Showing posts with label إيروتيكا، ثقافة الجسد. Show all posts
Showing posts with label إيروتيكا، ثقافة الجسد. Show all posts

Monday, July 16, 2012

الإيروتيكا في مجتمع يحتقر الجسد


الإيروتيكا في مجتمع يحتقر الجسد







إبراهيم فرغلي 





من بين الادعاءات النقدية التي أتابعها بفضول، مبتئسا من محاولات تمرير الأكاذيب النقدية التي تروَّج عادة في مناخ الانحطاط الثقافي والفكري، الذي ننعم به منذ سنوات، مقولتان دعائيتان هما "الانفجار الروائي" و"كتابة الجسد"، ولأن المقولة الأولى ليست موضوعا لما أهتم به هنا فسوف انتقل مباشرة للأكذوبة الثانية.

"كتابة الجسد" واحدا من المصطلحات التي شاعت مع الضجة الإعلامية التي صاحبت تناول أعمال بعض الكتاب المصطلح على تسميتهم بجيل التسعينات، والتي تم تناولها بالكثير من الدعائية ودون قراءة نقدية حقيقية. وبالرغم من أن مصطلح كهذا قد يوحي لمن يقرأه أو يسمعه أنه بصدد ظاهرة من الكتابات المحتفية ببحث تأمل علاقة الفرد المعاصر بجسده، ودلالات هذه العلاقة في علاقة الفرد بالسلطة مثلا، أو بالتعبير عن ظاهرة كتابة إيروتيكية تمثل تيارا جديدا في الكتابة بكل ما يحيل إليه ذلك من مضامين جمالية واجتماعية وأدبية، أو ربما بحث ثورة كتابية ترتأي في حرية الجسد او الثورة الجنسية ثورة موازية وتجد امتداداتها في الكتابة.

غير أنني لا أظن أن هناك تيارا أدبيا من هذا النوع، بطبيعة الحال، في الأدب المصري كله، وأظن أن المحاولات المتعسفة التي حاولت قراءة أغلب تجارب التسعينات انطلاقا من الربط المجاني بين تجارب الكتابة التسعينية التي تعبر عن آفاق ذاتية وربط الذاتية بالجسد قد اطلق هذا الكلاشيه الوهمي. بل وعلى العكس فإنني أعتقد أن كتابات جيل التسعينات في غالبيتها العظمى هي كتابات بيوريتانية أخلاقية طهرانية، تنأى عن الجسد وعن الإيروتيكي بامتياز، وباستثناء تجربة هناء عطية في مجموعتيها القصصيتين "شرفات قريبة"، و"هي وخادمتها" التي تناولت فيهما إحالات بالغة الحساسية حول الجسد الأنثوي تعبيرا عن ذاتيته، وفي بعض قصص مي التلمساني خصوصا في مجموعتها "خيانات ذهنية"، وفي جمل والتفاتات متناثرة في نصوص نورا أمين، وربما أعمال أخرى لا تمثل تيارا او ظاهرة، فإنني لا أستطيع أن أتذكر نصا مؤثرا يتناول الجسد بالشكل الذي يمكن الخروج منه بدلالات خاصة في موضوع كتابة الجسد.

لست مهتما هنا على أي حال برصد موضوع كتابة الجسد نقديا، لكنني أود التأكيد فقط على أن الجسد في مصر قد ظلم ظلما بينا في المجتمع تماما كما في الكتابة، وأن الكتابة عن الجسد ربما تحتاج إلى الكثير من الدرس والتأمل وهو ما اشعر به من خلال العديد من التداعيات التي كانت ولا تزال تناوشني خلال مرحلة أوشكت فيها من الانتهاء من مجموعة قصص إيروتيكية تحاول أن تحتفي بالجسد بوضعه في اختبارات وجودية مختلفة.

حين قفز الجندي الملتاث في الهواء ليسقط بحذائه العسكري مرتطما بجسد الفتاة، مثنى وثلاث ورباع، التي نعرفها اليوم باسم "ست الكل" والتي عرت ذكورية المؤسسة العسكرية والمجتمع المصري كله، ونعم "كلّه" مع سبق الإصرار، كاد قلبي أن يتوقف من فرط العنف الذي كان الجندي الملتاث؛ غِلّاً ومقتا وعنفا، يوجهه للجسد الأنثوي المتكوم على الأرض بلا حول أو قوة ليتلقى طعنات الركلات المذعورة باستسلام.



وسوف ستظل هذه اللقطة نموذجا للعار الذي كلل مؤسسة السلطة العسكرية الحاكمة في مصر في المرحلة الانتقالية خلال الثورة، وللأبد، لكنها ستكون في الوقت نفسه أيقونة من أيقونات الحماس الآني والمستقبلي لاستعادة إنسانية هذا المجتمع التي أهدرت بجهد منظم على مدى عقود.
هذه اللقطة تعبر، في الوقت ذاته وبامتياز، عن مدى احتقار المجتمع المصري كله للجسد البشري، وتتضافر مع مجموعة أخرى من الصور التي لا تبدأ عند الجندي التافه الذي تفاخر بالتبول على المتظاهرين، ولا تنتهي عند ظواهر المخصيين معنويا ممن تحرشوا بالمتظاهرات في أكثر من مرة خلال العديد من الاعتصامات والتظاهرات، خصوصا تلك المعنية بالتعبير عن رفض النساء في مصر لظاهرة التحرش الجنسي.

في عام 1919 خرجت المصريات الثائرات مع إخوانهم من الشباب والرجال مطالبات بعودة الزعيم المنفي سعد زغلول، ممسكات بعلم مصر، وصارخات بشعارات الحرية والثورة ضد المستعمر، أغلبهن ارتدين الزي التقليدي، الشائع آنذاك، ممثلا في العباءات والبراقع، وكثيرات منهن كن سافرات خصوصا طالبات المدراس .هؤلاء الثائرات واجهن بنادق العسكر ببسالة، ولم يخمد ذلك من حماسهن للثورة، بل تقدمن في المواجهة وتعرضن للإصابات، واستشهدت منهن الكثيرات، لكننا لم نسمع او نقرأ عن تحرش الثوار بهن من جهة، ولا تعرضهن للتحرش من قبل جنود الاحتلال او سواهم.
وفي عام 2012، اي بعد ما يناهز القرن، وبعد أن اصبحت أزياء الرجال والسيدات متماثلة (البنطلون والقميص او التي شيرت) تعبيرا عن رفض المجتمع للتمييز بين الجنسين، تُفاجئنا ظاهرة التحرش الجنسي الممنهج والمنظم من قبل البلطجية والمندسين تجاه حرائر مصر وسيداتها، والذي يباركه فصيل من تيارات الإسلام السياسي مثل الإخوان المسلمين وسواهم من خلال تساؤلهم عن اسباب نزول السيدات للتظاهر بدلا من الإدانة غير المشروطة للتحرش بوصفه امتهان لبنات مصر وسيداتها وامتهان لكرامة المصريين جميعا، تعبيرا عن المنهج الذكوري الذي لا يزال يحكم الذهنية السلطوية والشعبوية في مصر على السواء.

في تأمل الصورتين يمكن أن نرى كيف تحول المجتمع من مجتمع متصالح مع ذاته، متقبل لوجود المرأة بين صفوف المواطنين، في ثورته على المستعمر، رغم أن نزول المرأة للشارع أصلا في ذلك الوقت، ولدى العديد من الفئات يعد ضربا من الخيال، إلى مجتمع مريض باحتقار الذات، يوجه احتقاره لذاته في انتهاك السيدات، وفي محاولة تحويل القهر الواقع عليه إلى جسد المرأة، كأنه يحاول نقل القهر من مستواه الذي يخص العنصر البشري بكل طوائفه إلى حلقة الجنس، بإسقاط ما يتعرض له من انتهاك إلى الجسد الأنثوي.

في مجموعته القصصية البديعة "الموت يضحك" يرسم المبدع محمد المخزنجي صورة إنسانية بالغة الحساسية لتصوير هذا التناقض في كراهية الجسد في قصة "أمام بوابات القمح" حين ينشغل الراوي وعدد من الفتيان بالفتاة "زمزم" التي تسقي العمال، وتداعب خيال الفتيان بجمالها، وتشغلهم بكونها الفتاة التي تقبل على العمال العطشى ولا تلتفت إليهم فيقررون من فرط انشغالهم بها وحسرتهم ويأسهم في الوقت نفسه من تمنعها عليهم ان يقتلوها، وهكذا يتربصون بها وهم ممسكين بسكاكينهم ويتأهبون بعنف أجسادهم، لكنهم يباغتون في ذروة انفعالهم الهمجي والعنيف عند أولى احتكاكاتهم بالجسد الغض الفتي، بالتشوش وتباين مشاعرهم وانقلابها ، بين لحظة واخرى، إلى حال من النشوة والهيام فترتخي قبضاتهم على السكاكين، وتتقلب ارواحهم من ذروة الكراهية إلى النقيض.
وحين أتأمل هذا التناقض من جهة، وطابع العدوانية الذي يمثل ظاهرة التحرش لا يمكنني ان أرى فيها سوى حلقة من حلقات العدوانية التي يوجهها الفرد لذاته، عبر ترسيخ لثقافة احتقار الجسد، وكراهيته، كتعبير لاواعي عن احتقار الذات.



