامنا المتجهة صوب المطبخ. وبينما ننزلق قبضت كفانا احداهما على الأخرى. كانت الأرض رطبة ونظيفة والعين المفزوعة سكنت خضرتها قليلا بندى الصباح".

المفارقة بين فعل الكتابة ومعنى الحياة، في الحياة اليومية تتخذ موضعا كبيرا بين قصائد الديوان سواء في قصيدتي الكتاب، وعزيزي بورخس، تماما كما شأن الكثير من تناقضات الواقع.

بينما تشوب نصوص اخرى من الديوان حسا ايروتيكيا لا يفقد فيها يماني قدراته على التركيب وعلى المشهدية والمفارقة وتعدد الدلالات كما شأنه في قصيدة "بائعة التبغ": "يدها على العلبة وقدمي خارج البيت. فجأة تعتم، وهي تواصل فرك التبغ على فخذها اللامعة. تتوقف قليلا تنقل نصف التبغ الى الفخذ الاخرى وانا ادخل في الدهليز الطويل وابدأ التدخين".

هذا الديوان غني بحيث أنه يستحق أكثر من قراءة، واظنه أحد العلامات المهمة في القصيدة العربية الحديثة باجتراحه منطق الصورة الشعرية على حساب اللغة الذهنية، واجتراحه عناصر من ثقافات عديدة بديلا للانغلاق الذي وسم القصيدة المصرية المعاصرة على نحو خاص، وباقتحامه الأسطورة وإسباغ مفرداتها طابعا من اليومية والبساطة.

سبق لأحمد يماني إصدار دواوين ثلاثة هي :شوارع الأبيض والأسود 1995، تحت شجرة العائلة 1998، وردات في الرأس 2001.

 

 

 

 

 

 

Sunday, December 29, 2013

"هناك عراك في الخارج" لسمر دياب

 
"هناك عراك في الخارج".. لـسمر دياب
 قصيدة تواجه نفسها بالخيال
 



الكاتب: إبراهيم فرغلي
 تفتح صفحات ديوان"هناك عراك في الخارج"للشاعرة سمر دياب على بستان من ثمار لم ترها قبلاً، وبينما تتأملها مندهشاً إذا بها تنهمر على رأسك، فتبقى محاصراً بين أن تتأمل الثمرة وأن تتلافى ما قد يرتطم منها بك أو يرتمي عليك. في هذا الديوان دار"الغاوون" ثمة مخيلة استثنائية، تتوالد فيها ومنها الصور بلا انقطاع، تلهث في تتابعها، وتتشكل متخلقة بعضها من بعض، فيها خلخال شجرة يعاتب كاحل الهواء، وناب يقف على نهد العتمة"يمسك بسلة الغبار، وعماء يظن نفسه بلون البنفسج، ونساء زرق بأهداب بيض يزرعن حبالاً صوتية، وجثث تقرع الكؤوس في حانة الموت، وذكريات بأسنان بيض، والقائمة طويلة.
طاقة شعرية تبرز صوتاً له نبرة خاصة تتمايز كثيراً عن صوت قصيدة النثر العربية الراهنة، تتوسل الصور الخيالية المركبة، تنهل من السريالية، الأسطورة، الأحلام، الغرائبية. سخط شعري لا يرى العالم إلا بمثل هذا الجنون. ولا يمكن التعبير عنه سوى بنمط من العبث، حيث تتشوش الأشياء، وتختلط القيم، ويتساوى الغث ونقيضه".
كانت من بين دوافع السوريالية، حين بزغت مطلع القرن الماضي في فرنسا، محاولة السورياليين أن يقدموا صرخة فنية بدفع الخيال إلى ذراه"في مواجهة الواقع البائس الذي مهد للحرب العالمية الثانية، وفي هجاء ما نجم عنها من كوارث. وقد يكون الواقع العربي الذي تنتمي إليه الشاعرة الآن وهنا، ونحن جميعاً معها، على المستويات كافة، أكثر بؤساً من ذلك الزمن الغربي، بكل مآسيه التي كانت سبباً في تفجّر السوريالية. ولعل الشاعرة، لمثل هذه الأسباب تتوسل الغرائبية السوريالية وطاقة الخيال التي تجمع كل ما لا يجتمع في تلك الصور المدهشة:"أني أكتب عن العالم/ الناب الواقف على نهد العتمة بيده سلة الغبار/ الذئب الليلكي الذي يقرمش الصرخة/ يحدث أن الليل ترسانة اللذة/ وأن الضوء شاعر أبرص مات ولم يزل ميتاً/ طرية كباطن القدم/ نمامة كسائر النساء/ ولا حول لي../ لكن بعض قطع توليب أحمر يرش اللغة على الخرافات لتصحو حد الطيش/ وجهي طاحونة لفراخ الروح او ربما اكثر...".
ومع أن الصور المنبثقة على امتداد الديوان تبدو تارة وليدة الصنعة والتفكير، وأحياناً وليدة عبثية فطرية، مبذولة بلا تصنّع، لكنها، في الحالتين، تكشف عن طاقة خيال مدهشة تتمتع بها الكاتبة، كأنها تصنع جملتها الشعرية بالتراكيب المتدفقة والصور المتعاقبة ما بين المنطق وأضداده في متواليات لا تنتهي، وتشكل بها لغتها الخاصة.

