Thursday, May 20, 2010

فصل

فصل من رواية

استعدتها في الحلم. جاءتني مندفعة، متدفقة بحيوية وحشية، متألقة باللون الأحمر كشهاب، متعملقة كماردة أسطورية، وكلما اقتربت كلما تراءى لي مدى جمال وجهها الفاتن رغم وحشيته، يتردد زئيرها في الأرجاء فيختلط توتري بتيار دفين من الإثارة يكاد يطفر من روحي. هذه هي شاحنة الحلم. كابينة شاسعة لشاحنة عملاقة، فخمة، تلتمع بالأحمر، بلا مقطورة، تقف مستأسدة على إطاراتها العشرة في شموخ.
ارتقيت الدرج المعدني فضي اللون، المكسو بنتوءات معدنية صلبة صغيرة، فيما أتنشق رائحة المقعد الجلدي الأسود الوثير. أتأمل كابينة القيادة التي بدت كأنها كابينة طائرة لا شاحنة، عدّادات سرعة، وأخرى للفّات الموتور، وبقع لونية تشير لإضاءات عديدة ترتبط بتجهيزات القيادة، ونتوء أشبه بمقبض باب كروي أسود اللون، اتبين لاحقا أنه ناقل السرعات، فأصبح حال من الغبطة.
وجدتني أقودها مستثارا على طريق أمريكي سريع، يلتف كثعبان، ينحشر بين واد سحيق يمتد على يسار الطريق، وبين جبل وعر يختلط لونه البرتقالي بمساحات من البني الفاتح والأصفر، وتعلو بعض مسطحاته شجيرات صغيرة أخضرها شاحب بفعل اتربة الجبل والشمس الحارقة.
تأكلني الإثارة، بينما أتشبث بالمقود الذي يستدير يمنة ويسرة وفقا لتعرجات الطريق، محاولا أن أكبح شعورا غامضا بوجل غير مبرر، لكني في أثناء القيادة بسرعتي القصوى، وفق ما التقطته عيناي في لمحة خاطفة إلى عداد السرعة، وبتركيزي الحاد على الطريق كنت أعرف أنني سأكتشف بعد لحظات أن مكابح الشاحنة لا تعمل، وانني سأظل منطلقا بفعل القصور الذاتي حتى أهلك. وبعد ثوان أخرى سأجد نفسي في هوة الخوف السحيقة، عاجزا عن إيقاف السيارة؛ متشبثا بالمقود كأنه سر حياتي، وعازما على التشبث بمعجزة توقف الشاحنة قبل أن تهوي في الوادي السحيق.
لكنني سرعان ما تجاوزت مخاوفي حين لمحت على جانب الطريق طيفا لفتاة ذات شعر أسود حالك، تقف على جانب الطريق وتشير إلي. ترددت لثوان، إذ كنت أخشى أن تكون لحظة قراري بالتوقف من أجلها هي التي أكتشف فيها عطل المكابح، لكنني، وضعت قدمي على مدوسة المكابح فتوقفت الشاحنة على الفور، تنفست عميقا، وانتظرت للحظات حتى وجدت وجهها يطل علي من النافذة المقابلة لي، أشرت إليها بالدخول، وكنت أرقب ملامحها المبتسمة وجمالها يذكرني بوجه الممثلة المكسيكية سلمى حايك، غمرني عطر خفيف مشوب برائحة عرق خافتة، فيما اتأمل وحمة صغيرة على طرف أنفها الصغير الدقيق.
دار بيننا حديث غامض، كانت تقول أشياء لا استطيع أن أفهمها، وكان كل ما أقوله أيضا لا دلالة له بالنسبة إليها، لكن المدهش أننا ظللنا نتحدث بلا انقطاع، لا يتوقف حديثنا إلا بفعل ضحكاتها القصيرة المتقطعة.
توقفنا حين رأينا حانة على جانب الطريق تزدحم أمامها الحافلات والشاحنات، وحولها تتناثر مجموعات من الشباب والفتيات الذين وقفوا يتعابثون، يتضاحكون، ويدخنون، ويتجرعون البيرة من زجاجات بنية اللون صغيرة الحجم. تجاوزناهم فيما نهرول باتجاه الحانة، مستثارين بمرح لا يبرره لدي سوى وجود تلك الفتاة الجميلة، التي تتقافز بطفولة من حولي، وترسم ابتسامة طويلة على ملامحها الفاتنة لا تنقطع إلا بانقباضات الوجه الصغير المليح حين تتحول ابتسامتها إلى ضحكة مزقزقة من ضحكاتها السريعة..