اذا استثنينا الجيل الجديد من الشباب والفتيات ممن يظهرون لونا من ألوان الاهتمام بالجسد على مستوى الحفاظ على الرشاقة والرياضة، والعناية بالزينة، وهم استثناء بين الثمانين مليونا، فإن الصورة العامة للجسد المصري هي صورة لمجتمع يمتلك أجسادا مترهلة ممتلئة بالشحوم وبالتثنيات والتغنضنات التي تتسبب فيها عادات التغذية السيئة، إما بسبب الفقر أو الجهل أو كلاهما معا.
أجساد مرتخية، كأنها تعبر عن حال من الاستسلام التام لمصيرها، وللسلطة التي تمارس عليها أبشع ألوان القهر والتجويع والتغييب العقلي، ورفض كامل لأي محاولة لنقد الذات، أو تأملها حتى في المرايا،  وتماه مع الصورة العامة التي يشكلها هذا الجسد المريض المبتلى بأمراض مزمنة عدة، من السكر وضغط الدم إلى التهاب الكبد وامراض القلب.

أجساد تعبر عن أزمة حقيقية لمجتمع يتخلى عن أي مسؤلية تجاه جسده بوصفه وعاء الروح ومستودع النفس، ولا يرى نفسه في الصور التي تقدمها الشاشات لنجمات السينما ونجومها رموز الرشاقة والعناية بالبدن، فمقابل أحمد السقا ومصطفى شعبان وأحمد عز، مثلا، كنماذج لنجوم الرشاقة والصحة والأجساد المعتنى بها، هناك أيضا صلاح عبدالله وأحمد رزق مثلا، وهما نجمان لا شك أن الكثير من المصريين يرون فيهما تجسيدا لهم على المستوى الجسدي. وبالتالي فلا يؤرقهم كثيرا أن يروا صور النجوم المثاليين.

ففي المظهر الرياضي الرشيق للأنثى أو الرجل تأكيد على ارداة الذات، وعلى الفعل، وعلى ضبط الجسد، والسيطرة عليه، وبالتالي السيطرة على الذات في مواجهتها وفي مواجهة المجتمع والسلطة، بينما ما يميل إليه الفرد هو النقيض: اللاإرادة، الاستسلام للقدر والمصير، شكلا ومضمونا.
ومع انتشار ظاهرة التحجب الشكلي التي لا ترتبط بأية مظاهر للتدين، يبدو أن المجتمع المصري قرر أن يعبر عن كراهيته لجسده بطمس هذا الجسد وإخفاء ملامحه وتشوهاته  عبر الحجاب والنقاب والاسدال وسوى ذلك من مظاهر الحجب الجسدي، وبهذا يمكنه أن يمتنع نهائيا عن نقد ذاته أمام جسد مخفي بلا وجود.
في الفترة التي سبقت سقوط مبارك حين كنا جميعا، من يقف في الميدان وخارجه، ننتظر بفارغ الصبر لحظة السقوط التي كانت رغم اليقين في اقترابها بعيدة ونائية، كتبت أنه "كما تكونوا يولى عليكم"، محاولا ان اطرق الرؤوس والعقول وأقول لا تسقطوا الخطايا كلها على الرجل الآثم وهو آثم فعلا، وتأملوا خطاياكم في الوقت نفسه، وجاءني تعليق من صديقة ثورية شعبوية قدمت لي عبره نقدا يقول بأننا لا يمكن أن نكون بهذه البشاعة.

هالتني الصورة التي تتخيلها أو تتوهمها فتاة من فئة تعبر عن المعارضة وتمثل صوتا ثوريا بامتياز، إذ تحاول أن ترسم لنفسها ولجموع الشعب المصري صورة مثالية مزيفة عن ذاتها وعن هذا الشعب الذي يتجلى اليوم مدى التفاوتات الكبيرة في وعيه وإدراكه وانتماءاته وفي سلبياته أيضا، وبينها حال المازوخية التي تقبل بعودة رمز من رموز النظام المخلوع بدعوى رفضها للإسلاميين أو بدعوى الاستقرار وما شابه. بل وتتجلى سلبيات ثواره أنفسهم، بل ومثقفيه، في تشرذهم واختلافاتهم التي لا تنتهي، وتجعل من ائتلاف شباب الثورة فروعا يعبر كل منها عن قرار فردي لا يلتزم به الآخرون!
هل نحن بهذه البشاعة؟ الحقيقة أننا لا نتأمل ذواتنا فعلا لكي نجيب على السؤال، أو حتى لندرك أننا حين نردد مثل هذه المقولة نتماهى مع خطاب السلطة الفاسدة الذي يردد كلاشيهات عن الريادة وعن الإصلاح ليزيف  لنفسه أوهامه التي يغذي بها مبررات استمراره في التحكم في مقادير العباد، ويزيف لأتباعه صورا ساذجة يحاول بها أن يخفي الصورة الحقيقية،  حقيقة أنه قاد المجتمع المصري بامتياز إلى هاوية الرجعية والتخلف.

حين عرّت فتاة شابة نفسها ونشرت صورتها العارية على مدونتها قامت قائمة الجميع، أدانت الفتاة وجردتها من قوائم الحشمة التي يدعي المجتمع المصري ملكيتها بامتياز، مستعميا نفسه عن تناقضاته الفاحشة والفاجرة في كثير من الأحيان، كما نزعت اسمها من قوائم التدين والأخلاق الرفيعة التي يزعم المجتمع امتلاكها ايضا بامتياز. ونزعوا اسمها من قوائم الثورة إذ ألقى بها الثوار خارج الميدان ! بل حتى المثقفين أصابتهم صدمة، ولم يعرفوا كيف يتعاملون مع الموقف. هل يضعون الفتاة في منطقة الإدانة، أم يضعون، هم بأنفسهم،  سقفا أوحدودا لحريتها، ليباغتوا بوجودهم في نفس الخندق الذي يقف فيه من يضعون الحدود لنا كل يوم لكي نرى أو لا نرى أو نقرأ أو لا نقرأ ما يتصورون انه الواجب والحق ونقيضه الحرام والضلال.

وهكذا يدور المجتمع في دائرة مرضه المزمنة، البحث الدؤوب عن مكامن ضعف الآخرين وسلبياتهم وانتقادها بعنف يلوذ به الفرد فرارا من انتقاده لذاته، أو توهم المثالية فطالما يشير إلى سلبيات الآخرين فهو ضمنيا يقول بأنه لا يمتلك مثل تلك السلبيات وانه ينتمي إلى فريق المتطهرين وأهل الصواب.
في مجتمع كهذا يكون من الطبيعي جدا خلو قاعات الفنون ومتاحف الدولة من الفن العاري، كما يكون طبيعيا أن تكون المؤسسة المسؤلة عن تخريج الفنانين الأكادميين تفتقد رسميا لمنهج رسم الموديل العاري الذي يعد اساسا من اسس التدريب على التشريح كجزء تقليدي في كل مدارس ومناهج الفن التشكيلي في العالم. كما يكون بديهيا أن يتنصل حتى كبار الفنانين من أعمالهم العارية إن وجدت، كما فعل مثلا فنان كبير بقامة الفنان الراحل بيكار، والذي اشتهر في مرحلة من حياته، مثل أغلب فناني جيله بلوحات عارية، تنصل منها في حوار أجريته معه بمناسبة تحقيق اجريته عن منع الموديل العاري في كلية الفنون قبل سنوات من رحيله.

وبالتالي أيضا ليست لدينا دراسات محترمة تتتبع جماليات الجسد المصري والعربي إجمالا، وتتلمس طبيعة التغيرات التي طرأت على مقاييس ذلك الجسد جماليا وبحث طبيعة التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي أثرت على الفرد حتى يمر بهذه التحولات الجسدية.
وحتى حين أصدرت الشاعرة اللبنانية جمانة حداد مجلة "جسد" كأول مجلة من نوعها تحتفي بالجسد وثقافته، لم تجد سوى الثقافة الغربية لتنتهل منها، فبدت المجلة في أعدادها الأولى وكأنها تعبر عن جسد آخر، جسد متحرر غير معوق بالممنوع والتابوهات ما جعل السؤال ملحا :"أي جسد هذا الذي تعبر عنه المجلة؟" وأين هذا الجسد الحر الجميل المتعالي عن التابوهات من الجسد المراق دمه، والمنكل به والمنتهك في اقسام الشرطة والسجون؟ والمذبوح غيلا وغدرا من أجهزة المخابرات والأمن السرية في ارجاء الوطن العربي، والمقموع من الحركات التطهرية التي تمارس السلطة الدينية على البشر باسم الآلهة؟ وأين هذا الجسد المتنعم من أجساد منعتها انعدام الحقوق الأساسية مثل توافر المياه والفقر من النظافة حتى ولن اقول من وسائل التزين والتجميل؟
في النهاية جمانة تعبر عن جزء من ثقافة المجتمع اللبناني، أما مصر التي اهتم برصد الظاهرة فيها هنا الآن وهنا فليس بها حتى "جسد" ولا يحزنون.
على تويتر تقول فتاة امريكية من بين آلاف الحسابات التي أتابعها على الشبكة الاجتماعية الشهيرة، أنها تمارس الرياضة ليس من أجل الصحة، بل من أجل أن تشعر بأنها مثيرة حين تقف عارية أمام المرايا. الفتاة تقول ذلك وهي تمتلك حسابا باسمها الحقيقي، وهذه الجملة على بساطتها تتحمل بدلالات تشير إلى  شفافية المجتمع الذي تنتمي إليه، وعن قدرة هذا المجتمع ورغبته في تحمل مسؤلية الفرد فيه تجاه نفسه اولا وإزاء مجتمعه أيضا، فما الداعي لاختيار القبح الجسدي ودعمه باسم الدين والحشمة وتجاهله بالهروب من المرايا إلى عتمة الحجب والستائر؟
في المقابل طبعا ليس من المتصور إمكانية أن نرى نرى فتاة عربية تفعل ذلك إلا فيما ندر، وإن فعلت فباسم وشخصية وهميتين، وهنا سوف تنتقل من مجرد مكاشفة الذات إلى نوع من الهيستريا في التعبير عن الشهوات والتعبيرات الماجنة، ولا يمكنها ربما حتى أن تتعرض للانتقاد، طالما أنها تخفي هويتها، وإن فعلت فسوف  يكون مصيرها مثل مصير علياء المهدي في أفضل الأحوال.
في مجتمع كهذا لا يبالي بالقبح بل ويتستر عليه لن يكون من المفاجيء ان نرى اعتياده على القبح في كل شيء، في الطرقات وفي الأبنية التي اسودت من فرط ما اغتبرت، وفي الوجوه التي لا تقرب الماء إلا لماما، وفي أكوام الزبالة التي لا تلفت انتباه أحد ولا تحرك ضميره، وكما أن الجسد وعاء الروح فإن الواقع المادي القبيح الذي نعيش فيه هو وعاء أجسادنا ومسلكنا.
إن مجتمعا يفوح فيه القبح على هذا النحو هو مجتمع غابت منه المرايا بامتياز، بينما تكسر وتشرخ ما وجد منها عن عمد، ولا سبيل لإحياء جماله إلا باستعادة كل فرد فيه لقدراته على نقد ذاته، وتقبل جسده كإناء لروحه، واستعادة الروح الفردية التي ترى في جسدها جزءا من إرادتها الحرة، وفي استعادة ثقافتنا لتراثها الخصب في رعاية الجسد والوعي بمركزيته في مواجهة العالم وفهمه، هذا التراث الذي فصل كل جزء من أجزاء الجسد في بيان جماليات جسد المرأة والرجل، وأخيرا وليس آخرا لا سبيل لإحياء جمالالمجتمع وأفراده سوى في توازي ثورة فنية وأدبية، مع الثورة الشعبية التي أعادت لنا الروح، لكي تعيد للجسد العربي مكانته التي امتهنت لعقود.