 
هذه الجزئيات الغرائبية تبدو في بعض القصائد كتفصيلات تتموضع بعضها إثر بعض مولدة خيطاً شعرياً يتتالى، بحيث يسلّم كل مشهد شعري الراية للاحقة، وأحياناً تبدو كمشاهد منفصلة تماماً بعضها عن بعض، لا رابط بينها سوى العبث.
ديوان مرهق بالتأكيد، فالصور محملة بالرمز، والتراكيب البلاغية تحتاج أحياناً الى فك شفراتها، والمعنى قد يظل غائماً أو كامناً في قلب الشاعرة، أو مبتوراً بسكين العبث، لا يقصد سوى العدم خصوصاً حين تتكاثف الصور وتتعاقب في عبثية مفرطة حتى التطرف.
لكن الشعر في الوقت نفسه يحقق لوناً من الدهشة، على اعتبار أن جزءاً أساسياً من أبرز سمات إبداعنا العربي المعاصر هو فقر الخيال والصورة، وهو ما ينجو منه هذا الديوان بامتياز بفضل طاقة الخيال المبثوثة في كل القصائد وعلى امتداده.
يطرح الديوان عدداً من الأسئلة التي تخص اللحظة الشعرية الراهنة من حيث اقتراح السوريالية في وقت تميل القصيدة الجديدة نحو اليومي، والوضوح، بديلاً لعتمة النص وغموضه. فهل يصلح الغموض اليوم لاستعادة مكانة القصيدة، أو بالأحرى جماهيريتها بين جمهور عازف عنها لأسباب ليس هنا موضع تفصيلها؟
 
السؤال هنا موضع طرح وليس موضع إجابة، فتلك قد تأتي أو لا تأتي وفقاً لما تقترحه سمر دياب في تجربتها، بهذا التلقيح المستمر للاستعارات، والصور، بكل ما ينتجه من توتر، وما يعبر عنه من تفجير لحالات شعرية مختلفة وصور تفتح باباً واسعاً للتأويل، قد يفضي مرة إلى متاهة، وقد ينفتح على زقاق ضيق.
ثمة استبدال لليومي بالعلاقة بين الطبيعة والكائن البشري، ثمة عبث بصفات كل منهما بحيث تمنح الشاعرة لكل منها صفات الآخر، إذ نرى أشجاراً تتنفس، وتموت، وغيوماً ترقص، ونجوماً تتحدث، وبحراً يتحول الى هرٍّ أزرق، والبكاء يمر على عكازين، وهي عناصر مستمدة من ثقافة غربية نرى فيها الغابة، بكل خصوبتها ومفرداتها المتشابكة الملتفة بعضها على بعض، المركبة، كما نرى الكثير من تراث الأساطير والحكايات الغرائبية والمسوخ
 