دلفنا إلى الداخل، عبر باب زجاجي ضيق، فألفينا جمهورا كبيرا من الرجال والشباب، يتناثرون في جماعات حول مناضد خشبية مستديرة، مغلفين بالدخان، وبجلبة الضحكات الصاخبة، بينما لم نجد سوى فتاتين اثنتين فقط تقفان أمام البار وهما تتهامسان كعشيقتين.
أضواء المكان خافتة، تنتشر بين وهجها الشاحب ألوان حمراء وخضراء وزرقاء، تنعكس ظلالها على الطاولات، وأشباح البشر من حولنا. لفتت الفتاة المكسيكية انتباهي إلى سقف الحانة الخشبي فأغرقت ضاحكا. كان السقف ممتلئا بكيلوتات أنثوية بألوان وموديلات مختلفة، معلقة بعشوائية إلى جوار صديريات نسائية حمراء وسوداء وبيضاء.
إقترب منا رجل وسيم متين البنية يرتدي قميصا قطنيا أخضر وبنطلون جينز. أشار الى السقف وسألنا إذا ما كنا نلتزم بشروط المكان، فارتسمت على ملامحنا تعبيرات استفهام دفعته ليوضح لنا ان الحانة لا يدخلها سوى الرجال، أما النساء فلا يسمح لهن الدخول إلا بتصاريح من هذه النوع، وأشار إلى السقف.
أدركت سر توقف الكثير من الشباب والفتيات في الخارج، لكن صديقتي سألته عن سر تواجد الفتاتين العشيقتين فأوضح ضاحكا انهما لا ترتديان ثيابا داخلية، فضحكتْ، وبلا تردد أدخلتْ يديها تحت الجيب الجينز القصير الذي ترتديه، وبحركة خاطفة انتفضت وهي تنزل كيلوت بيكيني أسود من تحت قدميها وتقدمه للرجل الذي انتزعه شاكرا، ثم دسه في انفه وهو يقول لها بمودة أن رائحتها جيدة، فابتسمت له بغنج، وطلبت منه ان يعلقه فورا، بينما تحول ارتباكي إلى ابتسامة بلهاء وزعتها بينهما وأنا أتخيل شعيرات مهبلها التي منحت الكيلوت العبق الذي وصفه الرجل بـ"رائحة جيدة". سألنا عن المكان الذي سوف نختاره لجلوسنا لكي يعلق الكيلوت أعلاه. أشارت إلى ركن قصي قريب من نافذة تطل على الطريق.
رأيتها تجلس أمامي عارية، ينسدل شعرها الأسود الفاحم على كتفيها، ويرتاح نهداها على صدرها، تتكلم بينما تأخذني عيناها ولا اسمع شيئا مما تقول. فيما اختلس النظر، بين آن وآخر إلى الكيلوتات والسوتيانات المعلقة أعلى رأسينا، مأخوذا بجمالها، وبعمق غامض، يفوح بين آن وآخر في ارجاء المكان. كان تنظر إلي بغنج، وكنت أبتسم لها وانا أقول لها ما أظنها تتوقع سماعه:جسدك جميل جدا.
ثم رأيتني أقود الشاحنة وحيدا، بسرعتي القصوى، مستعيدا كل المخاوف التي جعلتني أقبض على المقود كالمجنون، آملا ألا تواجهني سيارة أخرى أو شاحنة فتضاعف احتمالات الخطر. وبينما أدرك في لحظة أنني أحلم، لا أستطيع كبح جماح الكابوس، كنت أردد لنفسي أنني أحلم..أحلم..وأهتف لروحي أن تستيقظ، ولكن بلا جدوى، حتى دخلت روحي في فقاعة سوداء فجأة لم أشعر فيها بشيء البتة. أدركت أنني بدأت في تلك اللحظة رحلة الموت، بينما كان ذهني يحتشد لتذكر الدقائق الأخيرة للحادثة الرهيبة التي أودت بحياتي، لكن الذهن توقف عن التذكر عاجزا، واكتفى بالتطلع لمستقبل لا أرى منه سوى عتمة مطبقة.
***