 نشرت في اخبار الأدب في يونية 2012











Monday, February 6, 2012

الغابة السوداء



الغابة السوداء

     إلى وديع سعادة..








أعرف أن هذه الغابة ليست موحشة..بالرغم من اني لم ازرها من قبل سوى مرة وحيدة. ولو كان معي أحد لظن بي الجنون. ربما أنا كذلك نوعا ما. وإلا فما معنى أن أقطع كل هذه المسافات التي تتجاوز آلاف الأميال كي أصل إلى غابة نائية، تعلوها أطلال قلعة صغيرة مهدمة، ممسكا بلحاء شجرة مررت بها قبل نحو عشر سنوات واخذتها تذكارا من المكان. ماذا أريد من الشجرة؟
سألت نفسي بينما أسير ممسكا بقطعة الخشب الصغيرة في يدي أتلفح بوشاح برتقالي على المعطف الرمادي وبنطلوني الجينز؟ وقادني السؤال إلى إجابة مباغتة وهي: ماذا تريد مني هذه الشجرة؟
لكن أي شجرة؟ أمامي سلاسل من الأشجار تختلط أوراقها وفروعها بحيث تشكل سقفا طبيعيا عاليا لا نهائيا من الأخضر القاتم الجميل. تتخلله اصوات حفيف أوراق الشجر بكائنات وطيور لا ترى، وزقزقات وتغريدات لا أعرف لها مصدرا.
الأرض الرطبة التي تختلط تربتها البنية الرطبة القاتمة بأوراق أشجار متناثرة في كل مكان تبدو كمدق ثعباني يتسع لنحو أربعة اشخاص متجاورين ترسم لي الطريق الذي ينبغي لي أن أسير فيه.
يصعد المدق حتى ربوة عالية يمكن منها النظر إلى الأسفل:  مدينة ريفية صغيرة، هادئة لا تسير فيها سيارات. فقط تتراص فيها مجموعة من المساكن الريفية البيضاء الأنيقة التي تعتمر كل منها قبعة مخروطية قرميدية وتحاط بمساحات شاسعة من سهول خضراء تمنح المكان ألقا مبهرا، وجمالا يبهر الأنفاس.
توقفت أتلفت حولي، أستدعي بذاكرتي المشوشة المنهكة ذكريات رحلتي الأولى هنا إلى هذا المكان، في نهار ساطع وبارد في الوقت نفسه، متسكعا مع صديق من أهل المدينة نتحدث لغة وسيطة عن الشعر والأدب. تساورني حياله شكوك بأنه هومو، بينما لا تصدر منه أية سلوكيات تشي بذلك. كانت شكوكي بلا إجابات، لكن لها شواهد. فهو الوحيد الذي التقيته هنا ولم يصطحب صديقته في اي مكان، وهو ليس متزوجا، ولم يحدثني عن أي امرأة بشكل يشي بإعجابه بالنساء، ثم أنه يثقب أذنا من أذنيه بقرط فضي صغير تتلألأ منه ماسة تكاد لا ترى من فرط دقة حجمها.
المشكلة الوحيدة التي كانت تلح عليَّ باستمرار أنني كنت أشعر أنه يكن لي نوعا من الضغينة، تكاد لا ترى مثل قرطه الماسي، لكنها تهب على روحي وأشعر برياحها الغادرة، ولا أعرف لها سببا. نعم كانت ضغينته تجاهي بلا شواهد، فهو يبتسم لي باستمرار، ويبدو دمثا، يحرص على إظهار جانبا روحانيا كاثوليكيا تقليديا غريبا في دولة علمانية كهذه التي نمرح بين أحد مروجها، حريص على تأكيد جذور إسبانية في سلالته ليبرر بها مسلكه العاطفي تجاه العالم، وكنت بدوري أتعامل معه بدماثة، لكن إحساسا غامضا كان يدفعني للتعامل معه بتحفظ في الوقت ذاته، وربما يكون ذلك مصدر قلقه مني. أما تحفظي تجاهه فربما كان مصدره هذا الحس الاستعراضي الأنوي الذي يصدر عنه، يتحدث كثيرا عن ذاته، عن محادثات جرت بينه وبين كتاب آخرين وكان يقول لهم أن نوبل في الشعر عندما تأتي لبلاده سيكون هو صاحبها..يا ربي؟ اي تفاهة هذه التي يتقولها؟ في بيته الريفي المكون من طابقين يريني غرفة المكتبة الممتلأة بالكتب ثم يقول بفخر أنه قرأها كلها وليست للاستعراض، واضحك دون أن أقول له السبب فقد كان تعليقه الاستعراضي الفج يظهره لي كرجل أنهى مشروع القراءة ولم يعد لديه ما يقرأه. أي تفاهة.
يتحرك بين هذه المدينة والمدينة المجاورة قاطعا نحو مائة كيلو مترا أو أقل، بسيارة عصرية حديثة، يوميا، لأجل ورشة ادبية يقيمها هناك. وقبلها يتردد بين هذه البلد والبلد المجاورة من أجل امسيات شعرية، وبعدها سيسافر إلى بلدة أوربية أخرى لأجل منحة كتابة يقضيها هناك ليكتب أشعاره العبقرية التي سيحصل بها على نوبل.
بالتأكيد كان اصطحابه لي مشوشا لي بحيث انني الآن في هذا المكان أكاد لا اذكر شيئا رأيته من قبل. قلت ربما هي حيلة من ذاكرتي تعبر بها عن ارتداد بغضه الدفين لي، بمحاولة نسيان ما يجمعني به. ربما.
اشعر الآن أنني بالفعل كنت دمثا بما يفوق الاحتمال، فمثله كان يستحق ردودا لاذعة على سخافاته المغرورة. صفعات كلامية معنوية، سبّه ربما، أو حتى سؤاله بشكل مباشر: عزيزي ..لدي سؤال أود أن أسالك إياه منذ فترة: هل انت شاذ جنسيا؟
الحقيقة أنني اليوم أرى أن دماثتي لم تكن موجهة له هو بشخصه بقدر ما كنت أوجهها إلى الثقافة التي يمثلها هذا الشاعر كلها، كنت جياش المشاعر وعاطفيا تجاه كل شيء، رغم التجهم والتحفظ والبرود الذي كان يصفعني باستمرار، باستثناء الدائرة الصغيرة التي تعرفت إليها عن قرب. نعم كنت أبتسم لثقافة باردة، وجاهلة في الحقيقة بكل ما لا تعرفه، ولا تبدو راغبة في المعرفة. كانت تستحق أن أبتسم بسخرية لها معلنا جهلها الصفيق. الجهل بي وبالثقافة التي أنتمي إليها، والإصرار على الجهل، والخوف من المختلف والغريب، والصمت المريب تجاه هذا الغريب، ثمة شيء كاذب، هؤلاء ليسوا أحفاد عباقرة الفلاسفة والكتاب بالتأكيد، ثمة شيء خطأ لا أكاد أفهمه.
آنذاك لم اكن ما أنا عليه اليوم. كنت كاتبا مغمورا يتلمس الطريق بحثا عن كتابة فارقة ومختلفة بأدوات لم تكتمل. خجولا. ومهذبا. أحسن والداه تربيته بشكل مثالي، هذه المثالية تجعلني اليوم اشعر بالغضب. كوني أصبحت صعلوكا، مغامرا، يتنقل بين المقاهي نهارا، بينما يلقي بنفسه بين الحانات، ويرتمي بين أحضان الساقطات ليلا وحتى الصباح. يستغني عن العالم، مستوحدا بذاته، يواجه البشر بما فيهم من أمراض، بشراسة وفظاظة وقسوة. ويقسو على من يعانده فيصب جام غضبه عليهم. ويمتلك الترف باتخاذ قرار العودة إلى هذا المكان فجأة لمجرد انه وجد في جيب داخلي لجاكيت قديم قطعة من لحاء شجرة تعيش هنا.
انتبهت في هذه اللحظة أن السبب في عدم تعرفي إلى المكان هو انني لم اعد نفس الشخص، بالتاكيد أنا الآن شخص آخر. عشر سنوات هل تكفي لتغيير شخص؟ لا أعرف. صحيح انني كنت نحيفا، وربما يقل وزني بنحو ثلاثين كيلو مما أنا عليه اليوم، نظري اصبح ضعيفا تماما بدون النظارة، الهث من أقل مجهود. وسقط الكثير من شعر رأسي. اصبت بالضغط وبعض المتاعب ..إييييييه! توقف.
هل ترى حقا في هذا أي تغيير؟  لا زلت أدخن واتجرع القهوة بلا رادع، متكأ على حبات الضغط الصباحية وحبة الدهون الثلاثية الليلية. لكنك تعرف أنك تغيرت على نحو أو آخر..نظرتك لبعض الأمور، عصبيتك، إحساسك بضيق الوقت، وربما أشياء اخرى.
شعرت بالإرهاق فجأة. كان الوقت يتجاوز الظهيرة الآن، وفي الهواء لمسة برودة منعشة. جلست على الأرض الترابية فوق الربوة، التي تبدو كسفح جبل يمتد إلى المدينة في الأسفل. أخرجت سجائري واشعلت سيجارة وكتمت دخان النفس الول في صدري منتشيا.