 
من أعمال سمر دياب الفنية
وهي في سياق الخلخلة ما بعد الحداثية التي يتسم بها الديوان، تعبث في ثوابت الصفات ذاتها بأن تؤنث القمر"القمر تمشي، القمر ترقص"، أو أن تحل ذاتها محل الجرار التي تملأ الشاعرة بالماء، أو تحيل الرائحة بحيرة حين يسقط فيها حجر، وتوجه دعوتها للقارئ لأن يعد معها دوائر المياه الافتراضية في بحيرة من الرائحة!
ثمة سخرية، باطنية، تستبدل بها الشاعرة سخطها أحياناً في مواضع الأسئلة الوجودية:"يداي على العبوات، من سينفجر الآن سيضحكني"، أو منطقة العواطف"ظلك المدهش/ المدهش جداً/ الذي وجدوه هذا الصباح في سريري مبتسماً ميتاً/ ترى من أطبق على خناقه يديه؟". وهناك كذلك اختزالات جيدة من مثل:"العين قديسة وهي مغلقة، عاهرة وهي مفتوحة"أو:"أنا فقط أحدق في عينيك/ وعيناك تحدقان في الشيطان/ والشيطان يحدق فيّ". ثمة كثير من الصور، نعم، والكثير من الشعر منزوعة منه لوعة اللغة ولوعة المشاعر والغنائية.
هذا ديوان أول يمتلك نغمة خاصة جداً، بها تؤكد صاحبته امتلاكها صوتاً مختلفاً، ويقترح في نزعة الخيال الجامح التي يتسم بها أفقاً جديداً لقصيدة النثر، ويعد بدفقات شعرية لا ريب آتية في الطريق.
نشر في صحيفة الحياة اللندنية - العدد: 17214 -  في 22-05-2010
 
 
 
 
 
 
 
 

Sunday, November 10, 2013

فهد العسكر ومعصيته


فهد العسكر ومعصيته
ظنوا أنهم صلبوه.. لكن هيؤ لهم!

 

إبراهيم فرغلي

 



لا يمكن لمن يسمع أو يعرف شيئا عن سيرة فهد العسكر إلا ويدرك أنه إزاء سيرة  شاعر فريد، من أصحاب الموهبة، ممن عاشوا حياتهم في العتمة، لكنهم تمتعوا في المقابل بوهج بصيرة باطنية.  البصيرة التي أصبح بفضلها فهد العسكر، الكفيف النحيل، رشيق الروح والوجدان، شاعر القرن العشرين في بلاده.

في كتابه الجديد "معصية فهد العسكر"، الصادر عن دار العين في القاهرة، يقدم الباحث الكويتي عقيل يوسف العيدان إعادة قراءة لسيرة العسكر بوصفه "الوجودي" الكويتي الرائد، السابق لزمنه بحثا عن حقيقة بعيدة عن وعي أهل زمنه ومكانه، والمثير للتساؤلات أبدا.

وأظن أن سيرة فهد العسكر ملهمة ، بوصفها سيرة شاعر مختلف سابق لزمانه، رفض الكثير من القيم السائدة وانتقد السلطة الأبوية والسياسية، ووصفت قصائده  بالغرائزية وبالإثارة، من قبل جمهور واسع على رأسه مجايليه من أهله وأقرانه، كما تعرض لتهم أخرى حاولت إقصائه من المجتمع ووأد قصائده، فعاش وحيداً معتزلاً أغلب سنوات عمره القصير، ثم تعرضت قصائده للحرق لاحقاً وبعد وفاته ، وهي السيرة التي صنعت من وجوده كله فكرة شديدة الإلهام.

العيدان في كتابه المهم هذا، تجاوز التناول التقليدي لفهد العسكر من قبل بعض الكتاب والباحثين الكويتيين والذي تراوح بين سرد سيرته الدرامية حينا، أو العكوف على شعره – أو بالأحرى ما تبقى من قصائده التي أحرقت على يد بعض أفراد عائلته- حينا آخر. وهناك كتابان مهمان عن الشاعر الراحل أحدهما للدكتور عبدالله زكريا الأنصاري بعنوان "فهد العسكر، حياته وشعره"، وآخر للدكتورة نورية النوري بعنوان "شعر فهد العسكر، دراسة تحليلية ونقدية"،  يتناولان حياة فهد العسكر وشعره.