إستيقظت متكدرا، متعرقا، كارها الحلم، ونفسي. فقد عشت تقريبا بلا أحلام. ذاكرتي ضعيفة جدا في تذكر أي حلم، لكنني الآن، تقريبا، لا أعيش سوى على الأحلام، أو الكوابيس بالأحرى.
لسنوات كان لدي حلم يقظة واحد: أن أستيقظ لأجد نفسي في بيت جديد، لا أعرف كيف انتقلت إليه، ومن نافذة الغرفة المشرقة حين أستيقظ أطل على حديقة جميلة، وشارع ممتليء بأشخاص لا اعرفهم، منمقين، مهندمين، يسيرون بنشاط، لكن بلا ضجيج.
لم أستطع أن أحدد المكان. فقد كان الحلم في جوهره توق للحرية بعيدا عن أي كلاشيه مسبق. أن أعيش في بلاد لا أعرف لها اسما، لكنها تقبلني بترحاب.
بمرور الزمن كنت أضيف بعض الرتوش إلى حلم يقظتي ذاك، من اكتشاف أماكن جديدة، إلى معرفة عوالم كانت غيبا قبل أن تطأها قدماي، ثم فتيات حسناوات جميلات التقيهن، في ملهى ليلي، او بالصدفة على الطريق، او في مقهى لا يرتاده إلا محبي العزلة والانفراد بأنفسهم، أخص نفسي بواحدة منهن، بعد علاقة حب قوية.
فيما بعد استبعدت فكرة الحب من القاموس، حين اكتشفت أن الكلمة سخيفة ولا تعبر عن دلالات محددة، فضلت كلمات مثل "شغف"، فضول عاطفي، أو حسي، وهكذا كنت أردد لكل فتاة تقرب بيننا حبال الود انني شغوف بها، واحيانا أستخدم تعبيرا غامضا عادة ما كان يستثير ضحكة صاخبة بقولي لإحداهن "أشعر تجاهك بنوع من الفضول الحسي"، ولم أكن أهتم كثيرا بأن يفهمن، فلا مجال لأي فهم متبادل بين عشيقين، أو على الأقل هذا ما تقوله خبرتي.
كنت، تحت ضغط الوقت، والعمل، او الانشغال بأمور الحياة اليومية السخيفة المرهقة، وليال العبث في أيام أخرى، أنسى حلمي، خاصة كلما وقعت في الغرام.
لكنني كلما ابتعدت عن تذكره كلما عدت اليه مدفوعا بإضافة تفاصيل جديدة، وبينها حلم الانتقال من ذلك المكان إلى أماكن أخرى تشبهه أو لا تشبهه لكنها كلها غريبة عني، مدن حديثة جميلة، نظيفة، ملونة، بناياتها شاهقة، تتناطح في محاولاتها الشامخة أن تصل للسحب، مدينة رمادية تختلط فيها شبهة القدم بالحداثة.
***
استعدت الحلم، خصوصا وجه الفتاة السمراء الجميلة، لكني ادركت أن وجهها، لم يمر عليَّ من قبل. استعدتُ ملامح العديد من بطلات علاقاتي الطويلة، ثم المارات العابرات، بل وحتى بطلات السينما ممن أحب. لم تنتعش ذاكرتي. السينما نفسها الآن لم يعد لها وجود، هكذا قلت لنفسي.
هبت على روحي نسمة مجهولة من تلك المشاعر الغامضة، كتلك التي يتوهم العشاق بها أنهم وقعوا في الغرام. ابتسمت للخاطرة الساذجة عن خداع اللاوعي الذي داعب وعيي بالإيحاء بانني احب تلك الفتاة التي لا أعرفها.
نهضت لأجل خاطر داهمني واتجهت باتجاه الحائط المقابل لفراشي لأضيء المصباح. على الحائط رحت أرقب بشغف صورا ولوحات جمعتها على مدى سنوات؛ من المجلات والصحف، وملصقات كنت اشتريتها ، لفاتنات من أرجاء العالم، ورحت أتفحصها بلا جدوى. توقفت أمام صورة كبيرة لسلمى حايك وهي تجلس على الأرض وتغطي نفسها بملاءة، حافية القدمين، وتنظر للعدسة نظرة تجمع تعبيرا غامضا بين الحزن واللامبالاة. راعني أنها لم تكن تشبه فتاة الحلم كما هيأ لي خيالي.