سمعت صوت صداح جميل فالتفت حولي أبحث عن الطائر الذي يطلق هذا اللحن الفطري الفاتن، والى يساري، على مرمى البصر تكشفت لي، ملامح غائمة من بين تلافيف الأشجار ظلال أطلال القلعة فابتسمت. هذا هو ما أبحث عنه. علي أن اذهب إلى القلعة ومن هناك ربما تهديني ذاكرتي الضالة إلى شواهد ما، أو أثر أو علامة، تمكنني من الوصول إلى تلك الشجرة.
أبتسم لنفسي وتتحول ابتسامتي لضحكة صفيقة وساخرة أرددها بيني وبين نفسي كلما ضبطتها في موقف يعبر عن جنوني أو غرابة أطواري. أي شجرة أيها التافه التي أتيت لتبحث عنها هنا في هذا البرد القارس؟
ثم ضحكت مرة اخرى وأنا أناجي نفسي: ارأيت؟ قلت البرد القارس وليس الصقيع. كأن الأمر أصبح مقبولا ومعقولا في حال البرد القارس عنه في حال الصقيع!. وقبل أن يمتد حديثي مع نفسي، الذي كان من الممكن أن يطول كثيرا لو استسلمت لتداعياتي، حسمت أمري وقررت النهوض باتجاه القلعة.
عدت بظهري للخلف لكي أقف. تذكرت للحظة في الزمن الغابر إمكانية نهوضي من الأرض من دون أن أستند على كفي معتمدا على ساقي فقط، مطمئنا لنحافتي المبالغ فيها. أما الآن فقد بدا لي الأمر مستحيلا. عدت بظهري إلى الخلف، لكني بدلا من محاولة النهوض، ألقيت بظهري مستلقيا على الأرض لأجد صفحة السماء الساطعة بلون سماوي صاف جميل، استعدت ليال قضيتها في الليل أتطلع الى النجوم لساعات بلا كلل. اتأملها وأبحث فيها عن إجابات لأسئلة لا إجابة لها، عصية، لكنها كافية لإطلاق خيالي الجامح بكل الإجابات التي لا تقال جهرا. ولاختلاق قصص عن كائنات اخرى تعيش بعيدا في الفضاء وبعضها يتكيء على ظهره يرقبني بدوره من على البعد.
تمنيت أن يكون الوقت ليلا لأستعيد تلك الحالات النوستالجية، وحدي في هذه الغابة، اتأمل العالم النائي الذي يبدو الوصول إليه مستحيلا، مختبئا خلف نجمة تلتمع أكثر من سواها كأنها تغمز لي بالطريقة التي تعرفها. نعم تمنيت أن أستعيد دأبي القديم في الإنصات إلى روح العالم الحقيقي البعيد، ولوهلة مر بذهني خاطر أن تشاركني فتاة ما هذا الشعور..أن تستلقي بجواري أشعر بكتفها ملتصقا بكتفي. لكنني سرعان ما طردت الفكرة، فالإنصات لروح العالم فكرة فردية بامتياز.
نهضت متجها صوب القلعة، مصحوبا بظلي الذي يمتلك حق انتهاك وحدتي،  وبالزقزقات والتغريدات، وحفيف أوراق الشجر، وصوت وقع خطواتي التي تخشخش أحيانا وتختفي أحيانا أخرى بحيث ابدو مثلي مثل أي شبح أخطو بلا صوت. ولكني هدأت من سرعة خطواتي عندما لاح لي الجدار البني القاتم المكون من حجيرات صغيرة متماثلة عتيقة، الذي لم يعد باقيا منه سوى ثلاثة أسوار يتوسطه برج مهجور مبني بنفس الحجارة.
توقفت لأنني لم اعد متأكدا مما أسمعه. صوت همهمات بشرية غائمة كانت كفيلة بأن توقع الهلع في قلبي، وتستعيد تراثا كاملا من الخرافات التي امتلأت به أذهاننا في الطفولة وبنت لها أعشاشا في اركان عقولنا ووعينا عن الأشباح والعفاريت، والموتى العائدين من القبور أحياء. لكني تماسكت.
أصخت السمع محاولا كتم أنفاسي اللاهثة، فبدت لي الأصوات كأنها تخص فتاة لكني لم ادرك ما إذا كانت تبكي، أم تهمهم لنفسها بشيء ما. ووقعت على رأسي بلطة شقت مشاعري إلى شقين سرعان ما كنت أحاول أن أستردهما لأستعيد السيطرة على ذاتي. فضول قاتل لمعرفة ما يحدث خلف الجدار وتكشف أصل الكائن المختفي خلفه، ورغبة عميقة في الركض بأقصى سرعة إلى خارج هذه الغابة ودون إبطاء.
وسمعت هتافا داخليا: هل عرفت الآن لماذا استدعتك الشجرة؟ فابتسمت، لكني لم أطمئن لأي شيء. بدت العبارة مجرد قول مواز للمفاجأة التي أعاينها الآن وهنا. لكني تخيلت للحظة وجودي في غرفة الفندق مضطجعا على الفراش البسيط الأنيق أؤنب نفسي على هروب افتراضي من الغابة من دون معرفة سر ما يحدث خلف جدار القلعة. تمثلت الشعور الرهيب بالانحطاط والدونية الذي يمكن أن يساورني في لحظة كتلك فارتعشت روحي كأنني كنت مغيبا عاد إلى الحياة فجأة.
وهكذا وبلا تردد، توجهت بثبات صوب الجزء المحطم من الجدار العابر لزمن آخر موغل في القدم، والذي يبدو كبوابة وحيدة للدخول إلى حرم القلعة. اختبأت خلف الجدار مانحا نفسي الفرصة لكي اطل برأسي فقط لأتكشف ما يجري.
وفور أن مددت رأسي التقت عيناي بعينين كانتا تحدقان في عيني بثبات. عينين زرقاوين ناعستين شهوانيتين، جميلتين. كانت صاحبتهما فتاة عشرينية جميلة، عارية تماما، تتالق بشرتها بلون خلاسي مصطنع لكنه جذاب يضفي على جسدها المزيد من الإحساس بالشهوانية. شعرها الأشقر يبدو مصطبغا بلون كستنائي جميل وينسدل حول وجهها. لكنها لم تكن وحدها كما تمنيت، بل تعتلي رجلا لا يظهر منه سوى ساقين نحيلتين ممدتين في اتجاهي، توليه ظهرها بينما تصعد وتهبط كاشفة عن جسد بض ونهدين لدنين يتراقصان سقوطا وارتفاعا مع حركتها، وبطن أهيف يكشف خصرها الدقيق. كانت تنظر باتجاهي، لكن لم يرف لها جفن، كأنها كانت تنتظر ظهوري،  نظراتها شهوانية، بقدر ما تبدو زائغة تعبر عن لذتها المشتبكة بما يشبه ألم مازوخي، فقد تألقت العينان بألق ازداد منذ التقت عينانا.
أخفيت دهشتي ولكني تراجعت مبهورا بالمشهد. أسندت ظهري على الجدار..تردد صراخها الشهواني الآن بشكل اكثر حدة وبنبرة أنثوية فارهة، لا تقل باي حال عن صوت صرخة شبقة لأيقونة السينما الإيطالية مونيكا بيلوتشي.
ابتسمت كأنه الفعل الوحيد الذي يمكنني فعله، وتأكيدا على انه باستثناء الابتسامة البلهاء يمكنني ان افعل شيئا آخر أشعلت سيجارة، بينما توالى صوتها الذي ارتفع بقوة مبالغ فيها. أدركت في صوتها دعوة لحوح لكي أعود لمراقبتها. ادركت أن وجودي قد اثار فانتازيا الاستعراض لديها وهو ما أشعل شبقها، فاستعدت هدوئي وعدت الى المكان. وفور أن دخلت في هذه المرة وجدتها، لا تزال في نفس الوضع، تسند بإحدى ذراعيها على ساق صديقها، فيما تشير لي بالأخرى أن أقترب، من دون أن تتوقف عما تفعله.  
وقبل أن أفعل أي شيء وجدتها تصرخ بشدة ثم تميل لتنام بظهرها على بطن صديقها وتموء كقطة، وبدا جليا أنها بلغت ذروة شهوتها.
استمتعت باللقطة، واعتبرت نفسي شاهدا للحظة حب حميمة بين رجل وامرأة لا أعرف عنهما أي شيء سوى أنهما تركا العالم للناس وجاءا، مثلي، إلى هذه البقعة النائية ليمارسا الحب. لكن شعورا غريبا ساورني في تلك  اللحظة بأنني جزء من المشهد، ولكني منفصل عنه في نفس الوقت. كأني الآن أجلس في صندوق زجاجي شفاف أرى العالم وأتمثله لكن على مسافة ما. وبرقت في ذهني صورة سرعان ما تحولت إلى صوت..جملة شعرية أحفظها عن ظهر قلب لشاعر جميل..ماذا يقول؟

يتدفَّق بعيدًا
ناظرًا صوب حياته مثل حريق
شبَّ فجأةً في نزهة،
وينحدر ظلُّه
يوقظ بضعَ نسائم على التلَّة
وينحدر
في قرية مجهولة
قرية مجهولة تمامًا
لا يشعر بها سكَّانها حتى باللمس.