لكن العيدان في تقديري آثر أن يرصد جانباً مختلفاً يخص سيرة هذا الرجل المتفرد؛ والتي تمثلت في كونه صاحب موقف وجودي إنساني.. إضافة إلى توثيق الكتاب بكافة المقابلات الإذاعية وبعض الحوارات مع الشخصيات الكويتية ممن عايشوا العسكر وتناولوه في تلك الحوارات لرسم صورة شخصية عنه كشخص وعن موهبته الشعرية.

يقول عقيل العيدان في تقديم الكتاب:"لقد حققت الوجودية خلال تاريخها ومحطاتها كثيراً من الإنجازات المهمة، يقتضي الاحتفاء بها وبطاقتها الثورية في الإنصات إلى الحكايات الصغرى، التي تشكل أحد روافدها الإبداعية، وبينها حكاية فهد العسكر المثيرة للاهتمام". مضيفا أن العسكر كان على غرار الوجوديين العظام، مقيدا بمنطق الإنسان الحي، وأن الوجودية ضخت حيوية قصوى في أفكار وأشعار فهد العسكر "الكفيف"، صاحب النظارة السوداء والنحيل حد الاختفاء، والذي أعلن في قصائده حبه لأكثر من امرأة، والإنسان الذي حلم أن يتنقل بين الحيوات برشاقة.

وقبل أن يقوم عقيل العيدان ببحث وتحليل مظاهر "الوجودية" في فكر وفلسفة حياة فهد العسكر، ثم إرهاصات تلك الفلسفة في شعره، فإنه يقدم جولة واسعة في تاريخ الفلسفة الوجودية، متتبعا جذور المفهوم، والاجتهادات الفكرية التي صاحبت محاولات تعريف المصطلح.

 يشير العيدان أنه حين يستخدم عبارة "فلسفة وجودية" فإنه يذكر ذلك تجاوزا:"فالوجودية حينما قامت إنما جاءت مناقضة من ناحية، وعاملة من ناحية أخرى في اتجاه مضاد لتلك الفلسفات/ المذاهب/ الإديولوجيات/ التيارات الجماعية التي تدعو إلى صبّ الناس في قوالب معينة من ناحية الاعتقاد والتفكير واسلوب الحياة ونوع السلوك".  

يخصص العيدان فصلاً كاملاً يورد فيه تاريخ الوجودية في الفكر الأوروبي الحديث، ويتجول في ملاعب الفكر والفلسفة متتبعا بداية المفهوم التي يرى أن لها إرهاصات تعود إلى حقبة الإغريق وخصوصا مع سقراط ومرورا بكتابات القديس اوغسطين (430م) ونصوص الفيلسوف الفرنسي باسكال 1623-1663  لبعض اعمال فلاسفة التنوير الفرنسيين وبينهم فولتير. مرورا بالفيلسوف الدنماركي كيركجارد بوصفه المرجع الأساس لكل الوجوديين من حيث هو أول فلاسفة الوجودية الحديثة في تقديم الوجود على الماهية والذات على الموضوع. إلى نيتشة ومنه إلى أصداء الفينومينولوجي في وجودية الألماني إدموند هوسرل ووصولا لسارتر الذي ارتبط اسمه بالفلسفة الوجودية بشكل كبير.

  ثم ينتقل الكتاب إلى حركة الفكر في الكويت، إذ يرصد العيدان نشأة التعليم في الكتاتيب ثم التعليم النظامي عقب إنشاء المدرسة المباركية، ويتوقف عند تاريخ الفكر المتشدد في الكويت، أولا لارتباط هذا التشدد ببداية احتكاك التعليم في الكويت ببعض رموز الفكر العرب وبينهم من يرى المؤلف أنهم كانوا سببا في بث بذور التشدد في الفكر الكويتي،  وبينهما اسمين مركزيين هما محمد رشيد رضا والسيد محمود شكري الألوسي الذي عد "في طليعة الذين كنوا الولاء للخطاب الوهابي".

