Sunday, April 6, 2008

أرز باللبن لشخصين.." لرحاب بسام


كتابة إفتراضية حساسة تنتقل للورق!

قبل نحو ثلاثة أعوام تقريبا كتبت في هذه الصفحة (المقصود صفحة فكر وفن بصحيفة النهار اللبنانية)موضوعا موسعا عن ظاهرة المدونات
الأدبية على نحو خاص، وعن دورها في تغير مفاهيم الكتابة، أو المعايير الحداثية التي يمكن أن تتضمنها. وبعد قراءة موسعة في عدد من المدونات، ومقابلات مع كتاب من جيل التسعينات وعدد من المدونين، أجمع العديد ممن شملهم الموضوع على أن المدونات الأدبية لا تراوح موضع البوح الحميم والخاطرة الأدبية، وبدت كأنها وسائط افتراضية لتجريب الكتابة، وخوض التجربة الإبداعية، مع قراء حميمين، يمكنهم أن يوثقوا ردود أفعالهم، بالتعقيب المباشر فور نشر المدون لما يكتبه.
من بين من تضمنهم الموضوع، آنذاك، الكاتبة رحاب بسام التي أنشأت مدونة "حواديت" في عام 2004، ولاقت استحسانا ورواجا شديدين بفضل حساسية النصوص التي تكتبها. وبالرغم من أن بسام كانت، على مدى تلك الفترة، لا ترى فيما تكتبه نصوصا تستحق أن تنشر في كتاب، لكنها استجابت أخيرا لضغوط العديد من محبي كتابتها، وأصدرت كتابها الأول "أرز باللبن لشخصين" ضمن سلسلة جديدة أنشأتها "دار الشروق" المصرية لنشر الأعمال التي كتبت كمدونات، تشجيعا للكتابة الجديدة.
" أشق أطراف أصابعي شقوقا صغيرة، لعل الكلام ينسال منها ببساطة، لكن البوح يستعصي على التبسيط" . هكذا تقول رحاب بسام في واحدة من قصصها القصيرة التي تضمنها الكتاب. وهي جملة تكشف واحدة من أهم السمات التي تتميز بها كتابة بسام، وهي تلك البساطة الخادعة التي تبدو للوهلة الأولى مجرد وسيلة أدبية لكتابة اليوميات. لكن القاريء سرعان ما يكتشف أنه أمام كاتبة تعي جيدا ما تفعله، وتعرف الحد الفاصل بين الفن، وما سواه، كما تمتلك فلسفتها الخاصة عن الحياة، وعن الأدب. لكنها تجتهد أن تضع حكاياتها في عمق النسيج السردي، كأنها تدس قطعة الحلوى، وتغلفها في ورق سوليفان براق، مخفية معاناة صنع الحلوى، على يقين بأن معاناتها ومجاهدتها مع الكتابة شأن يخصها وحدها ولا يخص القاريء.
لأجل هذه الخصيصة تحشد بسام عددا من الأساليب الفنية، ومنها نبرة طفولية، تعبر بها عن حالة " البراءة" التي تميز شخصية بطلتها، التي تبدو للوهلة الأولى كأنها شخصية الكاتبة نفسها، لكنها سرعان ما تكشف عن كونها "الشخصية الفنية" للكاتبة، التي تتلون من نص لآخر حسب موضوع القصة.
كما أن "البراءة" المبثوثة في أرجاء النص، تكشف أيضا، كما هو شأن الطفولة- لمن يراقب الأطفال جيدا- إمكانات المراوغة، والتحايل، واللابراءة، والشغب، وبالأساس : اتساع الخيال والتفكير في الأمور بغير منطقها العقلاني، وهذا كله يتجلى سواء في تناول بسام لنصوص مستدعاة من جب الطفولة الممتليء بالذكريات والحواديت، والمشاعر، والاكتشافات الشعورية والوجدانية. أو في ألعاب الكتابة التي تمارسها الكاتبة، وتضع بها قارءها على أطراف المشاعر المتناقضة، من السعادة للحزن، أو من الكآبة للنشوة، أو من اليومي العادي اللامبالي إلى ذروة الخوف. وهي واحدة من سمات كتابة بسام التي تجيد نقل النص، والقاريء من حالة لأخرى، بجملة متقنة وشديدة الإحكام.
تتسم نصوص هذا الكتاب، أيضا، بالقدرة على السخرية العميقة، سواء على مستوى خلق حالة كوميديا سوداء، أو مجرد استعراض خفة ظل الراوية، التي يبدو ما تقوله عفويا بشكل يحقق حالة انفجار كوميدي في مواقف يفترض بها أن تكون درامية. ومنها مثلا حوار الراوية مع القط في قصة "مرسي اتهزم يا رجالة"، أو الحوار بين الراوية وصديقتيها بينما يؤدين واجب العزاء في قصة "طق حنك"، وفي غيرها.
صحيح أن نبرة الكتاب إجمالا تبدو أقرب لصوت يميل للهمس أكثر من الصراخ، والاهتمام بالتفاصيل اليومية الصغيرة جدا أكثر بكثير من القضايا الكبرى، لكن بسام تنجح باستخدام نفس هذه النبرة في صياغة نقد سياسي لاذع، وكأنها تلقي مزحة، بينما هي في الحقيقة، تقدم سخرية من الوضع السياسي، ومن الصحافة الرسمية، وتكشف المساحة الشاسعة التي تفصل بين هذه المنابر وبين المواطن العادي في قصة "عناوين الصحف"، أو الإشارة لشيوع الانتهازية في "كيف يبايعون الرئيس في شارعي".