Tuesday, January 24, 2012

بيتي بيدج: نملة الذات وكهرباء الجسد الزائدة



بيتي بيدج..نملة الذات وكهرباء الجسد
يوسف ليمود


ماذا بحق المسيح تريدون من حياة غبرت؟ وما كل هذا الصخب الذي ما تفتأون تقلّبونه كما يقلب فلاح في أرض بور! ألم أقل إنني لم أحاول أبدا أن أجعل من حياتي فرقعة أو أكون رائدة أو أحاول تغيير العالم أو أبدو سابقة على زمني؟ أبدا لم أنظر إلى نفسي كمحررة، ولا أعتقد أني فعلت شيئا يستحق هذا النبش والصخب. أردت أن أكون “أنا”، فقط. ولم أعرف طريقا آخر لأكون. وما العجيب في أن فتاة إغراء أدارت ظهرها لحياتها وبحثت عن الخلاص! خلاص من ذنوب لم تقترفها أصلا. أعرف أننا جميعا مذنبون ولو لم نعِ ما اقترفناه، رغم ذلك أتساءل: ما ذنب طفلة ولدت لأم غير راغبة في وجودها، وأبٍ قاسٍ سيء المعاملة يأتي للعالم بأطفال، فقط لأن الناس تتناسل؟ الرجال يجب أن يثبتوا أن لديهم شيئا غليظا تحت بطونهم يغزون به الأبد ببصقة. دودة يسكّنون بها خوفهم من الموت. وبعد أن يتورطوا في حماقتهم في تمثيلية التكرار هذه، يبدأون في عقاب أنفسهم بشكل معكوس: أنت بنت؟ صورة مصغرة من العاهرة أمك! خذي على دماغك إذن! الزوجة للبصاق السفلي والبنت لبصاق الغضب. هكذا يكون الرجل رجلا، زوجا فحلا وأبا صارما!
كنت أفهم كل شيء قبل أن أدرك أي شيء. كنت ممتلئة، بالذكاء الجمال الطموح، وبالقدر ذاته ألما. ألم؟ يا للغة الكسيحة. أنا أستعمل كلمات قاموسكم. كنا فقراء زائد كوننا تعساء. يسافر أبي إلى أية ناحية مصطحبا نعجته بحثا عن لقمة مستقرة. ميكانيكي سيارات. وعلي الطفلة التي هي أنا أن ترعى قبيلة الأطفال الأصغر. كان مستحيلا أن يستمرا معا. حين انفصلا، أبي عن أمي، كنت في العاشرة، فكان بيت الأيتام لسنةٍ ملجأنا، أختي الأكبر وأنا. والمسكينة أمي كان عليها أن تعمل تقريبا كخادمة: حياكة ملابس، تصفيف شعر… الخ. تلك فنون الفقراء غير المعترف بها. وكنت أساعد أمي في شغلها. طبعا نفعتني هذه الخبرات فيما بعد وأنا في أوج شهرتي كفتاة إغراء. كنت أصمم ملابسي بنفسي، أختار البكيني الذي تشتهيه مسام جسمي، ماكياجي وتسريحة شعري كما يريدهما إحساسي باليوم ونور النهار. ذاك سر المهنة. ليس الشكل فقط ما أقصد لكن الحالة. الروح. كيمياء الحس والذكاء التي تصعَد أبخرتها في اللقطة. إفرازات الخيال السحرية التي تحول طين الجسد ذهبا في لحظة كاذبة. اللحظة التي ستتجمد إلى الأبد مشحونة بحقيقة ما. من يمتلك هذا إلا المختارون؟ كنت لامعة الداخل، وكان حتميا أن ألمع في الخارج. هذا حقي. قدَري. الجمال يعلن عن نفسه. هذا هدفه وامتلاؤه ومصيره. لم يكن ثمة خيار، وتلك براءتي!

أردت أن أكون نجمة في السينما فدرست التمثيل. ولكي أقيم أودي كنت أقبل أي عمل: سكرتيرة، كاتبة على آلة الكتابة… قبل إنهاء دراستي في العام الذي انتهت فيه الحرب الثانية، تزوجت من زميل دراسة سرعان ما استدعته العسكرية لترسله مع الترسانة البحرية إلى الحرب. طبعا عاد شخصا آخر وطلبت الطلاق. في الأثناء كنت أتنقل أبحث عن فرصتي في ولايات عدة: سان فرانسيسكو، ناشفيل، ميامي، هاييتي. وفي نيويورك، كنت أتسكع أحد أيام سنة خمسين على شاطئ كوني آيلاند، اصطادني شرطي مغرم بالفوتوغرافيا وخرج مني بألبوم إغراء كامل. كانت هذه هي المرة الأولى التي تتحد فيها نزوات الكاميرا بنزوات جسمي ونشوته في استعراض نفسه. ألبوم كامل كان مدخلي الحتمي لشهوة العالم. كانت نوادي الفوتوغرافيا وقتها تبرر العري بالفن. لكن هذا لم يكن في الواقع سوى سوق للحم الأنثوي. غير أني لم آبه لأخلاق السوق التعيسة تلك. منذ البداية تعودت الظلم وخبرت حقارة العالم. كان شاغلي أن أقول بجسدي “أنا هنا”. كان جسدي آلتي التي أردت العزف عليها ويسمعها العالم. بل لأنصت أنا إليها أولا. عملت موديلا بنادي الكاميرا إذن ولم أمانع في الوقوف في أي وضع. وكيف أمانع وهذا في الحقيقة كان يهيّج رغبة سرّية داخلي. كان حاجة. وفي سرعة وميض الفلاش أصبحت رمزا جنسيا للقارة كلها، بل وخارجها. كل المجلات تطلبني. كل المصورين يلحسون عريي بعدساتهم. احتاروا في تفسير جاذبيتي. قالوا إنها ابتسامتي العريضة الطافحة سعادة! كانت السعادة جسدي وجسدي كان ابتسامة.
دخلت مع الفوتوغرافي إرفينج كلو عالما داكنا من الجنس الذي يمارس في الظلام. كانت تُطلب منه صور تُرسل إلى مريديها بالبريد: فيتيش وملابس جلدية وأحذية بكعوب مبالغ في ارتفاعها وسياط وحبال وسيور وسلاسل. لعبت في اللقطات والأفلام القصيرة دور الضحية المقيدة التي يُمارس فيها التعذيب تارة، والمتسلطة السادية تارة أخرى. كانت هذه الأفلام محرمات ذلك الوقت، تُوزع وتُمرر في السر. ونجاحا إثر نجاح، تقافزت أطياف جسدي على خشبات المسارح والتلفزيون في أدوار لا تخلو من ظلال شبق. أصبحت فتاة البين اب والبلاي بوي رقم واحد في العالم، سابقة بعدد اللقطات والانتشار على مونرو الجميلة. آه مارلين! كم كنت أعرف روحك مثلما أعرفني لتشابهنا وطفولتنا الأليمة! وكم كنت أحبك وأغار منك في الخفاء! وهل الغيرة إلا نوع من الحب؟ المهم أنني وصلت! أطلقوا عليّ: “ملكة جمال البن أب”، “ملكة التلوّي”، “الملاك الداكن”، ” الفاكهة المحرمة”، “فطيرة التفاح”، “السحر”، “النداء”، “الخطر”، “الفاتنة ذات العلامات السود” و”ذات الأقواس القاتلة” و”اللعوب”… الخ. تعرفون أن عمر فتاة البين اب والبلاي بوي والموديل يُعد بالشهور. أنا امتد بي عمر المهنة سنوات. سبع سنوات على عرش الإغراء هي خرق لكل المقاييس!