 وقد "خيم على التعليم في الكويت بدءا من الكتاتيب وانتهاء بالمدارس النظامية كلها شبح ما يمكن أن نطلق عليه الاعتقاد القادري بشكل صريح أو ضمني. فقد ترسخت في العقول منذ زهاء ألف سنة فكر هذا الاعتقاد الذي أنهى التعددية العقائدية والمذهبية السابقة عليه وفرض على الجميع اعتناق عقيدة واحدة او مذهب واحد هو التأويل الحنبلي الأصولوي للإسلام". ويذكر العيدان أن نص الاعتقاد القادري يمثل انقلابا كاملا على الخليفة العباسي عبدالله المأمون (786-833). الذي تميز برعايته ىتشجيعه ليس فقط لعلم الكلام العقلاني وانما ايضا للفلسفة والترجمات وبيت الحكمة.

ويورد فقرة دالة عن سياسات التعليم في الكويت نفهم منها ضمنيا ان استمرار الموقف المحافظ المنغلق ضد فهد العسكر واشعاره الى اليوم من بعض مجايليه يعني ضمنيا ان الأسباب الثقافية والفكرية، الرجعية والمحافظة واللاعقلانية والأصولوية، التي جيشت لكل ألوان نبذ العسكر ووصفه بأبشع الصفات في زمانه، لا تزال لها إرهاصاتها اليوم. 

يقول العيدان:"إن الموقف الحنبلي الأصولوي الدوغمائي التقليدي الذي ظهر جليا في نص الاعتقاد القادري هو الذي تبنته مناهج التعليم في الكويت خلال النصف الأول من القرن العشرين – على الأقل إن لم أقل حتى الآن- والذي كان أحد نتائج "سياسات التوهيب" في الكويت، إذ نرصد الموقف المضاد للانفتاح  والتعدد الفكري نفسه ما زال متواصلا ومستمرا ".

 في هذه البيئة نشأ فهد العسكر الذي ولد وفقا لتقديرات العديد من الكتاب في العام1917، ودرس في الكتاتيب، ثم انتقل الى المدرسة المباركية التي كان لها أثر كبير في تعلقه بالشعر العربي، ولكن أغلب دراسته كانت دينية، ولكنه بعد أن سافر إلى البصرة، وهناك تفتحت آفاق تفكيره، فأقبل بكل قوة على منابع الأفكار الجديدة، وبعد عودته للكويت أقبل على قراءة كل ما يقع تحت يديه في الأدب والفكر والثقافة العامة، وهو ما تسبب في أن يتخفف من أفكاره الدينية المتشددة.

 وبعد التكون الثقافي والانفتاح الفكري الإنساني بدأ فهد العسكر، كما يشير الكتاب، العمل على تحويل الواقع "العيني" المعيش إلى شعر "وجودي"، فكان سعيه الحثيث لتحرير فكر المجتمع الكويتي، آنذاك، من ربقة الأفكار المفروضة عليه من خارجه، بما هي خرافات ومواضعات وثوابت أصولوية لا تمت إلى حياتهم اليومية المباشرة بصلة، والسعي إلى منحه حريته الحقيقية.

أما عن طبيعة حياته، فيشير العيدان بناء على شهادات مجايليه وبينهم ما ذكره الأنتصاري ففي كتابه، أو نقلا عن صديقه المثقف الراحل عبدالرازق البصير، أنه لم يتزوج، ليس لقلة المال، فقد ورث عن أبيه المال، ولكن لأنه رفض الارتباط بما يتعارض مع قناعاته الوجودية وبينها الاختيار الحر المتجدد للإنسان في الحياة، وزهد في القيود بكافة أشكالها وبينها الالتزام بوظيفة إذ عمل فقط لفترة معلما لأبناء أحد أمراء السعودية ثم انقطع. وأقام في بيته ما يشبه منتدى أدبيا للمثقفين وشباب الشعراء الذين كانوا يستمعون لأشعاره ويلقون عليه قصائدهم ويحتكمون لذائقته وآرائه.

لكن المجتمع الكويتي بأوساطه السياسية والاجتماتعية والدينية انقسمت حوله وحول أشعاره التي رأى الكثيرين أنها تفوح بالفسوق والوقاحة والزندقة وبدأت بشائر حملة التشهير والتكفير ضده.