سوى أن قصص هذا الكتاب في مجملها تعبر، بما لا يدع مجالا للشك، عن شريحة من مجتمع الطبقة الوسطى؛ تعيش بين ثقافتين، وتنشأ في بيت يتحيز للثقافة والفنون، وتكون ثقافتها من مناهل الثقافة الأجنبية منذ الطفولة ووصولا للحظة الراهنة. كما تعبرعن حياة هذه الشريحة في إيقاع العصر السريع، اللاهث، وامتهانها لمهن عصرية ، تكشف معاناتها التي تتخذ شكلا سيكلوجيا تتجلى في أعراض الاكتئاب والشعور بالعزلة أوالوحدة، وهي ربما نتائج صراع الأفراد الذين يمثلون هذه الطبقة الاجتماعية مع أنفسهم لاكتشاف هويتهم في عصر يمور بالتناقضات.
كما تعبر عن جيل جديد يتحدث لغة خاصة، ويرى الأشياء بشكل مختلف. ويتأمل كل ما حوله من أشياء وألوان وأحلام ويتفاعل معها بطريقته الخاصة جدا، وإن كانت تختلف كثيرا عن مجايلين للكاتبة لهم طرقهم الخاصة في التعبير أيضا، لكن ليس بالطريقة الرومانسية التي تميل إليها رحاب بسام . فأولئك هم أكثر استخداما لكلمات جريئة، ومبتذلة أحيانا، وتنتمي لرجل الشارع أكثر مما تنتمي للغة المثقفين، أو تحمل دلالات تمرد كامنة. لكنهم ، بشكل أو بآخر، يعبرون عن شريحة من المثقفين الشباب الذين يحاولون التخلص من ازدواجية الطبقى الوسطى البورجوازية على نحو ما.
وبالتالي فالنصوص التي تنتجها بسام تختلف، بطبيعة الحال، عن كتابات أولئك المدونين والكتاب؛ إذ تبدو كتابتها بالنسبة إليهم حالمة ورومانسية . نصوص تصل للبيوت بلا حاجة لرقابة من أي نوع! لكنها، أيضا كتابة، مشغولة بأسئلة عن فعل الكتابة ذاته. عن مخاوف الكاتب، بل ورعبه أحيانا من اللون الأبيض؛ لون الأوراق الشاغرة، وعن علاقة الفصحى بالعامية، وعن شكل الكلمات وعلاقتها بمعناها، وبالأساس، عن مجاهدة الكاتب مع نصه، ومحاولة خلق علاقة جديدة بين الكلمات.
أعتقد أن خروج الكتاب للنور كان ضروريا على أكثر من مستوى، وأولها انتقال النص من مكانه الافتراضي الحميم بين قراء مشجعين متحمسين، لديهم ذوقهم الخاص، إلى قراء مختلفين من المهتمين بقراءة الأدب، ومن أنصار الكتاب الورقي، ومتعة قراءته، وإلى نقاد الأدب، بما يمكن الكاتبة من مواجهة أسئلة مختلفة على مستوى مضمون النص وعالمه، وعلى مستوى الطروحات الجمالية التي يمكن أن يتضمنها، وإيجاد علاقة بين هذه النصوص وتيار الأدب المعاصر.
ولا جدال أن كتابة بسام تمثل امتدادا للنصوص المعاصرة، من حيث أنها نصوص، في أغلبها، ذاتية، مغلقة على الشخصي، وعلى التفاصيل، نافرة من الإيديولوجي، الخطابي، باحثة عن شخصيتها الفردية، وأسئلتها الجمالية.
كما أنها تنتمي لنفس النصوص المعاصرة من حيث الافتقار للخيال اللازم لخلق عوالم كبيرة- الخيال المتضمن في السرد لدى بسام أقرب لمحاكاة الخيال الطفولي- بحكم التصاقها بالذات، كما تفتقر للمغامرة الإبداعية التي عادة ما تبحث عن العميق البعيد عن المتناول، والمختلف وغير المطروق أو المسكوت عنه، كما شأن الأدب الكبير كله على مدى تاريخه.
أخيرا فإن الكتاب سيضع ظاهرة المدونات في بؤرة الضوء، وسيكشف عن إمكانية المدونات في تخليق الدعاية والتسويق من خلال جمهور المدونات الذي يتحول ليصبح جمهورا للكتاب، وهوما حدث بالفعل، إذ أن كتاب بسام مع مدونتين أخريين هما غادة عبد العال وغادة محمد قد نفذت طبعة كتبهم الأولى في غضون شهرين ، بفضل الدعاية المسبقة التي صنعتها كل منهن في مدونتها، بالشكل الذي يحقق حالة شبيهة باستراتيجية ترويج الكتاب في الغرب حيث يسوق له ناشره قبل نشره، أي أنه يبيعه قبل أن يخرج من المطبعة، وهي ظاهرة إيجابية من جهة إنعاش سوق الكتاب العربي، لكنها قد تكرس أيضا حالة سلبية يتبناها الكثير من الناشرين الآن وهي الحكم على القيمة بمنطق "الأكثر مبيعا"، ما قد يضع أسئلة الكتابة الجادة والتجريبية كلها في مأزق إشكالي، في ظل غياب النقد المفزع الذي أخلى الساحة لكل من شاء.
كتاب رحاب بسام يكشف عن ولادة كاتبة لافتة، موهوبة، قادرة على التأثير على مشاعر قراءها، كما يكشف عن ذكائها في طرح أسئلتها حول كيفية الانتقال بنصوصها إلى آفاق إبداعية أكثر رحابة، وأظنها قادرة على ذلك وزيادة.
نشرت في صحيفة النهار في مارس2008

2 comments:

Anonymous said...

أود قراءة ما كتبته في النهار عن المدونات منذ ثلاثة اعوام

ماري تريز

إبراهيم فرغلي said...

اهلا يا دكتورة
ارسلت لك المقال على الإيميل
تحياتي