أعود لحكاية الذنب! مات شاب مقيدا بالحبال أثناء جلسة جنس مازوخية. وذاع أن الحادثة كانت وحيا مباشرا من صوري “الشريرة الداعرة”. نتيجة الفضيحة تلك كانت الحبس لـ كلو، الذي كنت أعمل معه. تلوثت سمعته كمصور لـ “البورنو الرخيص البذيء”، وسمعتي معه طبعا. ولإنقاذ ما يمكن، أنفقت كل ما أملك للحصول على نسخ الصور تلك وإعدامها. واستدعاني الكونجرس للشهادة في القضية لكنني اعتذرت عن الحضور. وطالبَت المحكمةُ بحرق نيجاتيف الصور المشبوهة التي استخدم كلو في بعضها رأسي وركّبه بالمونتاج والخداع البصري على أجساد أخريات. فهل كانت تلك الحادثة سبب تركي المهنة ولجوئي إلى الدين؟ طبعا كثيرون اعتقدوا هذا، وما كان لي أن أوضح وقتها الأسباب حتى لو استطعت. هناك الكثير الذي يستحيل شرحه في حينه. والأمر بسيط. ربما الكهرباء الزائدة التي تحكمت في حياتي هي ما جعلت رد فعلي لا يخلو من تطرف. لكن لكي أوضح هل أبدأ وأقول بعداوتي للزمن، أم هي روح الفنان الذي يعرف متى ينسحب في اللحظة المناسبة لكي يضمن لصورته الخلود كما عرفته الدنيا من خلالها؟ هما الشيء نفسه أعتقد. الزمن اللعين الذي يعمل فينا كما تعمل الرطوبة في لوح من حديد. كان جسدي ما يزال في عنفوانه حين انسحبت. كنت في الرابعة والثلاثين وقتها. وكنت بدأت التعري أمام الكاميرا في السابعة والعشرين. لكن نملةً كانت تمشى على رمال جمجمتي الداخلية منذ البداية. لم أنس الزمن يوما. طوال الوقت لم أنس العمر الافتراضي لتلك الفورة والبضاضة واللمعة. العمر الافتراضي لأوتار آلتي الحبيبة. ألا ترون أن للهلع براءته؟ تخيلوا لو لم يكن هناك زمن يتآكلنا، هل كنا سنجري كي لا يفوتنا قطار ما؟ الزمن لي كان الموت.
الزمن! نعم، ذلك الذي ما تكاد نملته المتسلقة أعصاب دماغي تدخل سردابه الجاثي كقبر مهجور حتى تنفرد شاشات بحجم الأفق أمام ناظري أرى فيها الحقيقة: مصائرَ الأخريات وكيف تتراقص أشباح أجسادهن كهياكل عظمية تحركها خيوط في يد مجنون ثم يختفون كغبار طيّرته عاصفة: تيدا بارا التي ويا للسخرية فسّر البعض اسمها بمعني الموت، بإعادة ترتيب الحروف منTheda إلي Death.

خيالاتها على الشاشة الصامتة ربما كانت مفتاحا للأخيلة التي كانت تتراقص على شاشتي الداخلية التي كانت تنفتح أمامي كنبوءة. ألم يكن لها الكهرباء الزائدة نفسها التي لخبطت كياني وحركتي؟ ألم تبلغ أوج الشهرة والثراء حين اقترن اسمها بشارلي شابلن؟ أربعون فيلما صامتا نجوا من كارثة الحريق الذي أتى على مخازن شركة فوكس للأفلام. لكن عريها المكسو بالمخمل كان أسطورة في الزمن. كنت أراها على شاشة جمجمتي، وأرى آلة الدعاية والأكاذيب التجارية اللازمة لخلق الأساطير حولها: “الفتاة المصرية المولودة لممثلة فرنسية ونحات إيطالي”، “الأميرة المصرية التي رضعت دم الثعبان وكانت ستُقدم كعروس لأبي الهول في زواج سري. تمردت على قبيلتها كي تظل عرافة وشهوانية إلى الأبد” إلى آخره من خرافات كانت تبيع جيدا في السوق آنئذ. تزوجت وأفل نجمها وعاشت في هدوء مع السرطان الذي نهش معدتها وماتت.

وبعين حدسي رأيت مارلين مونرو كبرق خاطف وجمال موهوب للآخر ليس لها، إذ نصيبها المأساة كانت. ألم نتشابه جدا! ألم تبحث طوال حياتها الصاخبة عن الأمان العاطفي، الخلاص بمعنى ما؟ وما الفرق في أنها قتلت نفسها أو هم قتلوها؟ لا أرى فرقا حقا، منذورة للموت كانت. في الأخير فالجمال الخارق مخلوق للقتل كما قال أحدهم. والقتل وسائله ومعانيه عديدة!


بيتي بيدج: رأيت بيتي جرابل، ذات السيقان الجمل في تاريخ هوليود





رأيت بيتي جرابل ذات السيقان الأجمل في تاريخ هوليوود حد اتخاذ اختصاصيو صناعة الجوارب النسائية نسب سيقانها مقياسا للجمال. تلكما الساقان اللتان أمّنتهما استوديوهات هوليوود بمبلغ مليون دولارا. كان هذا في الأربعينات، أي مليارا بحسابات اليوم. وأسمع صوتها وهي تغني في صرير عابر تصدره نملة دماغي حين تصل إلى شريان مسدود. ألم يستخدموا جسدها كملصق يعلقه الجنود في ثكناتهم في الحرب الثانية كي يَقتلوا بحماس أكبر أو يموتوا على وهم لذيذ؟ ألم يتكالب عليها مديرو الاستوديوهات في النهاية لينهوا أسطورتها؟ زواج طلاق وزواج ثانٍ وإدمان كحول وخيانات وطلاق وسرطان وموت!
رأيت الكثيرات ممن لحست عدسات الكاميرا أجسادهن لتقدمها لعيون الملايين تلمع كدمية من البلاستيك. وقوفهن عراياها أمام العدسة والرسام أو رقصهن في علب الليل، صور متجردة من المخمل والبريق تبخّها نملة دماغي كالبرق تخبو الشاشة بعدها وتنطفئ.
رأيتني كيس لحم ينزلق من بين أفخاذ تعاستين في لحظة مارقة! وأسأل أين هما الآن من شطراني نصفين وأورثاني التعب! خارجي جسد هو الجمال وداخلي نملة هي التيه! لكن كان علي أن أمشي الطريقَ إلى آخره. كنت أنجح في عقد هدنات بيني كممثلة في سيرك العالم وبين نملة الضياع التي تريد أن تجد الطريق. أردت أن أهب جسدي أسطورته التي يستحق لأتوقف في اللحظة المناسبة، قبل أن يخونني هذا الجسد مهزوما بالوقت. نضارة الجسد تشبه الضيف، على الجسد نفسه وعلى العالم. والضيف الذي لا يعرف متى يغادر يعرض نفسه للمهانة. ولا تنسوا جمال الغياب. الغائب هو الأجمل دائما، كما قال شاعر!