ويناقش المؤلف كل التفاصيل المتعلقة بما تعرض له العسكر من إيذاء من مجتمعه آنذاك، مفندا كل التهم التي نالت منه وبينها حتى الاتهام بالتكفير، مستدلا على عكس ذلك من أبيات شعره ومواقف حياتية نشرت أو ذكرها المقربون من أصدقائه وسوى ذلك.

كما يشير إلى جانب مهم يتعلق بالنقد السياسي الحاد واللاذع الذي عرف به العسكر تجاه السلطة السياسية آنذاك، وكانت سببا بين أسباب أخرى في تأليب المجتمع عليه.

وبالرغم من محاولاته للتماسك إلا أنه عانى في أيامه الأخيرة، واضطربت حياته حتى قيل انه الذي أوصى بحرق قصائده لما تسببت فيه له من ضرر. وعاش وحيدا منعزلا في غرفة رطبة مظلمة تسببت في إصابة رئتيه بالتدرن ولم يكن يزوره سوى نفر قليل ونقل الى المستشفى الأميري قبل وفاته بأسابيع قليلة عن عمر لا يتجاوز 34 عاما، في 15 أغسطس 1951.

  ويحسب للباحث عكوفه في مواضع عديدة من الكتاب على اشعار العسكر وقصائده، وقد خصص فصلا  من الكتاب لرصد وتقصي آثار الوجودية في قصائده التي اتسم الكثير منها بالجرأة، والتنوع في الموضوعات، ما بين الحب والخمر والنقد الاجتماعي والسياسي.

هذا الكتاب هو بمثابة تحية تليق بذكرى هذا الشاعر النبيل والإنسان الذي واجه النفاق الاجتماعي والثقافي والتخلف في مجتمعه على طريقته، عارفا أن مصيره الصلب، كما يعبر المؤلف، وقد قبل مصيره بشجاعة، لكن عزاؤه أن شعره وفكره وسيرة حياته أصبحت فكرة نبيلة ملهمة لكل أعداء النفاق الفكري، وكل أنصار حرية الفكر والإبداع والتعبير ليس في الكويت وحدها بل في كل مكان.

 المقال كاملا.. ونشر مختصرا في النهار اللبنانية في 10 أكتوبر - تشرين ثاني 2013

Thursday, September 27, 2012

يا رب أعطنا كتابا لنقرأ..لمهاب نصر


يا رب أعطنا كتابا لنقرأ..لمهاب نصر

صياغة شعرية فلسفية لأسئلة الذات والآخر والوجود




إبراهيم فرغلي

بعد صمت شعري طويل، ومريب، أطل علينا، أخيراً، الشاعر مهاب نصر بديوانه الثاني "يا رب .. أعطنا كتابا لنقرأ" الصادر عن دار العين للنشر. وكان ديوانه الأول قد صدر بعنوان "أن يسرق طائر عينيك" في العام 1997.
يعود نصر بنبرة صوت مختلفة، بالأحرى، بصرخة شعرية لصوت بدا مكبوحا لسنوات، قبل أن يجد ثغرة ينفجر منها، ما يمنح الانطباع بأن الشعر كان يتمخض ويعتمل في ذهن الشاعر، لكنه كان شاردا عنه في انتظار اكتماله.
مع ذلك فهي ليست صرخة عشوائية أو صاخبة، بل محسوبة شعريا، تتلون بلون خاص قوامه صور مستعارة من معين السرد، ومغلفة بأسئلة وجودية وفلسفية.