جلست ساهما، إذ هاجمت ذاكرتي تلك الرحلة الطويلة التي انتهت بالمأساة التي أعيشها اليوم، والتي يعيشها معي مجتمع كامل. قلبي يتمزق كلما تذكرت أنني كنت طرفا أساسيا من أطراف تلك المأساة.
وبينما أستعيد تلك المرحلة السوداء من حياتي أدركت أن الأحلام التي تداهمني يوميا ربما ليست إلا شعور باطني عميق يعارض حقيقتي التي كنتها، وما كنت أتمنى أن أكونه بديلا لما عشته.
أدركت أن فتاة الحلم هي بشكل ما مثيل موضوعي لفتاتي الراهنة، قارئة كتابي السري، التي تصر على أن اسمها "رهف"، بينما لا أصدقها، لكني ارضخ مضطرا إذ لا توجد لدي طريقة لأتأكد منها أن هذا هو اسمها الحقيقي وأن الشخصية التي عرفتها بها هي بالفعل شخصية حقيقية.
يدهشني أنها قررت أن تصبح قارئة كتابي السري، رغم أنها أصرت في البداية ألا تبدأ هذه المرحلة من علاقتنا قبل أن أحكي لها كل شيء عني، وعن تلك المرحلة الغبية من حياتي التي عشتها قبل ان أقرر التحول لما أنا عليه اليوم.
كانت شكوكي قد بدأت تخفت نحوها حتى قررت قرارها ذاك. ما الذي يجعلها ترضخ لأن تقرأ كتابي السري، وتمارس معي تلك الطقوس التي اخترعناها معا، رغم أنني لم أحك لها عن نفسي شيئا بعد.
أظنها بالفعل مدسوسة علي من "المتكتم الكبير"، الذي يتوق أن يعرف أسباب اختفائي ويتأكد من شائعات انتقالي إلى معسكر " كبير النساخين"، وحياتي مع جماعته السرية في مخابيء أرضية حيث ننفذ مخططه في نسخ النصوص الممنوعة.
لو صح أنها مدسوسة علي، لأصبحت هذه كارثة. انتقلت إلى هذا البيت الذي لا يرى النور، بعد أشهر من العيش متخفيا، قابعا في غرف الصحاب، أو متنكرا في صور شتى، كحرباء تغير شكلها بين لحظة وأخرى اتقاء للخطر.
وبسذاجة مدهشة عرفتها على البيت، وأصبحت تتردد علي يوميا تتابع ما أكتبه وتقرأه علي لكي أحاول أن أتذوق ما أكتبه بصوتها الرخيم المؤثر المدرب.
صحيح أن لقبي القديم "المتكتم" ما زال يتبعني، كأنني اعتدت الصفة من شدة التصاقها بي لسنوات، وهو ما لاحظته رهف وأكدته مرات، بينما أحاول أن أوضح لها أنني شخصية متحفظة لا تجيد التعبير عن مشاعرها، وانني أحيانا، فقط، ياخذني الحماس، فأتخلى عن تحفظي وصمتي، لكن ذلك ليس سوى لمرات قليلة يمكنني أن أتذكرها واعدها على أصابع يدي.
لكني من جهة أخرى لا أستطيع أن أتمادى في الشك فيها لهذه الدرجة. فقد تعرفت عليها في جلسة سرية من تلك الجلسات التي نعقدها في أنفاق المترو بعد مواعيد تعطله، ومن خلال الأنفاق التي باشر حفرها "النساخ" بنفسه.

2 comments:

نيفرتيتي said...

"لسنوات كان لدي حلم يقظة واحد"

هذا نفس حلمي لسنوات إلا ان رواد الشارع كلهم اعرفهم لأني اتوجس من الغرباء واعتقد انهم يعيقون حياتي

نص رائع اي رواية هذه!! اخشى ان تكون رواية حياة حقيقية وإن كانت كل الرويات هي مجموعة تفاصيل حياتية حقيقية لأشخاص جمعنا ملامحهم من تلافيف الذاكرة ..تحيتي نفرتيتي

إبراهيم فرغلي said...

نفرتيتي
شكرا جزيلا
والنص هو مدخل لرواية جديدة أكتبها الآن
نص حقيقي؟، الرواية والحياة؟، الفن والواقع؟، هذه الأسئلة كلها كانت محور روايتي أبناء الجبلاوي
شكرا لمرورك