 أردت أن أهب جسدي أسطورته التي يستحق لأتوقف في اللحظة المناسبة



أردت أن أمسح الماضي كما تمسح إسفنجةٌ غبشَ نافذة. أردت إيقاف دبيب النملة التي تتجول في سراديبي باحثة عن مخرج. كنت أشعر بها طوال الوقت كهسيس ساعة رملية. ترس يدور على لحمي الممزق والمرمي في صحراء. أُحاول إسكاتها بالصخب بالرقص بإشباع الرغبة بعنفوان الممارسة، لكنها لم تك تكف عن المشي في خيوط دماغي. تتسلق أدق الشرايين وتهبط. وفي حركتها الخفية تهمس لي أين أنت الآن يا بيتي وإلى أين؟ أنت لست سعيدة ولن تكوني، أنت ضائعة، أشلاء، أنت مذنبة تجاهي وتجاه ذاتك، أنا هي أنت، بسجنك لي تسجنين نفسك، إلى متى يا بيتي، رغباتك وطموحاتك لن تنتهي وأنت ستنتهين، ليتك تشبعين الرغبة ببراءة الرغبة، لكنك تعرفين أنك تنتقمين لحرمانك القديم، حركتك ليست فعلا حرا قدر ما هي رد فعل فيه القليل من الحرية القليل من البراءة، انظري كيف يستخدمون جسدك في السوق وفي الحرب والقتل، جسدك ليس أكثر من شيء، فكرة، صورة معلقة في ثكنة جندي أرسلوه ليموت بعيدا عن أمه، أنت قاتل بلا قصد، جسدك على كل الأغلفة، على تقويمات الشهور، على بطاقات البريد، على الطوابع، على أوراق اللعب في أيدي السكارى والملاعين، أصبحتِ ثقبا وهميا لاستمناء المحرومين، بضاعة، سلاحا في أيدي السياسيين، قنبلة تُرمي على فلاحين في حقل، وتقولين لم أرد حياتي أن تكون فرقعة؟
جاءت الفضيحة وكانت عنق الشريان الذي اختنقت فيه النملة. كانت المؤشر والعلامة واللحظة. أخذت حقيبتي ورحلت عن نيويورك. أردت أن أتلاشي. أن أولد من جديد، من دون أب وأم. لجأت إلى الكنيسة والروح القدس ولم أكتفِ. أسست طائفة وكنيسة. الكهرباء الزائدة! تزوجت مرة ثانية وتطلقت. ومنعني طلاقي من التبشير في إفريقيا التي تخايلت لي كمقبرة رحيمة لدفن هياكل الموتى المتراقصة في ذاكرتي. كان ذلك في مطلع الستينات. تعاونت مع منظمات مسيحية عديدة والتقيت زوجي الأول أثناء العمل التبشيري. تزوجنا مرة أخرى وتطلقنا بعدها بقليل. الكهرباء الزائدة! عدت إلى فلوريدا، بلدتي الحبيبة سنة سبعة وستين. تزوجت مرة أخيرة وبعد ثلاث سنوات تطلقت. الكهرباء الزائدة!
انتقلت في أواخر السبعينات مع أخي إلى لوس انجلس. أردت العيش في هدوء. تخففت حتى من مجهوداتي مع الطائفة التي التفت حولي. نسيت العالم وظننت أنه نسيني. لكن للعالم منطق وروح وإرادة أخرى. كان هناك من يحفر في الطين بحثا عن ذهب. مجلات وصحف تخربش بإبرتها في اسطوانتي القديمة تحت مسمى وهمي: “الحنين إلى بيتي بيدج”! عاد الماضي، جسدي القديم، إلى الأغلفة التي هجرها وظن أنها نسيته. شخوص كاريكاتورية سميت باسمي تسرد حكايات مستلهمة من حكايتي التي لا يعرفها إلا الرب وأنا. يا لعالمٍ يقتات على نفايات الأخيلة والحواديت! عاد طيف جسدي الصاخب إلى عين الحاضر بينما أستحلب أنا الهدوء في الضوء الخافت لغرفتي الفقيرة. الفتيات تقص الشعر ويصبغنه على صورة “الملاك الداكن” التي كنتها يوما. مقالات وكتب تشرّح في جسدي وتسلط أشعتها السينية على نمل وجودي الأكثر سرية! مسرحية تُكتب عن فتاة بين اب استعملت اسماً شبيها باسمي “بيتي سو” وقلّدتني وقتلها مجهول. وصل الضجيج إليّ في عزلتي. مذيعون وصحافيون يتصلون بي لمقابلات وحوارات. المفارقة المضحكة جعلتني أتكلم بالصوت فقط لبرنامج “حياة الأثرياء والمشهورين” وأخبرهم أنني مفلسة أعيش في مسكن جماعي للفقراء، وأنني في عزلتي لم أعرف أني حييتُ من بعد موت، بمقاييس العالم طبعا لا بمقياسي أنا عن الموت والحياة. رأيت هذا الصخب فرصة لتحسين وضعي المادي. حقي. هم يتاجرون بي ويجب أن أحصل على نصيبي من الصفقة. وقعت عقدا مع وكيل في شيكاغو وفشلت بعد ثلاث سنوات في الحصول على شيء. وقعت عقدا آخر مع شركة كيرتس التي مثلت عقارات جيمس دين ومارلين مونرو، أتاني منها الفرج والتأمين المادي لأيامي الباقية. كتب لا حصر لها تناولتني. كلهم ينبشون في أسطورة البين اب بيتي بيدج: ماذا فعلتْ في سنوات اختفائها من عالم الأغراء في نهاية الخمسينات! حد أن أحدهم كتب سيرة اخترعها تثبت مرضي بالفصام النفسي ونوبات الجنون. طبعا أثار هذا أنصاري وأنا معهم عليه. ربما الملعون على حق، ولكن غريزيا كان علي أن أدافع عن نفسي!
رغم العقود الثلاثة التي مرت على انزوائي وارتشافي الوحدة، والتي كانت كفيلة بجعلي أتخطى حياتي كلها، خصوصا وأنا بهذه القوة الروحية، إلا أني تحاشيت الظهور في كل اللقاءات والحوارات التي تملقني أصحابها من أجلها. على أية حال رأيت أن تدركوا حقيقة شكلي من صوتي المجرد وذبذباته: امرأة بدينة مترهلة، فسدت أسنانها، تحتاج من يدبر احتياجات حركتها في مساحة أمتار! وهل يجب أن أفزع الطير بشكلي لكي أثبت أني قوية ويقال إنني تخطيت نفسي؟ الأمر ليس هذا. ببساطة لم أرد أن أخون ذكرى جسدي القديم. ومرة أخرى: الجمال يعلن عن ذاته، وعكسه يتوارى. في الأول براءة، وفي الثاني حكمة. هذا هو.  فن الحياة. أن تعرف كيف ومتى ترقص وكيف ومتى تنزوي وكيف ومتى تموت. أهي الكهرباء الزائدة؟ فلتهبنا الحياة إذن كل كهربائها ولو قالوا إننا مرضى ومجانين!
الطائفة والكنيسة؟ لا أدري حقا! قلت قبلا، ربما هي الكهرباء الزائدة. غير أني أفرق بين لجوئي إلى الدين كتوق روحي وخلاص، وبين ذلك الكيان الطائفي الذي نُسج من حولي وجعل مني أشبه بعنكبوت نبية. أنا لست نبية وما كان لي أن أكون. لكني أعرف أن الأنبياء اضطروا للكذب لينقذوا الخراف الضالة. الناس ليسوا متساوي القدرات. الطبيعة ليست عادلة. لهذا خُلق الكذب الأبيض كما تسمونه. وأين يذهب هؤلاء المساكين وهم محاطون بمؤسسات بغيضة تمتص دماءهم في العمل وترسل أولادهم ليموتوا في الحرب وتلعب بمصائرهم كلاعب الشطرنج بأحجاره. ثم، أليس هذا النظام الكهنوتي المسربل بالأسرار موجودا في كل أديان الأرض؟ لو أن فردا ارتقى بعلمه وصعد السلم الروحي فما حاجته للكنيسة أو المعبد إذن ما دام وصل إلى نفسه؟ لكن أحدا لن يقدر على توصيل هذا لفردِ قطيع. الفرد يجب أن يمر بنفسه بكل السراديب والأكاذيب والأبنية والهياكل كي يصل وينفصل. وهذا ما حصل معي. لست نبية ولم أرد وما كان لي أن أكون.
لكن هل استطيع الآن أن أقول إنني وصلت إلى نفسي؟ أنا الآن في الخامسة والثمانين، ولا يوم يمر دون أن أسأل نفسي من أنا؟ الأيام التي أمامي معدودة ومازلت أجهل من أنا! ربما في لحظة الموت وحدها أعرف الجواب! رغم ذلك، فالهدوء والطمأنينة يسكناني. وفي لحظاتٍ أرى نورا ينشقّ داخلي. أشعر حينها أنني امتلكت الأبدية وأنني لن أضيع وأن براءتي ستحملني خفيفة إلى حيث ينبغي أن أذهب. أرى حياتي كلها كحلم في برهة. لكنه طويل لا نهائي كالأبد. كنت حلما. حلم له جسد. أجمل ما في الحلم الجسد. وأجمل ما في الجسد الحلم.

وهل أقدر، بعد هذا التطهر الطويل، أن أقول إنني حققت خلاص جسدي من رغبته؟ ربما الأبلغ أن نسأل راهبة. الجواب الذي أعرفه لا، ولن أصدق من تقول نعم! هذا الصرصور المختبئ في مغارة الأنوثة لن يكف أبدا عن الصرير! سمعت امرأة في التليفزيون الذي أقضي أمامه يومي كله منذ سنين تقول إن تلك الحشرة هناك لن تسكت حتى لو تخطت المرأة المئة عام! أبدا لن تسكت إلا مع النفس الأخير. ابتسمت. كانت المرأة في التسعين! لكني أرى إلى ماضيّ بشفقة. روحي متصالحة مع جسدي، أخذ دورته وهِباته من اللذة حين كان لا يشبع. حقه وأخذه. وُهب ووهَب. إنها قصة الأنين البشري. أنين الألم وأنين اللذة. صراخ يتطاير مع عظامنا في الفضاء. وماذا عن التفاصيل الغابرة، كلِّ ذاك الصخب الذي صنع ألمنا وعذابنا؟ لابد أنه محفور على خلية ما وسط الركام، كاسطوانة تدور وتدور في مجال تراب صاحبها، في جاذبية الفضاء البعيد. إنه المصير يا أصدقائي!
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
يوسف ليمود كاتب وفنان تشكيلي مصري مقيم في سويسرا
·         RSS 

Tuesday, November 29, 2011

عري علياء صفعة مزدوجة للرجعيين والتقدميين



عري علياء المهدي..
صفعة مزدوجة لمجتمع الرجعيين والتقدميين على السواء



إبراهيم فرغلي
قبل ثورة 25 يناير بنحو ست سنوات، وقفت هند الحناوي بمفردها، وبدعم معنوي من والديها في مواجهة مجتمع ذكوري غبي، للدفاع عن حقها في نسب ابنتها من علاقتها بأحمد الفيشاوي، الذي رفض أن يعترف بالنسب لأنه من البداية كان قد طلب من هند أن تجهض نفسها، لكنها رفضت واصرت على الحفاظ على جنينها، وعلى مدى عامين ناضلت الحناوي إعلاميا وقضائيا لكي تدافع عن حق ابنتها في الحياة والنسب، ونجحت في النهاية من انتزاع حقها بالقضاء الذي حكم بنسب الطفلة للفيشاوي، مستشهدا بابيات من قصيدة لنزار قباني،  وهو ما تسبب في صدمة عنيفة لمجتمع ذكوري متناقض، يمكنه أن يسمح بكل شيء طالما يتم في الخفاء والسر، لكنه لا يمكن أن يقبل الحقائق حينما تلطمه على وجهه وتواجهه بازدواجيته وانعدام إنسانيته المتخفي خلف دعاوي تتمسح بالدين أو بقيم قبلية مهترئة وبالية ولا إنسانية.
وجهت هند الحناوي صفعة عنيفة للرجل الذي تخلى عن مسؤوليته في علاقته بها، بل وبابنته التي آثر طويلا أن يتخلى عنها لتواجه مجتمعا ذكوريا وحشيا وقمعيا وحدها، فيما يتفرغ هو لدروس دينية كان عاكفا عليها آنذاك فأي رياء اجتماعي وازدواجية؟  وامتدت صفعة الحناوي مدوية لمجتمع كامل تحيز لقيم الذكورة العنصرية والرياء والنفاق  بلا اي مراجعة أو تانيب ضمير. آنذاك كنت أرى في موقف هند عملا ثوريا بامتياز في مجتمع مريض لا تزال تمارس فيه جرائم قتل باسم الشرف.
واليوم في عصر الثورة تضيف شابة أخرى لا يتجاوز عمرها 20 عاما تدعى علياء المهدي، مدا جديدا للثورة الاجتماعية بنشرها صورة عارية لها على مدونتها الشخصية، فتواجه بكم من العنف اللفظي والاتهامات اللاأخلاقية واللاإنسانية، إضافة للتعليقات من المتاسلمين والسلفيين التي تبدا من الاتهام بالفجر ولا تتوقف عند حدود الإلحاد، وهي الاتهامات التي تأخذ شكلا يبدو فيها مطلقوا التهم من هذا النوع اشبه بأصحاب صكوك الغفران، وهو متوقع بطبيعة الحال، مع الأسف، في مجتمع لا يزال يحبو في أولى خطواته نحو طريق الحرية. لكن ما يعنيني هنا هو موقف المثقفين الذين ينادون بالحرية والديمقراطية ويصفون أنفسهم بالليبرالية والتحرر، فماذا كان موقفهم من جسد علياء العاري؟
ربما نجد في الفيس بوك مساحة جيدة لاستعراض سؤال تردد من قبل أكثر من مثقف حول موضوع علياء المهدي وكأن الصورة العارية لعلياء بالفعل وضعت حتى المثقفين، او ربما كثير منهم أمام سؤال ملتبس عن موقفهم هل هو الحياد المطلق كأنه شان لا يعنيهم كما تساءلت هالة صلاح الدين؟ أم كسؤال عن حدود الحرية كما طرحه إيهاب عبد الحميد الذي كان يرى تمييزا واجبا بين حق الملحد في التعبير عن رأيه لكنه في الوقت نفسه يرفض الإساءة اللفظية للمقدسات، تماما كما يدلل بمثال آخر على تعاطفه مع موقف أو حرية مايكل نبيل في رفض اداء الخدمة العسكرية لكنه ضد مقولاته المتعاطفة مع إسرائيل. ويعكس إيهاب عبد الحميد بشكل ما ارتباك المثقف أمام سؤال الحرية في حالة علياء، وفي الموقف الذي يمكن أن يتخذه المثقف المنادي بالحرية.
اي أن الجملة الضمنية في هذا الموقف هي "انا مع حرية التعبير ولكن في حدود أو بشرط" ويصبح السؤال هنا من يضع الحدود والشروط أو كما تقول الشاعرة إيمان مرسال " إذا كان الواحد ضد فكرة العري ولا يرى فيها إلا الوجه الآخر للاختباء خلف جدار أو نقاب فما الذي عليه قوله أمام عُري علياء؟ هل يدافع عن حريتها الشخصية في التعبير أم يتخلى عنها؟ وهل هناك معنى للدفاع عن حرية التعبير لو كنا ندافع فقط عن حرية من يتفقون معنا فيما يعبرون عنه؟ يمكننا بالطبع الخروج من هذا المأزق بمقولة من قبيل "نحن مع حرية التعبير ولكن على أن يكون لها سقفاً؟". أي سقف هذا ومن لديه صلاحية وحق تحديد ارتفاعه أو انخفاضه بالسنتيمترات أو بقائمة الملابس التي يمكن خلعها أمام الكاميرا . مَن سيقوم بهذا الواجب القومي؟ أنا أم علياء أم الشيخ عبد المنعم الشحات أم جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بفروعها المتعددة في مصر؟".