نبرة تمنح الشاعر الفرصة لتقديم صور شعرية أشبه بالصور التي يتم مطها، أو مدها قليلا لتبدو غير واقعية دون أن تتخلى عن جوهر واقعيتها (قبل أن أكون الصوت الذي وراء الشجرة/ كنت كلبا مربوطا/ في الجذع المارد/ الذي ينتهي بقمر في حجم وجه)،  وأحيانا تشكل هذه النبرة صورا داخل كادر واقعي لكن الصور التي تتبدل داخله بسرعة هي التي تبدو وكأنها تتعرض للمد، قصدا وعمدا، ليُفقدها الشاعر واقعيتها محولا إياها إلى صورة تمتح من الخيال الشعري. اي كأن الشاعر يقوم مرة بمط الصورة الشعرية كلها، وأخرى يقوم بمط العناصر الداخلية للصورة.  يبدو هذا الأسلوب الأخير عاكسا للتوتر المقصود التعبير عنه في القصائد وبحث الشاعر عن المعادل الخارجي للتعبير عن الفكرة الباطنية والتجربة التي يمر بها.
توتر يجمع الزمن من شتات الماضي، ويكثفه عبر صور خاطفة لكي يمرر بها نبرة ساخطة، ورؤية ناقدة للذات وللآخرين معا، للماضي الشخصي للفرد، بوصفه جزءا من ماضي الجماعة.

"يجب ألا نمارس الفلسفة إلا بشكل قصائد"، هكذا قال هايدجر يوما، للتأكيد على دور أساسي، وربما مفقود، للغة في تدوين الفلسفة، لتخليصها من التجريد وتحويلها إلى صور. ويبدو لي أن هناك التزاما غير مباشر بهذه المقولة من مهاب نصر، لكنه هنا يتحرك من منطلق عكسي يرى أن الشعر، حتى في تعبيره عن اليومي والحياتي، ينبغي أن يعكس حسا فلسفيا أو رؤية فلسفية للوجود ولأسئلة الذات تجاه نفسها وتجاه الآخر والعالم معا. او على الاقل هذا ما يتبادر لذهني حين اقرأ مثلا "باحثاً عن ممر/ لاكتشاف ذاتي/ وجدت مفتاحا يلمع/ بين اسنان بيضاء/ صرختي سقطت الى قدمي/ افكاري/ جعلت اصابعي باردة/ وبعيدة عن مركز ارادتي / الذي حل مكانه/ نوع غامض من الالم".
او حين يقول : "يا أخي/ يا صديقي/ لن تكون هناك ثورة ابداً/ إلا حينما يستيقظ الموتى/ حينما يختلط الزمن/ فندخل ونخرج/ مثل كومة مشطورة من أوراق اللعب/ نسحب ماضينا/ مثل ورقة في أول الدور/ مدركين جميعا أنها مجرد لعبة".

هناك إحساس عام في هذه القصائد بإحالة الذاتي على الآخر، أو إحالة الفردي على الجماعي. بمعنى أن القصيدة التي عادة ما تبدأ من صورة فردية لذات الشاعر الافتراضية التي يأتي التعبير الشعري على لسانها، سرعان ما تُجري مقاربة على مجتمع كامل أو تاريخ عام مشترك تجمع ذات الشاعر مع جماعته التاريخية.
ثمة قصائد أخرى تضيء أفقا آخر هو الإشارة إلى أن كل مأزق فردي يمر به شخص ما في مكان ما في العالم، يشاركه في المأزق ذاته آخرون سواء كانوا ينتمون لنفس الثقافة والجغرافيا أو يتفرقون بين ثقافات مختلفة وجغرافيات متباعدة.
مثلا في قصيدة إهانة يقول: "كلما نقص راتبه/ ارتاب في نوايا العالم/ يغلق نافذته/ ويقرأ/ مشمرا كميه كمن يستعد للإهانة/ لكنه كلما قلب صفحة / احمر صدغاه اكثر/ انا ايضا/ كنت اشعر بالصفعة نفسها/ رغم انني كنت اقرا في كتاب مختلف تماما/ ولراتب يفوق ذاك الذي يعذبه". وهناك قصيدة أخرى تحتمل ذات المعنى بعنوان "في ردائه البرتقالي".

 أما ابرز سمتين في قصائد هذا الديوان فهما التقاط الشاعر لصورة تبدو ذاتيه لكنه يعبر بها عن ملامح صوت شعري يتقمص صوتاً خاصاً، كما هي طريقة تكون الشخصية في السرد، كأنه تعبير عن الصور المختلفة للذات أو كطريقة لرؤية الذات في مرايا ينعكس فيها كل مرة شخصاً مختلفاً وإن كانت الأسئلة التي تؤرقه واحدة. لهذا كثيرا ما يستخدم الشاعر ضمير الغائب. "يضرب على فخذه / وينهض كأنما يوجز موقفه من العالم"، أو "لا يعرف النوم الا حين يكونون هناك"، أو كما في قصيدة أمي:"مكان قدمها الغليظة/ كان عكازها/ ومكان عكازها / كانت روحها تضرب الأرض/ في الغرفة المجاورة/ تاركة حفرا صغيرة/ هي ما أسميه حياتي"

هنا إذن محاولة لتخليص القصيدة من الضجر الذي قد تولده الغنائية والجملة الشعرية المجردة، وأظنها أيضا محاولة توصيل التعبير المناسب دون الإخلال بالتجربة الإنسانية المطمورة تحت تجارب الحياة العادية.
أما السمة الثانية فهي النبرة الساخرة وربما الحادة التي تتسيد مناطق واسعة من الديوان، صوت ينتثر في ارجاء الديوان يتلون بمزيج مدهش من السخط والتعاطف الإنساني معا. لأنه ربما ينطلق من أسئلة صادقة وإنسانية أكثر من كونه تعبير عن انتقاد سلبي لخطايا بشرية. كما في قصيدة يا رب اعطنا كتابا لنقرأ :"بطريقة ما/ كنت معلما/ بطريقة ما/ اعتبرت ذلك طبيعيا/ لهذا صرت انحني لكلمات لم أقلها/ وأنقل تحياتي الى ابنائي/ أحاول أن أُفهمهم أنه ضروري جداً/ للواحد ان يقرأ/ أن يستعيد مع والديه/ وهو يلقي حذاءه أسفل السرير/ كم الاحترام مجهد وجميل/ ألّا مستقبل لهم بلا كلمات/ أنت نفسك يا بابا/ تنحني فوق الجريدة / وكأن سحابة تعبر فوقك/ وحين أناديك /أرى جبهتك/ المدموغة بالحزن/ كما لو كانت تمطر لأجلك بالذات/  اقرأ يا بابا وناد أمي أيضا لتقرأ/ دع السحابة تمر فوقنا جميعا/ يا رب/ أعطنا كتباً لنقرأ../ كتباً برائحة الصمغ وصفحاتها كالسكاكين/ كتباً/ تسعل في وجوهنا بالغبار/ لنعرف أن حياتنا مقبرة".
ثمة تطويع للانفعال والعاطفة للتعبير عن العالم، بمعنى أن هناك رؤية عميقة خلف القصائد خصوصا تلك التي تمتلك طاقة كبيرة في توليد الدلالات بالرغم من انها لا تخرج عن الإطار العام الذي انتهجه مهاب نصر والممثل في الاتكاء على طاقة السرد المشحونة شعريا في كل قصائد الديوان،  ونموذج هذه القصيدة الرؤيوية "أغنية الحنان:"دفعنا ابواباً، موائد وكراسي بالأقدام/ اعماقنا حجارة خفيفة ومشطوفة نقذفها باتجاه البحر/ فتقفز على سطوح الأمواج ملسوعة وضاحكة/نحن دببة الشعر الكسالى/ نجلس على مؤخراتنا ونتطوح/ نتفلى / حتى تدمى الأصابع/ ويلكز بعضنا الآخر مناديا بالأسماء كي لا ننسى" وفي نفس القصيدة ايضا يقول:"القاتل كان منا/ طوّح بزجاجة وبكى/ عالم رياضيات وعاشق فاشل / وعلماء رياضيات قادمون من غرف ضيقة/ من القرن التاسع عشر/ من الحوائط مقشورة الطلاء/ المسجل عليها حسابات القيامة ودوائر الجحيم/ ودائما بالبتسامة الملتوية/ لفم يعجز عن اكتناه المسرات".
ديوان يستحق أكثر من قراءة وإضافة للقصيدة الجديدة بما يقترحه من رؤى شعرية مختلفة، ونبرة شعرية تظل تلاحق من يقرأها كأنها شبح الشعر المارق، فعودا حميدا لمهاب نصر.


 نشرت في صحيفة النهار البيروتية في 7 سبتمبر2012