علياء المهدي نفسها توضح موقفها من فكرة السقف هذه حين تعلق على واحد من  بين المترددين على المدونة في قائلة "الحرية ليست في أن أفعل ما يسمح لي بفعله, لكن في أن أفعل ما أريد طالما لم أتعدي علي حريات الآخرين سواء وافقني أو عارضني المجتمع ولا أخاف من العواقب. أنا باعمل اللي عايزاه داخل وخارج حدود المدونة ومدركة إني ممكن أدخل السجن بسبب ما أنشره علي مدونتي".
في بعض التعليقات التي كتبت على مدونتها تعليقا على الصورة اتخذت بعض السيدات صورة السيدات العالمات بالفضيلة التي لا تعرفها "علياء" من وجهة نظرهن، والبعض اعتبرها مجرد "ضحية" لظروف اجتماعية قاهرة كما اشار مثلا سيد القمني في تعليق له، وقد علقت ايمان مرسال على ذلك بالقول :" الذعر الحقيقي أصاب بعض إن لم يكن معظم من يؤمنون بحرية التعبير وأنا منهم؛ ما الذي يجعل علياء تضحي بنفسها هكذا؟ من أجل ماذا بالضبط؟ أفكر فيها كشخص أصبح موضوعاً، يالتعاسة أن يصبح شخصاً - أياً كان - موضوعاً. ومثل القمني أفكر فيها لوهلة كـ "ضحية"، كنتاج "خلل اجتماعيّ"، كعينة على "العبث"؛ هل هي بريئة، صغيرة أم حمقاء أم كل هذه الصفات معاً؟ أتعاطف معها للحظة وأنتبه إلى أنه كان يمكن أن يكون لدي بنتاً في مثل عمرها فيزعجني أن يكون الارتباك الذي سببته لي و"لنا" له علاقة بالأجيال، بأننا آباء ولا نستطيع أن نفهم كيف يحتجّ أبناؤنا".
هكذا اذن نجحت علياء في ان تصيب العلمانيين والليبراليين انفسهم بالذعر وبوصف مرسال:"كان عُري علياء قد سبب ذعراً لبعض العلمانيين والليبراليين والمؤمنين بحرية التعبير فهذه هي المفاجأة الأهم التي نتجت عن براءتها أو ثوريتها أو حمقها".
تعترف نادين شمس، الكاتبة والسينمائية المصرية:"علياء اربكتنا، لكن هذا هو المطلوب..في بعض الأحيان يكون تأثير الكلمات مع الوقت ضائعا، لكن الصورة – الفعل أقوى، وقد "فعلت" علياء ولم تفكر ، وحاولت أن تثبت بطريقة بدائية جدا وجهة نظرها ونجحت . إختارت ان تكون وتركت لنا حرية أن نراها كما نرغب كل وفق مرجعيته دون المساس بمساحتها، فقط  على أن نتركها تكون، بعد ذلك فيلسمها أى منهم أى اسم، فهذا لن يهم، إنها هي تقف بسنواتها العشرين قوية تتحدى من يكرهون الجسد ومن يلعنون اللحم وهم له عبيد".

 الكاتب أحمد غريب يضع المسألة في إطارها كفعل ثوري قائلا:" بمعنى ما نشر علياء لهذه الصور في فضاء مفتوح لحظة تاريخية، لكنها لحظة لاتزال في حالة سيولة لا نستطيع استشعار نتائجها. هناك بعض النقاط تستوقفني كأحجار نخطو فوقها لتتبع تفاعلات هذا الحدث الذي لايزال طرياً يتشكل.
أولاً: الجدل حول ربط مبادرة علياء بالثورة، بينما هو في حقيقة الأمر ثورة في حد ذاته، لذا لم يكن مستغرباً أن تنفي حركة 6 إبريل انتماء علياء لها، وهو ما فعلته علياء بالمقابل عبر موقع تويتر حيث نفت هي الأخرى أي انتماء أو ارتباط لها بالحركة، لأن فعلها أصيل وصادر عن نفسها، إنه ثورتها الخاصة كامرأة.
ثانياً: إنه فعل فردي، وهو الأول من نوعه من هذه الناحية، كون هذا الجيل الشاب الثائر يتميز بالجماعية وبقدراته التنظيمية وأيضاً كثافته العددية؛ وهذه الكثافة والجماعية أتاحا له تفوقاً عددياً وتنظيمياً على أجهزة القمع البوليسية، لكن مبادرة علياء هي الأولى بين هذا الجيل كعمل فردي - وهي ليست الأخيرة - كون التفاعلات الثورية لاتزال مشغولة بموضوع أساسي حتى الآن هو "تمكين الثورة" ما يتطلب تضافر الجهود الجماعية وتأجيل المبادرات الفردية التي ربما ستأخذ موضعها في مرحلة تالية. لكن من ناحية أخرى مبادرة علياء تحديداً لا يمكن أن تكون إلا فردية ما دامت تتحدث عن الحرية والعتق من سيطرة الآخر سواء كان ذلك الآخر سلطة أبوية للآباء والأقارب أو سلطة معنوية للمجتمع، هذا العمل يتسق أكثر مع نفسه بتأكيده على صيغته الفردية، والتي تضع محاولات منتقديه في مأزق، كون المبادرة وتعليقات صاحبتها في النقاش مع منتقديها لم تؤكد على شيء سوى استقلاليتها كفرد، إنها لم تطالب أحداً -حتى الآن- بالتضامن معها، كل ما طلبته فهم رسالة استقلالها الجسدي، أو على الأقل هذا ما وصلني من مدونتها.
ثم يقارن غريب بين رد الفعل تجاه علياء والفتاة سميرة ابراهيم التي قررت أن تفضح تعرضها لفحص العذورة على يد العسكر معرية المنطق الذكوري الكامن لدى السلطة من جهة، والمفاهيم المزدوجة وربما المتناقضة للعفة لدى السلطة والجمهور معا.

تفتح صورة علياء المهدي بابا واسعا لنقاش مأزق الحرية في مجتمع يعيش ثورة بينما لا تزال غالبيته العظمى تعاني من كل القيم التقليدية التي تتعارض في مفهوم الثورة الذي يفترض في جانب منه مراجعة أدواته المعرفية ووسائل هذه المعرفة، واختبار القيم وفق منطق إنساني لا منطق قبلي أو طائفي.
تقف علياء أمام عدسة كاميرتها التي ضبطتها بالتوقيت الذاتي، بوجه بريء وطفولي بجسد عار، إلا من جوربين شفافين وحذاء أحمر،  توجه نظرة واثقة من أن جسدها النحيف الصغير هذا سيكون مركز الإطلالة على نوافذ واسعة يخشى المجتمع أن يقترب منها خشية السقوط دون ان يعرف حتى ما خلف النافذة.. كأنه الخوف المتراكم من أزمنة القمع الذي لا يزال يجعل صاحبه يفضل ان يقف بعيدا يرقب النافذة المغلقة على أن يفتحها ويرى ما قد يفاجؤه ويتطلب منه فعلا ما، أو ربما قفزة في الفضاء لا يبدو أن أحدا مستعدا لها حتى هذه اللحظة.




 نشرت في النهار اللبنانية في 22 نوفمبر 2011